مشروع قانون «إهانة الرموز».. أى «رموز» وأية «إهانة»؟!




مشروع قانون «إهانة الرموز».. أى «رموز» وأية «إهانة»؟!



بات فى حُكم المؤكَّد أن يناقش مجلس النواب، فى دور الانعقاد الرابع، الذى يبدأ فى أكتوبر المقبل، مشروع قانون «تجريم إهانة الرموز والشخصيات التاريخية»، المقدَّم من النائب عمر حمروش، أمين سر لجنة الشؤون الدينية والأوقاف، بل بات فى حُكم المؤكّد أيضًا أن يوافق مجلس النواب، بأغلبية كبيرة، على هذا القانون، ومن نافلة القول أن الدكتور علِى عبد العال رئيس مجلس النواب، كان قد أحال، خلال دور الانعقاد الماضى، مشروع هذا القانون إلى لجنة مشتركة من لجنتَى الشؤون الدستورية والتشريعية والإعلام والثقافة.

 

تنصُّ المادة الأولى من مشروع هذا القانون، على أنه «يحظر التعرض بالإهانة لأى من الرموز والشخصيات التاريخية، وذلك وَفقًا لما يحدده مفهوم القانون واللائحة التنفيذية له»، وتحدّد المادة الثانية منه، باقتضاب شديد واختصار مُخلّ، مَن هم أولئك الرموز والشخصيات التاريخية التى يقصدها مقدِّم القانون، فهم «الرموز والشخصيات التاريخية الواردة فى الكتب والتى تكون جزءًا من تاريخ الدولة وتشكل الوثائق الرسمية للدولة»، وفوق هذا الاقتضاب والاختصار المخل فإن نصّ تلك المادة، تحديدًا، جاء فضفاضًا عموميًّا، لأنها لم تحدّد ولو سمْتًا واحدًا من سمات تلك الرموز والشخصيات، فقد تركت ذلك للائحة القانون التنفيذية التى لم يطّلع عليها أحد، كما أنها لم تحدد ما المراد بـ(الكتب)؟! فهل هى الكتب التى تُعدّ مصادرَ، أم الكتب التى تُعدُّ مراجعَ، أم الكتب المدرسية، أم الكتب غير المدرسية، أم الكتب المترْجَمة، أم غير ذلك من كتب؟! خصوصًا أن صائغ تلك المادة جاء بكلمة (الكتب) معرفة لا نكرة، مما يفيد أنها مخصوصة ومحدودة، لا عمومية وشاملة، الأمر الذى يثير أكثر من علامة استفهام حول مغزى مناقشة وإقرار قانون غريب كهذا القانون الذى يبدو، بجلاء، أنه خرج موجَّهًا إلى الردّ على أشخاص محدَّدين، ولا سيما أنه جاء بعد فترة قصيرة من الضجة التى أثارتها تصريحات الدكتور يوسف زيدان، التى انتقد فيها أحمد عرابى قائد الثورة العرابية، فاتهمه بأنه السبب الرئيس فى سقوط مصر فى قبضة الاحتلال البريطانى عام 1882، مشيرًا إلى أن الواقعة المعروفة بواقعة وقوف عرابى أمام الخديو توفيق، حاكم مصر آنذاك، لم تحدث، حسب قوله، كما تناول زيدان شخصيات أخرى غير عرابى، مثل قطز وصلاح الدين الأيوبى، الأمر الذى أهاج الرأى العام، وتناولته صفحات السوشيال ميديا بانتقادات عنيفة، ليخرج بعد ذلك مباشرة مشروع هذا القانون، ويلقى ترحيبًا شديدًا من شرائح كثيرة سواء تحت قبة البرلمان أو خارجها.

 

ومما يؤكد أنه قانون (موجَّه)، وبمثابة ردّ فعل، أن مقدِّمه، عمر حمروش، كان قد صرّح قائلًا: «إن المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون تضمنت أن هناك إصرارًا من البعض على التهكم على الرموز والشخصيات التاريخية، خصوصًا مَن انتقلوا إلى رحمة الله، وأن الجدل الذى يحدث من إساءة أولئك البعض للرموز والشخصيات التاريحية خطر وله آثار سلبية على الشعب المصرى، وزعزعة الثقة ونشر الإحباط، وهو ما تسعى إليه قوى الشر»!
 

بالتأكيد، يثير مشروع قانون كهذا جدلًا لا ينتهى، فالدستور المصرى فى مادته (65) ينص صراحة على أن «حرية الفكر والرأى مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر»، ما يجعل من مشروع هذا القانون مثالًا للّغط القانونى، فضلًا عن صياغته اللفظية، نفسها، التى تفتقر إلى التماسُك اللغوى والقانونى فى آن، وهى بالطبع أمور ينبغى على اللجنتين المشتركتين اللتين أحال الدكتور عبد العال إليهما مشروع هذا القانون، أن تأخذاها فى الحسبان، حتى لا يحتل هذا القانون رقمًا فى «ليستة» القوانين المصرية المجافية للدستور!
 

الذى يظهر لنا، ونحن نقرأ نصوص مشروع قانون «تجريم إهانة الرموز والشخصيات التاريخية»، أنّ صياغته قد جاءت على عجَل، فألفاظ نصوصه مترهلة، فضفاضة، عمومية تارة، ومخصوصة تارة أخرى، فبادئ ذى بَدء ما المراد بكلمة «الرموز»؟ وما المراد بكلمة «إهانة»؟ وما المقياس أو ما المسطرة أو «المازورة» التى نقيس بها كون هذا الرمز أو ذاك يُهان أو يُنتَقَد انتقادًا غير طبيعى أو غير علمى أو غير موضوعى؟! ولعل صائغ هذا القانون دارت فى رأسه تلك الأمور جميعها أو بعضها، فصاغ المادة الرابعة منه، والتى يأتى نصها كالتالى: «يُعفَى من العقاب كل مَن تعرض للرموز التاريخية بغرض تقييم التصرفات والقرارات وذلك فى الدراسات والأبحاث العلمية»، وهو ما يُفهَم منه أن تقييم مواقف وقرارات تلك الرموز أو الشخصيات التاريخية إنما محلّه الجامعات ومراكز الدراسات والبحوث والأكاديميات، وللاختصاصيين، فقط، فى علم التاريخ، وليس متاحًا لغيرهم فى وسائل الإعلام أو على صفحات السوشيال ميديا أو الجرائد، لكن السؤال: كيف تكون الحال إذا ما كان المنتقِد يحمل صفةَ باحث أو أكاديمى أو غير ذلك لكنه ينتقد فى وسائل الإعلام وعلى صفحات الجرائد والفيسبوك؟! وهو ما يدل على أن صياغة نصوص هذا القانون إنما هى صياغة فضفاضة مترهلة، كما أنها تحمل أكثر من معنى وأكثر من تفسير!
 

ما يثير العجب العجاب فى مشروع قانون كهذا أنه يتنافى تمامًا مع دعوة، بل دعوات، الرئيس السيسى إلى تنقية كتب التراث، وتجديد الفكر الدينى وتثوير خطابه الدعوى، إذ ليس من المعقول، إذا ما وافق البرلمان ثم الرئيس نهائيًّا على مشروع هذا القانون، أن يأمن باحثٌ حُرّ، أو مفكر متنوّر، أو أكاديمى مجتهد على نفسه وأهله، إذا تصدّى إلى تنفيذ دعوة الرئيس، لأن من محاور تجديد الفكر الدينى -لا شك- انتقاد آراء وفتاوى وتخريجات كثير من الشخصيات الدينية والتاريخية المختلِفة، وإذا نحن ذكّرناك -عزيزى القارئ- بأن ثمة قانونًا آخر بغيضًا، يُعرَف باسم «قانون ازدراء الأديان»، وهو القانون رقم (98 و)، أدرَكتَ كيف يكون مصير أى باحث أو مفكر أو أكاديمى متنوّر يريد الإصلاح والتجديد، علاوة على أن قانونًا كهذا من شأنه وأد حركة البحث العلمى فى مصر، وهى الحركة التى تحتضر بالأساس!
 

إن قانون «تجريم إهانة الرموز والشخصيات التاريخية» بمثابة طوق حديدى راسخ يخنق المفكرين والباحثين والأكاديميين، وكذلك يخنق السياسيين فى مصر، فمن المستحيل، عقليًّا ونصّيًّا واجتماعيًّا وعلميًّا، تحديد مفهوم واضح وصريح ومحدَّد لمصطلحى «الرموز الوطنية» و«الشخصيات التاريخية»، لأن كل شخص وكل حادثة وكل موقف، عُرضة للبحث العلمى والتناول والتحليل، وكل حادثة تاريخية عُرضة للتفكيك وإعادة البناء والصياغة، ومما يؤسَف عليه أنّ قانونًا كهذا إذا هو أُقِرّ، سيستغله الأشياخ والهيئات الدينية الرسمية فى مصر، الأزهر والأوقاف، وعند ذاك ستُكتَب شهادة وفاة قضية تجديد الفكر الدينى، وهى تلك القضية التى يتبنّاها الرئيس السيسى، منذ أول يوم فى ولايته الأولى، منذ نحو خمس سنوات، ولا أدل على ذلك من أن مشروع هذا القانون خرج من لجنة الشؤون الدينية وليس من اللجنة التشريعية والدستورية، أو من لجنة الثقافة والإعلام، مثلًا، كما لا أدل على ذلك من أن النائب حمروش، على أهبة الاستعداد، أيضًا، لتقديم مشروع قانون «تجريم الإلحاد»!
 

أعتقد، وقد لا أكون متجاوزًا فى اعتقادى هذا، أن حالتنا القانونية المصرية الحالية والسالفة، لا تحتاج بالمرة إلى قانون غريب كهذا القانون الذى قدّمه حمروش، فقانون العقوبات المصرى به نحو 32 مادة يُعاقَب بها فى قضايا السب والقذف.. يعنى إحنا صراحة مش محتاجين قانون جديد، لأن عندنا اللى مكفّينا وزيادة!



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...