مجتمع تحت الوصاية.. كيف يحقق أصحاب الصوت العالى منطقهم؟

محمد جمال الدين



مجتمع تحت الوصاية.. كيف يحقق أصحاب الصوت العالى منطقهم؟



بالأمس القريب كان مجتمعنا المصرى يتميز بقدر كبير من التسامح مع الآخر وقبول ما يقوله دون اعتراض، فكان هناك الرأى والرأى الآخر، الود والاحترام سمة التعامل بين كل أفراده، لم نسمع فيه قط مَن لا يحترم المختلف معه فى الرأى أو حتى العقيدة.

 

أما اليوم فهذه الصفات لم يعد لها وجود على أرض الواقع، وحقق أصحاب الصوت العالى والنفوذ منطقهم المتمثل فى فرض رأيهم على الغالبية العظمى من أبناء هذا الوطن، وظهرت بيننا فئات لم يكن لها وجود من قبل؛ مثل النخب والأوصياء والحكماء وكبار الساسة والإعلام والموسيقى والنوادى وكذابى الزفة، لدرجة أن البعض أصبح يرى أن المجتمع كله أصبح من الكبار ولم يعد لمتوسطى السن أو حتى الصغار وجود، ليتحكم هؤلاء فى مقدراتنا وكل شىء، فى الوقت الذى نطالب فيه بإتاحة الفرصة للشباب ليعبّر عمّا فى الصدور.

 

فها هو السياسى المحنك يطالب بضرورة إلغاء الأحزاب غير الممثلة فى البرلمان، بحجة وجود إفراط حزبى فى الحياة السياسية المصرية عقب ثورة يناير، ما سمح بوجود أحزاب ضعيفة ليس لها أدنى تأثير أو وجود فى الشارع، ثم عاد وطالب سيادته بأن يكون مجلس النواب هو الجهة المنوط بها الرقابة على الأحزاب، وذلك من خلال تشكيل لجنة نوعية بمجلس النواب، تقوم بأداء هذا الدور متعديًا بذلك على دور لجنة شؤون الأحزاب التى تضم شيوخ القضاء فى مصر، والتى يقع على عاتقها مراقبة عمل الأحزاب والطعن على قراراتها التى يجب أن تكون أمام القضاء.

 

وتناسى سيادة النائب أن الأحزاب القائمة لديها الحق والحرية فى ممارسة نشاطها وعملها السياسى والحزبى، أما حكاية عدم نجاحها فى الانتخابات فهى غير مفهومة حتى يتم شطبها.

 

وها هو البرلمانى النابه الذى اكتشف بين ليلة وضحاها أن السبب الرئيسى فى تردّى الإعلام المصرى وعدم ضبط أدائه يعود فى المقام الأول إلى انضمام العديد من خريجى الكليات المختلفة إلى أسرة الإعلام «صحافة وإذاعة وتليفزيون»، لذلك طالب بضرورة أن لا ينضم لأهل الإعلام سوى خريجى كليات الإعلام فقط، وبهذا الشرط فقط سيصلح الحال وسيتم ضبط الأداء الإعلامى المأسوف على أيامه، والذى سمح لنفسه يومًا ما بأن يستضيف عبر شاشاته وصفحاته مثل هذا النائب، الذى سمحنا له بأن يشرّع لمستقبل مصر وشبابها.

 

وها هو الإعلامى الكبير الذى صدّع رؤوسنا ليلَ نهار بميثاق الشرف الإعلامى، فى الوقت الذى لم يعد فيه قادرًا على معاقبة إعلامى اخترق هذا الميثاق، بل ونسفه نسفًا لمجرد أن كيانه النقابى ما زال تحت التأسيس.

 

وها هى ما تسمى أو يطلق عليها لجنة كبار الحكماء فى أحد الأندية تعلن عن عقد اجتماع تتخذ فيه قرارًا بفرض أسماء بعينها على أعضاء الجمعية العمومية لتولى مسؤولية إدارة النادى فى الفترة القادمة، بحجة أنهم أول مَن يعرفون مصلحة ناديهم (ولا عزاء لبقية الأعضاء ولرأيهم) ما دامت اللجنة إياها اجتمعت وقررت.

 

وها هو الموسيقار الكبير الذى لا يعجبه العجب ولا الصيام فى رجب، يصدم كل مَن وجد لنفسه لونًا موسيقيًّا معينًا يخرج به على الناس، بحجة أنه يفسد الذوق العام ويدمر الأغنية المصرية ويحطم مستقبلها.

 

ثم يعود ويهدد البعض من هؤلاء بالضرب على الهواء مباشرةً عندما اعترض على ما يقوله الموسيقار الكبير، الذى طالب فى سابقة لم تحدث من قبل بضرورة اعتزال مطرب شعبى للغناء حفاظًا على تاريخه، على اعتبار أنه لم يعد قادرًا على الغناء، وعقب ذلك اعتذر عن رأيه عندما وجد عاصفة من الهجوم عليه، وها هو سيادة المثقف الذى يحدد لنا ما الذى يجوز ولا يجوز، فسيادته يعرف أكثر منا، ولهذا علينا أن نأخذ بما يقرره لنا، فى الوقت الذى يفعل فيه عكس ما يقوله لنا نهارًا فيخالفه علنًا ليلًا بفعل ما يشربه أو يتعاطاه، وها هو (اللى مايتسماش) الذى يفرض علينا عدم إلقاء الصباح على الجار لكونه يدين بديانة غير ديانته.

 

وها هو المحامى الذى جعل من نفسه قاضيًا ووصيًّا على المجتمع، ليحاسب هذا ويتهم ذاك، مدعيًا أنه يحافظ على مصر ويحميها، وها هو المعلق الذى جعل من نفسه حكمًا ومُحلِّلًا ومشاهدًا ولم يكتفِ بكونه معلقًا فقط، وهو دوره الأساسى الذى بسببه خرج علينا من خلال تلك الشاشة الصغيرة (لن أتحدث هنا عن محاباته أو انحيازه للأهلى أو الزمالك)، لأن الأندية الصغيرة لم تدخل بعدُ فى حساباته.

 

وأخيرًا، ها هو مكتب التنسيق اللعين يتدخل فى مستقبل خيرة شباب هذا الوطن حينما سمح لنفسه بأن يحدد ما يدرسه الطالب من عدمه، لنقضى بأنفسنا على أى فرصة لظهور مواهب فى مختلف المجالات ما دمنا اعتمدنا على مكتب التنسيق وأهملنا قدرات أبنائنا الطلاب فى دراسة ما يحبون، لنجد من بينهم حين تخرجهم نجيب محفوظ جديدًا أو طه حسين أو مجدى يعقوب أو فاروق الباز أو محمد غنيم أو هانى عازر أو يحيى المشد، وعلماء وأدباء جددًا آخرين. 

 

ولهؤلاء جميعًا أقول: اتقوا الله فى شعب مصر وشبابها، لقد بلغنا سن الرشد، ومن حقنا أن نقرر لأنفسنا ما نريده أو نفعله، لذا نرجوكم أن تبتعدوا بملاحظاتكم وإرشاداتكم وقراراتكم عنا، فقد أصابنا الملل منكم ومن تدخلكم فى حياتنا، وعليكم أن تعلموا أن لكل منا طريقه ومنهجه الذى يختاره بنفسه، وعليه أن يتحمل نتيجة اختياره بعيدًا عنكم وعن وصايتكم عليه، فمن حق غيركم أن يفكر ويجتهد ويعمل كما تفعلون دون فرض رأى أو وصاية، فمصر بقيت وستبقى بالجميع كبارًا وصغارًا، شريطة أن يعمل كل فرد بمنهجه الخاص ما دام لا يضر أحدًا أو يُضارّ هو شخصيًّا.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...