هذه أسباب الجرائم البشعة فى الأشهر الثلاثة الأخيرة بمصر

كريم البكرى



هذه أسباب الجرائم البشعة فى الأشهر الثلاثة الأخيرة بمصر



كابوس.. هذا هو التعبير الدقيق للحالة التى تعيشها مصر الآن، نحن أشبه بأسرى لكابوس طويل لعين مُخيف لا نعلم متى نستيقظ منه أو مَن هو الذى سيمد لنا يد العون وينقذنا من هذا النفق المظلم الذى لا تبدو له نهاية على المدى القريب أو البعيد.

 

الكابوس الذى نعيشه هذه الأيام يختلف عن كل كوابيس الحياة السابقة، هو كابوس الجريمة، فأصبحنا نشهد أناسًا جددًا لا نعرفهم، وجرائم مستجدة لم تكن معتادة من قبل، وللأسف معدل هذه الجرائم فى ازدياد وأخشى أن يتحول هذا الكابوس إلى أسلوب حياة، ومن ثَمَّ تفقد الجرائم فزعها وندور فى هذا الفلك.
أب يقتل طفلَيه بالدقهلية، أم تشنق رضيعتها فى المنيا، ربة منزل تلقى بطفلَيها فى النيل بالمنيا، شخص يتعدَّى على شقيقته ثم يقتلها بالدقهلية، شخص يستدرك خطيب ابنته وينصب له كمينًا لقتله فى الرحاب، سيدة تلقى بجثث أطفالها الثلاثة وسط القمامة بعد أن توفوا إثر حريق.. كل هذه الأخبار وأكثر تم تداولها فى 3 أشهر فقط!

 

مصر شهدت تحولًا غريبًا فى الجريمة، ونسب الجرائم السابقة تؤكد أنها ليست سلوكيات فردية، ولكنها ظاهرة تستحق التأمل والتحليل، ما الذى يدفع آباء وأمهات لارتكاب جرائم بحق أطفالهم؟! وما خطورة هذا التهديد الذى يضرب الأسرة المصرية كعصب بناء وتقوية المجتمع؟
 

الجرائم السابقة تؤكد أن المجتمع بدأ يفقد إنسانيته تدريجيًّا، الأزمة هذه المرة تختلف، فهى ليست جرائم قبلية مثل الثأر والشرف، وليست جرائم بدافع الانتقام، وليست كذلك ناجمة عن يأس من تطبيق القانون أو التباطؤ فى تنفيذه، الوضع هذه المرة يتلخص فى أناس فقدوا إنسانيتهم، لم يبالوا أو ينشغلوا بصغر أعمار ضحاياهم، ولكنهم دأبوا على تنفيذ الجرائم، تاركين خلفهم علامتَى استفهام وتعجب يجب حل لغزيهما.
البعض قد يتوقع أن الأعباء الاقتصادية قد تكون سببًا لهذه الجرائم، ولكن هل كل أب يعانى صعوبات الحياة يتجه لقتل أبنائه؟ هل يُعقل أن كل أم لن تستطيع توفير علاج طفلها تلقى به فى النيل؟ بالطبع هذا الافتراض غير منطقى، وإذا استخدمنا شماعة الأعباء الاقتصادية فنحن حتمًا سنكون نغض بصرنا عن النظر إلى الأزمة الحقيقية وأسبابها الجذرية.

 

وربما البعض يرجح أن الجهل هو السبب الرئيسى فى هذه الجرائم، وبالطبع الجهل أساس أية مشكلة والعلم هو مفتاح كل الحلول، ولكن للأسف يا عزيزى نحن جهلاء منذ قديم الأزل ولكن الفِطرة الإنسانية ظلت كامنة بداخلنا حتى رغم جهلنا، فآباؤنا وأمهاتنا قد يكون الكثير منهم لا يستطيع القراءة أو الكتابة ولم يتلقَّ تعليمًا من الأساس، ولكننا ها نحن اليوم على قيد الحياة نعيش ونتعايش ونعافر ونستمر ونتعافى من آثار بعض القصور -غير المقصودة- فى التربية، ولكننا فى النهاية لم نمت، ولم نشهد هذا المعدل المكثف من الجرائم فى وقت قصير، أى أن الجهل ليس مستحدثًا بل هذه الجرائم البشعة هى المستحدثة.


والبعض للأسف يلجأ إلى الشماعة الأكثر سخافةً وفقرًا على الإطلاق، وهى شماعة التديُّن والبعد عن ربنا، فكثيرون يرون أن البلاء الذى نعيش فيه بسبب الابتعاد عن الله عزّ وجلّ والتقصير فى الواجبات الدينية، وهنا السؤال الواجب طرحه: هل يعاقب الله المجتمع بأكمله بسبب عدم تدين أحد أفراده؟! ولكن هوى المواطن المصرى ذى العقل الممتلئ بفذلكة الشيوخ يتجه دومًا إلى شماعة الدين، هذا الطرح ليس فقط لن يحل الأزمة بل سيزيد تفاقمها، ما علاقة التدين أصلًا بارتكاب الجرائم؟ وإذا كانت الجريمة تتعلق بالدين فهل يعنى هذا أن كل القتلة والمجرمين ملاحدة؟!
 

من الصعب جدًّا فى مصر أن تجد إحصائية واضحة عن معدلات الجريمة، كما أنه من المستحيل أن تحصل على دراسات بحثية بشأن الجرائم وأعمار المتهمين وحالتهم الاجتماعية والنفسية والبيئة المحيطة بهم، أجهزة الدولة تعتبر دورها انتهى بنهاية القضية أو بإلقاء القبض على المتهمين، فلا تلتمس دورًا لوزارة التضامن الاجتماعى، والمجلس القومى لحقوق الإنسان، وقطاع حقوق الإنسان فى وزارة الداخلية، المهم تقفيل القضية وكفى.
 

وللأسف فى مصر.. تتجاهل الحكومة المنظمات البحثية سواء المحلية أو الدولية، ولا تؤمن باستطلاعات الرأى والأبحاث الميدانية، والتى من شأنها توضيح الوضع الاجتماعى والعلمى والمادى والثقافى الحقيقى للمواطنين، كما أنها قد تُجنب الدولة أزمات كثيرة ستأتى وتحدث لا محالة، ولكن الحكومة كالعادة رد الفعل المتأخر وليست الفعل نفسه.
 

وفشل مكافحة الجرائم لا ينفصل عن فشل معالجة أزمات أخرى أصبحت معتادة ودارجة هذه الأيام، فانتشار المخدرات وزيادة معدلات الإدمان وغياب السيطرة على سوق حبوب الهلوسة والهيروين، جعل كثيرًا من المجرمين يقدمون على جرائمهم تحت تأثير المخدرات وبسببها وسعيًا للوصول إليها. ووَفقًا لصندوق مكافحة الإدمان، فالمخدرات تعد سببًا رئيسيًّا وراء انتشار العنف والجرائم، و69% من الجرائم تقع تحت تأثير المخدرات وحبوب الهلوسة، لأنها تخرج الشخص المتعاطى من إنسانيته، وتجعله تحت سيطرة المخدر وفاقدًا لأى إحساس بالإنسانية، لأن هذه المواد الكيميائية وما تحتوى عليه من مواد تؤثر على قشرة المخ المسؤولة عن العمليات المعرفية العليا.
 

فى الصدد نفسه، كشف تصنيف قاعدة البيانات العالمية «نامبيو»، للنصف الأول من عام 2017، المعنى بترتيب الدول حسب معدل الجريمة فيها، عن لائحة الدول التى احتلت مراتب متقدمة فى هذا الترتيب، وشمل التصنيف نحو 125 دولة، بترتيبها من الدول التى تتركز فيها المعدلات المرتفعة لمستوى الجريمة بأشكالها المختلفة، إلى الدول الأقل فى معدلات الجريمة، وبالنسبة للدول العربية، تصدَّرت سوريا القائمة، وجاءت فى المرتبة السادسة عالميًّا، بينما احتلت ليبيا المرتبة الثانية عربيًّا والـ21 عالميًّا، أما مصر فجاءت فى المرتبة الثالثة عربيًّا والـ24 عالميًّا، فى حين احتلت الجزائر المرتبة الرابعة عربيًّا والـ38 عالميًّا، تليها لبنان التى احتلت المرتبة الخامسة عربيًّا والـ40 عالميًّا، واحتلت المغرب المرتبة السادسة عربيًّا والـ43 عالميًّا.
 

ورغم صعوبة الوقوف على نسب محددة للجرائم فى مصر بسبب انتشار الجرائم الإرهابية، فإن الإحصائية السابقة تؤكد خطورة الوضع، فنحن نحتل المركز الـ24 ضمن 125 دولة، فبغض النظر عن جرائم الإرهاب التى لها دوافعها وأسبابها ومرتكبيها، تبقى لدينا جرائم كثيرة غير واضحة الدوافع والأسباب.
 

فى الواقع.. أنا لا أعلم سبب كل الجرائم البشعة والمستحدثة على المجتمع خلال الأشهر الماضية، ولا أتوقع أن سببًا وحيدًا محددًا وراء هذه الجرائم، ولكنها بالطبع عدة مشكلات قديمة ومتفاقمة، واليوم يجب أن تتيقن أجهزة الدولة الإدارية من فشل أسلوب مكافحة الجريمة فى مصر، فإذا كنا نسير بخطى ثابتة تجاه محاربة الجريمة، ما كنا لنشاهد هذه الجرائم اليوم، بل الجرائم تتطور وتزيد قسوتها وبشاعتها وتضرب صمام أمان المجتمع ألا وهو الأسرة.
 

جرائم الأشهر الثلاثة الماضية، تصفع سياسات عقيمة اعتمدت عليها الدولة فى مكافحة الجريمة، تهدم شعارات «الإصلاح والتهذيب وإعادة التأهيل»، تؤكد أن المجرمين يعيشون بيننا وأساليبهم تتفشَّى وتنتصر فى كثير من الأحيان، ترسخ لقانون الغابة ورفع شعار «أخذ الحق صنعة»، ليسترد كل مواطن حقه بيده لا بالقانون، تكشف جوانب قصور فى الأبحاث الاجتماعية والتعليم والصحة النفسية، تفضخ تخاذلًا تامًا فى الاهتمام بالإنسان وإنسانيته.. نعم بقيمة الإنسان وحقه فى التعليم الجيد والمعرفة الشاملة والعلاج الآدمى والسكن الملائم والعمل المناسب والمناخ الآمن، باختصار هذه الجرائم البشعة هى نتاج هذا المجتمع وما تعرض له من ظلم وتهميش وإذلال وطبقية، ولا يجب أن تغض أجهزة الدولة النظر عن هذا الواقع المأساوى.
 

ومثلما فضحت الجرائم سياسات خاطئة، فهى أيضًا أكدت للمرة المليون مواطن الخطأ والقصور فى الخطاب الدينى، فجميع الجرائم المُشار إليها اشتركت فى تجردها الكامل من الإنسانية، بل وتفنن المتهمون فى استعراض شرورهم وتوحشهم، وهذا لا ينفصل عن الخطاب الدينى الذى اهتم دعاته بالترويج لعذاب القبر والمسيخ الدجال وألسنة اللهب التى تلتهم الكافرين فى جهنم، وتناسوا الحديث عن الإنسانية.
 

أية إنسانية زرعها الشيوخ وهم يقدسون فتاوى القتل واستباحة الدماء فى سبيل المحافظة على الدولة الإسلامية؟ وأية محبة قدموها وهم يصفون تارك الدين بـ«المرتد» ويفتون بقتله؟ وأى منطق قدموه وهم يهاجمون أصحاب الديانات الأخرى ويكفرونهم؟ وأى شرف نالوه عندما تشفوا فى دول الغرب إذا عانت من زلازل أو براكين أو أية كوارث أخرى؟ هؤلاء أناس تناسوا الإنسانية، فأصبح هذا شكل المجتمع وهذه هى جرائمه.
 

عزيزى القارئ.. لا تجهد نفسك فى سؤال «متى تستيقظ مصر من كابوسها؟»، بل عليك أن تمسك ببقايا الإنسانية داخلك، وانشرها فى تعاملك مع مَن حولك، ولا تتخلى عنها مثلما تخلَّى كثيرون.. مهما حدث لا تتخلَّى عن إنسانيتك.



أقرأ أيضا

تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟
البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...