الحاكم بأمر الله الشخصية الغامضة

د.محمد فياض



الحاكم بأمر الله الشخصية الغامضة



يأتى الحاكم بأمر الله الفاطمى كأحد أغرب الشخصيات الحاكمة فى التاريخ الإسلامى بصفة عامة.. وهو سادس الخلفاء الفاطميين، يصفه المستشرق الألمانى ميللر بقوله «ما زال الحاكم بأمر الله لغزًا.. فهو من أعجب وأعمق الشخصيات التى عرفها التاريخ».

 

شخصية قلقة وغريبة أثارت ركامًا من التساؤلات، كما أثارت الدهشة، حتى إن ابن إياس قد قال فيه «أرى فيك أخلاقًا حسانًا قبيحة.. وأنت لعمرى كالذى أنا واصف.. قريب بعيد باذل متمنع.. كريم بخيل مستقيم مخالف.. كذوب صدوق ليس يدرى صديقه.. أيجفوه من تخليطه أم يلاطف.. فلا أنت ذو غش، وأنت ناصح.. وإنى لفى شك لأمرك واقف.. كذلك لسانى هاجنى لك مادح.. كما أن قلبى جاهل بك عارف»، وهى أبيات تدلل لنا عن مدى الإشكال الذى سنواجهه.
 

وفى السياق ذاته، يقول ابن تغرى بردى: «وكانت خلافته متضادة بين شجاعة وإقدام، وجبن وإحجام، ومحبة للعلم وانتقام من العلماء، وميل إلى الصلاح وقتل الصلحاء، وكان الغالب عليه السخاء، وربما بخل بما لم يبخل به أحد قط، وأقام يلبس الصوف سبع سنين وامتنع عن دخول الحمام، وأقام سنين فى ضوء الشمس اللامع ليل نهار، ثم عنَّ له أن يجلس فى الظلمة فجلس فيها مدة، وقتل من العلماء والكتاب الأوائل ما لا يحصى، وكتب على المساجد والجوامع سبّ أبى بكر وعمر وعثمان وعائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص، ثم محاه بعد سنتين».
 

وسنبدأ بالاتهامات التى وجهت إلى الحاكم، فقد مثلت بعض تصرفات الحاكم حيثيات قوية لاتهامه بالجنون والاستبداد، تصرفات سطرتها المصادر التاريخية، وقف المؤرخون أمامها بالدهشة والتعجب، فقد منع النساء من الخروج إلى الطرقات ومن التطلع إلى الطاقات والطلوع إلى الأسطح ومنع الخفافين من عمل الأخفاف لهن، كما منعهن من دخول الحمامات العامة، وكذا منع الرجال من الجلوس فى الحوانيت، وذلك بعد أن لاحظ مبالغة الناس فى الوقود والزينة وأنفقوا الأموال الكثيرة فى المأكل والمشرب وخرجوا عن الحد.
 

واستمرارًا فى هذه التصرفات الغريبة، أمر بمنع الناس من أكل الملوخية والقرع، وكتب على الفلاحين قسائم بأن لا يزرعونهما، والقرع علَّل تحريمه بأن أبا بكر الصديق كان يميل إليه، ومنع ذبح الأبقار السليمة من العاهة إلا فى أيام الأضحية، ومنع بيع الفقاع، وأن لا يدخل أحد الحمام إلا بمئزر، وأن لا تكشف امرأة عن وجهها فى طريق ولا خلف جنازة ولا تتبرج، وأن لا يُباع شىء من السمك بغير قشر -القرموط- ولا يصطاده أحد من الصيادين.
 

كما قام بمنع بيع الزبيب، ومنع بيع العسل الأسود، وكُسرت نحو اثنى عشر ألف جرة منه، وكسرت أوانى الخمور وأُريقت من سائر الأماكن، فضلًا عما قام به من منع الناس من الخروج بعد المغرب فى الطرقات، وأن لا يظهر أحد بعدها لبيع أو شراء، فخَلَت الطرقات من المارة، واستمرارًا منه فى إدهاش النصوص التاريخية أمر بقتل الكلاب، فقتل منها أعدادًا قُدرت بالآلاف.
 

ومن الأمور البالغة الأهمية التى حدثت أيضًا أنه فى سنة 407هـ- 1017م، حضر إلى مصر وفد من الدعاة الفرس يضم الحسن بن حيدرة الفرغانى الأخرم، وحمزة اللباد، ومحمد بن إسماعيل أنوشتكين الدرزى، وأعلنوا تأليه الحاكم، وكان هذا أساس المذهب الدرزى، وقد ترك الحاكم هؤلاء ودعوتهم فلا هو نهاهم عنها ولا هو دعمهم، وكالعادة تبرز الشخصية المصرية، فعندما بدأت دعوة تأليه الحاكم تظهر بين الناس كتب له بعض الناس رقعة لصقوها على المنبر فى مكان يقعد فيه، كُتب فيها «بالجور والظلم قد رضينا لا بالكفر والحماقة يا مدّعى الغيوب من كاتب البطاقة».
 

وفى ما يتعلق بسياسته تجاه الديانات الأخرى، ففى سنة 395هـ أمر المسيحيين واليهود بلبس زىٍّ مميز لهم، ومنعهم من دخول حمامات المسلمين، وأن لا يركبوا بهيمة، فأقاموا على ذلك مدة، ثم عادوا إلى ما كانوا عليه، كما أمر بهدم كنيسة القيامة، وذلك بكتاب وجهه إلى واليه بالرملة باروخ التركى اليهودى، الذى أسلم، وهدمت عام 399ﻫ- 1009م، وهدمت كنائس أخرى.
 

وعلى جانب آخر، فإنه من المثير وجود شهادات قوية أنصفت الحاكم بأمر الله.
 

فمن ناحية العدالة الاجتماعية، فقد تخلَّى الحاكم عن كل مظاهر البذخ والعظمة، فكان زاهدًا ومتقشفًا، فمال إلى ارتداء الخشن من الثياب وركوب الحمير، كما أخذ فى ارتداء الكتان مثل المتصوفة، كما أسقط جميع الرسوم والمكوس التى جرت العادة بأخذها فى ما عدا الخراج، ورفض جميع أنواع المواكب، ولم يتردد فى مصادرة أموال بعض عناصر الصفوة، حتى لو كانوا أقاربه، مثل الحسين بن جوهر وصهرة عبد العزيز بن النعمان.
 

كما أمر بإعادة بناء كنيسة القيامة بعد أن هدمها، كما اتخذ العديد من العمال من أهل الديانات الأخرى فى مناصب حساسة بالدولة.
 

وفى ما يتعلق بالناحية العلمية، فقد أمر بتأسيس دار الحكمة (دار العلم الشهيرة)، وتجديد الجامع الأزهر. وكان فى عهده بداية بناء المراصد الفلكية فى مصر وازدهار العلوم، ومنها علم الفلك، كما وفد العديد من العلماء ذائعى الصيت إلى مصر إبان ولايته، ولم يدخر جهدًا فى استقدامهم.
 

لقد تميَّز الحاكم بأمر الله بالميل إلى الحكمة والفلسفة، وكانت له رغبة فى تشجيع العلم والعلماء، إذ أَوَى كثيرًا من أطباء عصره وأسس فى القاهرة دار الحكمة، وإمعانًا منه فى ذلك فقد أمر بتأسيس دار الحكمة عام 395هـ، لتنافس بيت الحكمة فى بغداد، تتكون هذه الدار من عدة أقسام رئيسية، منها ما هو مخصص للعلماء والفقهاء، ومنها ما هو مخصص للقرآن الكريم والمنشدين، ومنها ما يعود إلى المنجمين (علماء الفلك)، إضافة إلى قسم لدارسى اللغة والنحو، وأخيرًا الجناح الخاص بالأطباء، وقاعة لإقامة الأمسيات والندوات والوقائع المختلفة.
 

وفى الحقيقة، فقد كانت الدار بمثابة مشروع قومى آنذاك، إذا صحّ التعبير، فقد أولتها السلطة اهتمامًا كبيرًا، ونُقلت إليها آلاف الكتب فى شتى فنون المعرفة، وأمر الحاكم بفتحها أمام كل مَن يرغب فى المعرفة، وأدخل نظام إعارة الكتب.
 

وقد بلغت خزائن الكتب فى هذه الدار أربعين خزانة شملت ثمانى عشرة قاعة للمطالعة والبحث، وقد دوّنت فى قائمة على أبواب هذه الخزائن أسماء الكتب والمخطوطات، وبلغ عدد الكتب فى هذه الدار عشرات الآلاف فى شتى صنوف المعرفة، ومن المثير أن الخليفة كان يجرى مسابقات لاقتناء بعض الكتب المنسوخة بالدار.
 

ومن الأمور ذات الخصوصية والتى ترجح كفّة الحاكم أنه قد سمع باسم ونبوغ الحسن بن الهيثم فى الهندسة، وأنه قال: «لو كنت فى مصر لعملت فى نيلها عملًا يجعل به النفع فى كل حالة من حالات الزيادة والنقصان، فأرسل الحاكم إليه المال، وحثّه على المجىء إلى مصر، فلما وصل خرج الحاكم للقائه وأمر بإنزاله وإكرامه وسيره مع جماعة من الصناع، حتى وصل إلى أسوان، ولكن ابن الهيثم لم يستطع أن يفعل شيئًا تجاه ذلك، واعتذر عن عجزه، فأبقاه الحاكم عزيزًا مكرمًا إلى وقت وفاته»، وكانت هذه المحاولة أول فكرة لبناء السد العالى فى أسوان.
 

ونختم القول فى هذه القضية بشهادة الأستاذ الدكتور عبد المنعم ماجد فى كتابه «الحاكم بأمر الله الخليفة المفترى عليه»، ونقتبس بعض الفقرات من شهادة المرحوم الأستاذ الدكتور ماجد..
«تاريخ الحاكم بأمر الله الخليفة المفترى عليه، ترجمة لحياة رجل عظيم من رجالات مصر العظام، مسلكه فى الحكم هو مسلك الرجل السوى، المتكامل الشخصية، الذى كان حساسًا بعمق لكرامة الإنسان، وللحق وللعدل، ثم إنه أول خليفة مصرى بحكم ولادته ونشأته فى مصر..».

 

والثابت أن أكبر مشكلة تقابل مَن يتعرض للكتابة عنه هو كثرة أعدائه من المسلمين السنة وحتى القبط واليهود، ويستمر الأستاذ الدكتور عبد المنعم ماجد فى الحديث قائلًا: «إن مثاليته تظهر فى ما أخذ به نفسه من تقشف وزهد، فرفض ذلك النعيم، وأعتق سائر مماليكه من الإناث والذكور، كما أخذ من والدته وأخته وخواصه من النساء أملاكهن وعقاراتهن، كما أبطل ما كان يستعمل برسمه الخاص من الثياب، ولبس الملابس الخشنة من الصوف، كما رفض مظاهر التكريم التى كان يقوم بها حرس القصر»، ويقول إن مسألة حرقه الفسطاط هى من نسيج الخيال، وهى مثل القصص الكثير التى أُشيعت عنه، فقد كان يُشاع بين الناس أن الحاكم يتوعد المصريين بحرق دورهم ونهب أموالهم وسبى حريمهم وسفك دمائهم، ولكن الحاكم كان يُسرع بقراءة سجل تطمين وإزالة سوء ظنهم، كما يورد أمثلة عديدة على محاسبته كبار رجال الدولة والنيل منهم فى حال ثبوت فسادهم، كما اجتهد فى القضاء على مظالم رعيته وأنه لم يكن يعمل على امتلاء خزانته، بل كان يفرقها على الفقراء والمساكين، فكان خروجه اليومى يحمل فى كمه شيئًا من المال يفرقه، كما كان من عادته أن يجلس فى شباك من شبابيك القصر ليفرق الصدقات ويوزع الكساء على العوام، كما حاول التخفيف من وطأة المجاعات.
 

فضلًا عن اهتمامه الشديد بمنصب القضاء، بل ويذكر أن منعه المأكولات كان لضرر فيها، وأنه شدد على الجوانب الأخلاقية ومنع المفاسد والخمور، أما عن وفاته فلم يشأ الحاكم أن يتخلى عن غموضه حتى فى لحظات النهاية، ففى 27 شوال 411هـ، خرج الحاكم وحده ليلًا راكبًا حماره متجهًا إلى المقطم، وعند حافة الجبل طلب منهم الانتظار وذهب وحيدًا ولم يرجع، ودُهش الجميع ودارت عمليات ضخمة للبحث عنه، وبعد خمسة أيام عثروا على ثيابه ممزقة بآثار طعنات.
 

وفى الحقيقة، فإن أصابع الاتهام كلها توجهت إلى أخته، ست الملك، بأنها المسؤولة عن عملية الاغتيال، وما دفعها إلى ذلك أنه اتهمها فى أخلاقها، وكان يبدى سخطه عليها وكرهـه لهـا، فانتقمت منه، وإلى جانب ذلك تصرفات الحاكم غريبة الأطوار التى خوفتها مـن أن تؤدى إلى نهايـة الدولـة الفاطمية، فكان لابد من التخلص منه.
 

على أية حال، فقد كان هذا ما للحاكم وما عليه، ولا يزال الحاكم بأمر الله قابعًا فى محكمة التاريخ، منتظرًا جهد الباحثين وحيثيات المؤرخين، للحكم عليه بحيدة وإنصاف.

 

اقرأ أيضًا.. حقيقة دولة الصحابة العادلة من هنا



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...