السُّنة والشيعة.. صراع سياسى بين وَرثة أطماع الخلافة

عصام الزهيري



 السُّنة والشيعة.. صراع سياسى بين وَرثة أطماع الخلافة



من غريب الأمور أن يحيط أنصار الإسلام السياسى -السنة والشيعة معًا- فكرة الخلافة بكل هذا الاهتمام والتمجيد والتقديس إلى الحد الذى يجعلهم لا يعتبرونها ركنًا من أركان الإسلام فقط بل نصف الإسلام كله، وربما نصفه الأهم من وجهة نظرهم، إن لم تكن أكثر من ذلك هى الإسلام كله.

ويبدو ذلك بوضوح فى شعارهم الأثير المشترك: «الإسلام دين ودولة»، كما يتضح فى فكرتهم الواحدة تقريبًا عن «الحاكمية» التى يتحول الدين بمقتضاها من شموله الروحانى وتوجهه الكونى كعلاقة بين الإنسان والخالق، إلى محض أداة للحكم السياسى أو مجرد أيديولوجية تكفل لأصحابها الوصول إلى السلطة.


والغريب فى أن تحظى فكرة الخلافة بكل هذه الأهمية عند متأسلمى الشيعة ومتأسلمى السنة معا، هو أن الخلافة بكل ما يكمن وراءها من أطماع السلطة وغرائز السيطرة السياسية، كانت هى المحرك الرئيسى لكل المعارك السياسية والاجتماعية والنزاعات الدموية المسلحة التى امتلأ بها تاريخنا العربى الإسلامى، وكانت المتسبب الأول فى ظهور الأحقاد والثارات الطائفية ومآسى الصراعات بين الفرَق العقَدية والمذهبية السياسية المتنازعة عليها. وكان التنافس على سلطة الخلافة سببًا فى تقسيم المسلمين منذ اللحظة الأولى لوفاة النبى إلى أنصار ومهاجرين، ثم إلى سُنة وشيعة وغيرهما، ولا يزال هذا النزاع مصدرًا مأساويا للتقسيم المذهبى والصراعات الطائفية فى عموم المجتمعات الإسلامية.


ولأن هذا الصراع السياسى على السلطة، اتخذ شكل الاختلاف الدينى واختلط ما هو سياسى ودنيَوى فيه بما هو دينى وعقَدى؛ صار من أشق الأمور أن يجعل المتنازعون فيه مسافة من الموضوعية بينه وبينهم، وأصبح الحياد إزاء هذا الصراع الذى تختفى فيه الأطماع وراء المقدسات، وتختبئ فيه الأحقاد والمصالح الحاضرة وراء مواريث التاريخ وثاراته القديمة، من أصعب الأشياء. وهو ما يزيد الخلاف تعقيدًا، ويجعل منه خلافا خطيرًا وحاضرًا، رغم أن عمره أربعة عشر قرنًا، أى من عمر الإسلام نفسه.


ومن مفارقات هذا الصراع السُّنى الشيعى، بصفته صراعًا سياسى الجوهر، عقَدى المظهر، حجم الأوهام التاريخية التى يتداولها كل طرف بخصوص موقف الطرف الآخر العدائى له، أوهام رغم أنها تبدو كما لو كانت غير قابلة للتبديد فى المدى القريب، فإن أى تقليب موضوعى فى صفحات التاريخ كفيل بتكذيبها كليةً، فهى فى النهاية محض أوهام متبادلة وخرافات تاريخية مهما بلغ من شأن الاعتقاد بصحتها.

على رأس هذه الأوهام المتبادلة اعتقاد طرفى الخلاف السنى الشيعى فى تعصب وتشدد الطرف الآخر وكراهيته المتأصلة له، وكأن الطرفين المتقابلين يقف كلاهما فى مقابل مرآة تعكس لعينيه صورة مشوهة ومبالغة يتقمصها الآخر، بينما هى للدهشة ليست أكثر من صورته الشخصية منظورًا إليها بانحياز مجرد من الموضوعية والقدرة على نقد الذات.


وتبدو هذه المفارقة بوضوح فى ما يرمى به كل طرف الآخر من اتهامات مجهولة الأصل التاريخى، وما يكوّن عنه من تصورات أبعد ما تكون كذلك عن واقعها الحقيقى، فالسنة يعتقدون أن الشيعة «روافض»، أى رافضون لما أجمع عليه أهل الحل والعقد من خلافة الراشدين من صحابة النبى، والشيعة يرون أن السنة «نواصب» أى يناصبون آل البيت والإمام على، العداء، ويغمطون حقهم فى تولى الخلافة من بعد وفاة النبى.

بينما المؤكد من حقائق التاريخ أن الإمام على بن أبى طالب نفسه لم يرفض خلافة أبى بكر وعمر وعثمان، رفضًا سياسيا معلنا، بل أدى لهم البيعة التى كانت فى هذا الزمن إعلان ولاء سياسى وإقرارًا بشرعية الحكم.

كما أن المؤكد من حقائق التاريخ كذلك أن المسلمين عن بكرة أبيهم لم يكن بينهم أدنى خلاف على أحقية علىّ بالخلافة عندما تولاها فى أعقاب مقتل الخليفة عثمان، بمن فيهم الأمويون أنفسهم، وعلى رأسهم معاوية بن أبى سفيان، الذى لم تتعد أطماعه منذ البداية -وربما حتى مقتل على- حدّ أن يقره الخليفة الرابع على حكم الشام.


لدى السُّنة اعتقاد راسخ بأن الشيعة وصلوا إلى حد التطرف فى تقديس الإمام على وآل البيت، ويضربون الأمثلة التى تؤكد ذلك من عقائد فرَق شيعية متطرفة؛ مثل «السبئية» الذين يقال إنهم وصلوا إلى حد تأليه علىّ، ويعتقدون أنه لم يمت وأنه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة فيملأ الأرض عدلا كما مُلئت جورًا، لكنهم لا يتذكرون أن فرَقًا غالية مثل هذه تظل محض فرَق متطرفة لا تمثل نسبة هامة فى المكون الشيعى العام بعقائده التى لم تبلغ قط هذه الدرجة من التطرف، كما لا يتذكرون أن «على» نفسه استنكر على هؤلاء الغلاة موقفهم منه، وأن جمهور الشيعة يتبعون علىّ فى ذلك بالضرورة.


على الجانب الآخر، يرسخ لدى الشيعة أن خصومهم السنة وصلوا كذلك إلى حد التطرف فى تبجيل معاوية وحكم الأمويين، ويستشهدون فى ذلك بطائفة من الوقائع والنصوص التاريخية من مثل ذلك الحديث الذى نسبه بعض غلاة السنة للنبى، ويأتى فيه: «إن الله يدنى معاوية يوم القيامة فيجلسه إلى جنبه، ويغلفه بيده، ثم يجلوه على الناس كالعروس».

ولا يتذكرون بدورهم أن وقائع ونصوصا من هذا النوع لا تحظى باعتراف أهل السنة بالإجمال ولا تلزمهم، وأنهم فى العموم ظلوا يجلّون الخليفة الراشد الرابع كما يليق بمقامه فى الإسلام ولم يكونوا قط أعداءً له.


السنة يتذكرون من تاريخ الشيعة أن «معز الدولة البويهى» كتب على المساجد عام 962م، ما صورته: «لعن الله معاوية بن أبى سفيان، ولعن من غصب فاطمة ميراثها، ومن منع الحسن أن يُدفن عند قبر جده، ومَن نفى أبا ذر..».

والشيعة يتذكرون من تاريخ السنة أن المتوكل العباسى «توفى عام 861م» جعل من جملة ندمائه رجلا يشد تحت ثيابه مخدة ويكشف رأسه الأصلع ويرقص ويقول: «قد أقبل الأصلع البطين أمير المؤمنين» يعنى «على» رضى الله عنه.


ولشدَّ ما هى تواريخ قاسية بالفعل، لكن المدهش أن يظل أصحاب الإسلام السياسى والسلطويون الذين قدسوا الخلافة ومَذْهَبوا السياسة من الجانبين، يتداولونها وكأنها لا تزال حاضرة، هى تواريخ من نزاعات السلطة والدم والأحقاد، يرجو ورثة تاريخ الخلافة الدموى فى نزاعهم عليها أن تتجدد، والكارثة تكمن فى تصور هؤلاء المتشددين من الجانبين أن نزاعهم السلطوى هذا على عقيدة أو من أجل دين.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...