تضارب الروايات عن جيش المسلمين قبل أن تسقط الإسكندرية

سمير درويش



تضارب الروايات عن جيش المسلمين قبل أن تسقط الإسكندرية



 

بدايةً.. أود تأكيد معلومتَين مهمتَين: الأولى أنه ليس لدينا أى مصدر عربى مواكب لغزو مصر، فالجيش الذى غزاها بقيادة عمرو بن العاص لم يضم مؤرخًا يوثق الأحداث اليومية كما كانت -ولا تزال- تفعل الأمم والحضارات الأخرى، غير أن القراءة والكتابة لم تكونا معروفتَين على نطاق واسع فى صدر الإسلام، حتى إن الوحى نفسه كان محفوظًا فى الصدور ولم يكن مكتوبًا، ولذلك فإن أول كتاب وصلنا باللغة العربية كتب فى نهاية القرن الهجرى الثانى، بالإضافة إلى أن العرب كانوا يتخلصون من كل ما لا يروقهم بالحرق والإتلاف. والثانية أن الكتاب الوحيد الذى كتب فى أثناء الغزو وبقلم أحد معاصريه، هو كتاب «تاريخ مصر والعالم القديم» ليوحنا النقيوسى، وقد ترجم الكتاب إلى عدة لغات، لأهميته، فهو يتضمن الوقائع بشكل يومى تقريبًا، وبأسماء البلدان وقادتها وخط سير الجيوش والمعارك الفاصلة، وصولًا إلى درة تاج الإمبراطورية البيزنطية فى مصر، وهى مدينة الإسكندرية. وعلى الرغم من هذا التسجيل الدقيق والوحيد، فإن الروايات حول طريقة إخضاع الإسكندرية للعرب تتعدَّد وتتضاد وتتضارب إلى حد الاختلاف الكامل.

 

أهمية معركة الإسكندرية -إذا كانت هناك معركة بالفعل، أو لنقل إن المقصود بالمعركة ليس الحرب فقط، وإنما الصراع السياسى والعسكرى.. إلخ- أن البيزنطيين ومؤيديهم من قبط مصر لم يحاربوا بشكل جدى فى العريش والفرما، ثم مدن الدلتا وشمال الصعيد، وصولًا إلى أسوار الإسكندرية، فقد كانوا ينسحبون -إما اختيارًا أو جبرًا- إليها ويتمترسون وراء أسوارها وحصونها، استعدادًا لمعركة فاصلة، معتبرين أن لديهم ميزة عسكرية ليست متوفرة للعرب الغازين -بصرف النظر عن الأحداث التى كانت تحدث فى القسطنطينية بعد وفاة هرقل- وهى أنهم يمتلكون جيشًا كبيرًا يمكن تعويض مَن يفقده، وأسطولًا وأسوارًا ومتاريس ومنجنيق، وكلها كان العرب يفتقدونها.

 

لذلك سيظل السؤال دون إجابة مقنعة: كيف انهزموا وغادروا الإسكندرية؟! والسؤال الأهم والأكبر هو: مَن هو قيرس أو المقوقس؟ ولماذا استسلم دون قتال -حسب رواية يوحنا النقيوسى-؟ ولماذا كان يرى عدم جدوى المقاومة رغم التفوق على الأرض؟
 

فى كتابه «الفاروق عمر» طبعة مؤسسة هنداوى عام 2014 صـ410 و411، ينقل الدكتور محمد حسين هيكل عن «بتلر» قوله إن قيرس: «جاء وطيد العزم على مصالحة العرب، وأنه من غير شك حمل الإمبراطور -وهو غرير لا رأى له- على الإذعان للعرب والتسليم لهم، كما حمل على رأيه هذا مجلس الشيوخ المستضعف، ورجال البلاط وهم من أهل العجز والخور..

 

ومن الجلى فوق ذلك أنه استمال الإمبراطورة مرتينا إلى رأيه الضعيف، لا سيما وقد كان أنصارها ممن يرون مصالحة العرب، وإن كلفهم ذلك ما كلفهم، وكانت هى دائمًا ترمى فى سياستها إلى التسليم والإذعان -وقد أوردنا سابقًا ما يخالف ذلك- وذلك كان رأى قيرس الذى ظل يجاهر به فى كل حين»، لأنه -حسب رأى بتلر- «يريد أن يزيد فى سلطانه الدينى بالإسكندرية، وأن يقيمه على أطلال الدولة بعد خرابها»، أى أن قيرس كان يخون إمبراطوريته البيزنطية لمصلحة عمرو بن العاص، طمعًا فى أن «يزيد فى سلطانه الدينى»، وهو أحد الاحتمالات المنطقية لا شك.
 

غير أن محمد حسين هيكل فى المصدر السابق يقول عن أحد دوافع قيرس للاستسلام: «إن المسلمين يكفلون حرية العقيدة لأهل البلاد التى يفتحونها، وينصُّون على ذلك نصًّا صريحًا فى المعاهدات التى يعقدونها معهم، كذلك فعلوا فى الشام وفى العراق فى عهد أبى بكر وفى عهد عمر، وما كانوا ليخالفوا سُنتهم هذه فى مصر، وهم إذ يفرضون الجزية على أهل البلاد المفتوحة إنما يفرضونها لقاء تأمين دافعيها على أنفسهم وذراريهم وأموالهم وعقائدهم ومعابدهم، لا يفرقون فى هذا التأمين بين الملكانيين والمينوفيسيين، ولا بين الروم الحاكمين والقبط المحكومين»، وهو إن كان يأخذ على يوحنا النقيوسى انحيازه لوجهة النظر المسيحية كونه مسيحيًّا، فقد وقع هو نفسه فى فخ الانحياز لوجهة النظر الإسلامية كونه مسلمًا، فهناك من الوقائع ما يثبت أن الجيش الغازى ارتكب مجازر وفظائع فى طريقه إلى الإسكندرية، من ذلك ما ذكره النقيوسى من أن عمرو قبض على القضاة الرومان، وقيد أيديهم وأرجلهم بالسلاسل والأوتاد الخشبية، ونهب أموالًا كثيرة، وقام بمضاعفة الضرائب على الفلاحين، وأجبرهم على إحضار عليقة لخيوله، وبالإجمال مارس كل أعمال العنف، ومن ذلك أيضًا ما ذكره هيكل عن فتح نقيوس، فقد استسلم جنود حاميتها الرومان، «فوضعوا سلاحهم وألقوا بأيديهم وجعلوا النجاة من الموت غاية همهم، ولم ينلهم العرب بغيتهم، بل حصروهم وقتلوهم عن آخرهم، ثم دخلوا المدينة من غير مقاومة بعد أن خلت من المدافعين عنها» صـ413. ويقول يوحنا النقيوسى حول الواقعة نفسها «إنهم -يقصد جيش العرب- دخلوا المدينة فقتلوا كل مَن وجدوه فى الطريق من أهلها، ولم ينجُ من دخل الكنائس لائذًا، ولم يَدَعوا رجلًا ولا امرأة ولا طفلًا، ثم انتشروا فى ما حول نقيوس من البلاد، فنهبوا فيها وقتلوا كل مَن وجدوه بها، فلما دخلوا مدينة (صونا) وجدوا بها (اسكوتاوس) وعائلته، وكان يمت بالقرابة لـ(تيودور)، وكان مختبئًا فى حائط كرم مع أهله، فوضعوا فيهم السيف فلم يبقوا على أحد منهم، ولكن يجدر بنا أن نسدل الستار على ما كان، فإنه لا يتيسر لنا أن نسرد كل ما كان من المسلمين من المظالم بعد أن أخذوا جزيرة نقيوس».


ذكرت سابقًا أعداد جند الروم وتحصيناتهم وأسلحتهم فى مدينة الإسكندرية، ونداء إمبراطورهم بضرورة النصر على العرب، لأنه إن سقطت مصر ستحرم بيزنطة من إمدادات عظيمة تأتيها منها، ومع ذلك يذكر المؤرخون العرب -وينقل محمد حسين هيكل عنهم- أن عمرو بن العاص عسكر بجنده حول سور الإسكندرية بعيدًا عن مرمى حجارة المنجنيق التى أمطره البيزنطيون بها، «لكنه رأى بعد قليل أن بقاءه أمامها، يرصد خروج حاميتها من غير أن يقوم جيشه بعمل حربى يقوى به عزم جنده قمين أن يدفع إلى نفوس الجند السأم، وأن يشعرهم بالعجز عن مناجزة عدوهم، وفى ذلك ما يزعزع من ثقتهم بأنفسهم، وطمأنينتهم إلى غدهم، وقد هداه تفكيره إلى ما يحقق غرضين فى وقت معًا، فيزيل سأم جنده ويضعف من عزم الروم المحتمين بالعاصمة، فبعث كتائب تجوس خلال بلاد الدلتا تطارد الروم فيها، ثم أبقى معظم الجند على حصار الإسكندرية».
 

والحقيقة أن هذا الكلام لا يجافى المنطق فقط، بل يصل إلى حد الخرافة، فليس من المعقول أن جيش البيزنطيين يتحصن فى الإسكندرية عدة أشهر دون أن يحرِّك ساكنًا، خصوصًا أن «العدو» ليس على أرضه، ومهما حصل على معونات من الفلاحين فهى قليلة، كما ليس من المنطقى بعد شهرين من الحصار أن يقسِّم جيش العرب نفسه وينشغل بمطاردة فلول البيزنطيين الهاربين فى مدن الدلتا، لأنها ستكون فرصة سانحة للقضاء على ما تبقى منه، خصوصًا أننا نتحدث عن جيش قليل العدد والعتاد أصلًا، غير الجنود الذين تركهم فى بابليون وبعض المدن المفتوحة للحفاظ على النظام فيها، فإذا تقبلنا هذا التقسيم قبل وبعد فتح حصن بابليون، فلا يمكن أن نقبله والجيش العربى على أسوار مدينة الإسكندرية، والأغرب أن الرواة يختلفون، ليس على الرواية نفسها، بل على إن كان عمرو قد قاد بنفسه عملية مطاردة الهاربين فى الدلتا وشمال الصعيد، أم أوكل القيادة لغيره من قواده؟!
 

فى رواية حنا النقيوسى -حسب ما يروى هيكل- يذكر أن عمرو بن العاص سار بنفسه، بعدما رأى منعة الإسكندرية، على رأس كتائب سارت إلى كريون فدمنهور، ثم اتجه شرقًا إلى سخا فى إقليم الغربية فلم يقدر عليها، فتركها وسار جنوبًا إلى طوخ على بعد 30 ميلًا منها، فصده أهلها، فسار إلى دمسيس فعجز عن فتحها، وقد استمرت مسيرته هذه عامًا كاملًا، ويذكر أنه ذهب إلى الصعيد وفتح بلاد مصر الوسطى، ثم عاد بعد إلى بابليون فأقام بها، وهناك جاءه المقوقس من الإسكندرية وصالحه. أى أنه -حسب رواية يوحنا- فشل عمرو بن العاص فى فتح الإسكندرية، فسار على رأس جزء من جيشه إلى مدن فى الدلتا فأخفق فى فتحها، فعاد إلى بابليون، وفيه استسلم له قيرس! فعلى أى أساس استسلم إذا كان ابن العاص محاطًا بكل هذا الفشل؟!
 

الرواية الأخرى -عن واقعة تقسيم الجيش- تقول إن عمرو بقى على رأس القوة المرابطة عند أسوار الإسكندرية، وقد رواها البلاذرى عن يزيد بن أبى حبيب عن الجيشانى، أنه قال: «سمعت جماعة ممن شهدوا فتح مصر يخبرون أن عمرو بن العاص لما فتح الفُسطاط وجه عبد لله بن حذافة السهمى إلى عين شمس، فغلب على أرضها وصالح أهل قراها على مثل حكم الفسطاط، ووجه خارجة بن حُذافة العدوى إلى الفيوم والأشمونين وإخميم والبشرودات وقرى الصعيد ففعل مثل ذلك، ووجه عمير بن وهب الجمحى إلى تنيس ودمياط وتونة ودميرة وشطا ودقهلة وبنا وبوصير ففعل مثل ذلك، ووجه عقبة بن عامر الجهنى -ويقال وردان مولاه صاحب سوق وردان بمصر- إلى سائر قرى أسفل الأرض، ففعل مثل ذلك، فاستجمع عمرو بن العاص فتح مصر فصارت أرضها أرض خراج». (فتوح البلدان، طبعة دار الكتب العلمية ببيروت صـ133).
 

مَن نصدق إذن والروايات متناقضة وغير معقولة إلى هذا الحد؟!



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...