ذات الفستان الأزرق تمنحنا الأمل فى صحافة حرة




ذات الفستان الأزرق تمنحنا الأمل فى صحافة حرة



يقولون دائما، «الصحافة هى مهنة البحث عن المتاعب»، وهم لم يُخطئوا، ولم يتزيدوا فى ذلك القول؛ فالصحافة، فعلا، مهنة شاقة، خصوصا فى مجتمعاتنا العربية، التى تنظر إليها وإلى العاملين فى حقلها بعين الارتياب؛ ربما لأن جزءا كبيرا من مهنة الصحافة هدفه، بالأساس، ليس نقل الخبر، بل البحث عنه وكشفه وتحقيقه، والسعى إلى الشفافية، وهذا عينه ما تخشاه بعض الأنظمة العربية والشرقية؛ لذلك تخنق، فى بلدانها، المجال السياسى العام، بل يُعتَقَل الصحفيون لأسباب مختلِفة، ويُحبسون بعد اتهامهم بحزمة من التهم المتنوعة، وأحيانا يتعرضون للبلطجة والضرب فى الشوارع بأيدى البلطجية وأرباب السوابق، ولكنهم على أى حال يظلون أفضل حالا من زملائهم الذين قُتلوا، وكل أولئك يحدث على الرغم من أن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، دعا غيرَ مرة، الحكومات حول العالَم إلى احترام حرية الصحافة «لأنها ضرورية لبناء مجتمعات تتسم بالشفافية»، مؤكدا أهمية سَن قوانين لحماية الصحافة الحرة، ومحاسَبة من يتعرض للصحفيين بالأذى!

 

أما فى الغرب والدول المتقدمة، فتظل الصحافة سُلطة تضاهى السلطات الثلاث المعروفة، لأنها لسان حال المواطنين، وركن كبير فى الكشف عن الفساد، وانتقاد السلبيات، ولنضرب مثالا واحدا بألمانيا، فبعد أن أكدت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، أهمية حرية الصحافة فى نظام ديمقراطى مثل ما هو فى بلادها، إذا بوزير الداخلية فى حكومتها وحليف حزبها المحافظ فى بافاريا، هورست زيهوفر، يؤكد أن حرية الصحافة جزء من المصلحة الوطنية للبلاد، وذلك عقب التصدى المثير للجدل من جانب شرطة سكسونيا لصحفيين يمارسون عملهم خلال تظاهرة لحركة بيغيدا اليمينية المعادية للأجانب والإسلام فى مدينة دريسدن بشرق ألمانيا، وهو ما يعبر بجلاء عن اختلاف التعامل والنظرة إلى الصحافة وأهلها بين دولة كألمانيا ودول أخرى لا ترى فيها ولا ترى فى أهلها سوى الشر والفساد والتجاهُل!
 

ولأن الصحافة ستبقى، دائما، مهنة المتاعب، لكنها المتاعب اللذيذة، اللافتة للانتباه، فقد أثارت صور طائفة من الصحفيين الأمريكيين وهم يركضون خارج قاعة محاكمة «بول مانافورت»، مدير حملة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب سابقا، يوم الثلاثاء الماضى، إعجابا شديدا لدى الأوساط الصحفية فى جميع أنحاء العالم، ففى مشهد جد مثير وكاشف، تسابق ثُلة من الصحفيين ركضا نحو هواتفهم المتروكة خارج قاعة المحاكمة لنقل خبر إدانة «مانافورت»، إذ إن قاضى المحكمة منع دخول الهواتف المحمولة داخل القاعة، وبمجرد صدور الحكم بإدانة بول مانافورت فى ثمانى قضايا تتعلق بالاحتيال الضريبى والمصرفى، تسابق الصحفيون فى ماراثون جرى من أجل الوصول لأقرب موضع يمكنهم فيه استخدام هواتفهم؛ حتى ينقل كل صحفى أخبار المحاكمة وتفاصيل القضايا إلى صحيفته أو قناته التليفزيونية، فلم يكن أمام أولئك الصحفيين سوى الركض لسرعة توصيل الأخبار «الطازجة» أولا بأول، فى مشهد كاشف ومثير، يبين كيف يتعامل الصحفيون المجتهدون إزاء الأخبار ليعرفها الجميع.
 

لقد انتشر مشهد ركض الصحفيين بعد اعتراف «مانافورت»، رئيس حملة ترامب الانتخابية السابق، بالتزوير المالى والاحتيالات التى تسببت فى انتهاك القوانين الانتخابية وساعدت ترامب على الفوز بالرئاسة، وإدانة محامى ترامب بجرائم مالية بأوامر من ترامب، وهو الأمر الذى جعل كثيرا من المراقبين حول العالم يتوقعون احتمالية أن يتسبب رجال إدارة ترامب بالإيقاع به وخروجه من البيت الأبيض بعد اعتراف رجال الإدارة من البيت الأبيض بتورطه فى أغلب تلك الانتهاكات، فانتشرت صور «الصحفيين الراكضين» بسرعة فائقة ومثيرة على المواقع الإخبارية المتعددة، وعلى مواقع التواصل الاجتماعى، كتأكيد على أن مهنة الصحافة هى، بحق، مهنة البحث عن المتاعب لإرضاء المتابعين والقُراء، وذلك بوضعهم فى الصورة وداخل الأخبار، فهم لم يستسلموا لقرارات المحكمة التى صادرت هواتفهم المحمولة وأجهزة اللاب توب والألواح الذكية، بل إنهم بمجرد الانتهاء من وقائع المحاكمة المثيرة، لم يتمالكوا أنفسهم، ولم يتحرجوا من الركض بملابسهم الأنيقة، وأسرعوا بالركض خارج المحكمة لإيصال الأخبار إلى العالم كله.
 

لقد كان أبرز ما لفت انتباه العالم كله فى مشهد ركض الصحفيين الأمريكيين خارج المحكمة، هو مشهد الصحفية الجميلة «كاسى سيميون»، مراسلة قناة «NBC»، ذات الفستان الأزرق، وقد نشرت تغريدة على حسابها على «تويتر»، تقول فيها «نعم، هذه أنا، الصحفية ذات الفستان الأزرق أجرى بعد محاكمة مانافورت»، وهى بذلك تبدو فخورة جدا بمهنتها الشاقة، التى جعلتها محل إعجاب وتقدير من الجميع، خصوصا أن مشهد ركضها بتلك الطريقة، على الرغم من كونها أنثى رقيقة، يعيد إلى الأذهان صورة الصحافة الكلاسيكية التى كان محورها الصحفى وقلمه وذكاءه، قبل ظهور الثورة التكنولوجية الكبيرة والمتسارعة الآن، ولم يجد مستخدمو منصات التواصل الاجتماعى سوى وصف الصحفية «كاسى سيميون» بأنها «سيميون الأنيقة والسريعة».
 

إن مشهد ركض الصحفيين وما تلاه، مباشرة، من تعليقات الإعجاب والمشارَكة (الشير) والثناء والفخر، إنْ من زملائها الصحفيين حول العالم وإنْ من متابعى الأخبار، ليجعلنا نؤكد من جديد أن حرية الصحافة والديمقراطية وجهان لعملة واحدة، فلا وجود، ألبتة، لنظام ديمقراطى دون وجود صحافة حُرة فاعلة تعبر وتعكس آمال الشارع وآلامه، ومنظومة إعلامية تنعم بالحرية والشفافية والدعم والتعددية، وهذا هو لُب القضية التى نواجه تحدياتها فى الشرق كله، فلا عبرة بصحافة لها «سقف محدود»، ولا عبرة بصحفيين يرزحون تحت نِير التهميش والقمع والتضييق والمضايقات المتنوعة، ولا عبرة بصحافة يتحكم بها رأس المال الموجه/ المؤدلَج، لا عبرة بذلك كله ما دامت الصحافة فى وادٍ والديمقراطية فى واد آخر سحيق بعيد!
 

لقد أعاد لنا مشهد ركض «كاسى» وزملائها الأمل فى وجود الصحافة وتماسُكها، ووجود صحفيين مجتهدين فخورين بعملهم، ولو تجشموا فى سبيله المخاطر والتحديات والسخرية، لتبقى الصحافة، دائما، مهنة البحث عن المتاعب، بل مهنة البحث عن الحقيقة أولا وأخيرا.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.