الـرواية اختيـار «أديـب نوبـل» الفلسـفى

عصام الزهيري



الـرواية اختيـار «أديـب نوبـل» الفلسـفى



كلمتا السر فى رحلة العبقرية المحفوظية، وهما النبوغ والدأب، يمنحان وجاهة خاصة لسؤال عما إذا كان عملاق الرواية قد فوّت على الثقافة العربية فرصة الدخول من جديد لعصر الفلاسفة العمالقة بعد أن غادرناها لثمانية قرون وبلا عودة منذ زمن الفيلسوف الأندلسى العظيم «ابن رشد»؟ والمعروف أن «محفوظ» بدأ حياته الفكرية بالالتحاق سنة «1930» بقسم الفلسفة فى كلية الآداب جامعة فؤاد الأول «القاهرة الآن»، وعندما تخرّج من قسم الفلسفة سنة «1934» كان لا يزال عاقد العزم على استكمال دراسته الفلسفية إلى مرحلة الدراسات العليا، فتقدم لنيل درجة الماجستير فى الفلسفة برسالة بعنوان: «مفهوم الجمال فى الفلسفة الإسلامية» تحت إشراف د.«مصطفى عبد الرازق» شيخ الأزهر فى ما بعد. وعبر سنوات دراسته الفلسفية وقبل أن يبلغ العشرين من عمره بدأت رحلته مع النشر فى الصحف والمجلات بسلسلة من المقالات الفلسفية الجريئة الواعدة، كان أبرزها ما نشره له أستاذه «سلامة موسى» فى مجلته «المجلة الجديدة»، وقد تحدث «محفوظ» عن تأثير أستاذه المفكر الحاسم عليه بقوله: «وجهنى إلى شيئين مهمين هما: العلم والاشتراكية ومنذ دخلا مخى لم يخرجا منه إلى الآن». وكان من بين عناوين مقالاته الأولى: «الله»، «فكرة الله فى الفلسفة»، «فلسفة الحب»، «معنى الفلسفة»، «نظريات العقل»، «تطور الفكر الفلسفى قبل سقراط»، «فلسفة سقراط وأفلاطون».

 

ورغم افتتان «محفوظ» العميق بالفلسفة والاستغراق الذى تواصل لسنوات فى دراسته الفلسفية بقى الصراع -الذى وصفه بأنه كان رهيبا- بين الفلسفة والأدب على أشده بداخله، وهو يقول عن ذلك: «كان عام 1936 هو العام الفاصل فى حياتى، فيه قررت احتراف كتابة القصة بعد أن مررت بصراع نفسى رهيب فى المفاضلة بين الفلسفة والأدب. ولم أحاول أن أشرك أحدا فى تفكيرى أو أطلعه على ما فى نفسى من صراع، اخترت طريق الرواية رغم صعوبته، وتركت طريق الفلسفة رغم سهولته بالنسبة لى، حيث كنت قد كونت أساسا متينا فى الدراسات الفلسفية». وقد يكون من الأنسب هنا الإشارة إلى تدّخل إضافى من القدر سهل على الفيلسوف الشاب فى ما بعد الالتحاق بطريق الرواية الصعب، أو الذى كان صعبا قبل أن تعبّده العبقرية المحفوظية باقتدار، إذ كان من المقرر أن يسافر طالب الفلسفة المتفوق فى بعثة إلى فرنسا لدراسة الفلسفة بعد أن جاء ترتيبه الثانى على قسم الفلسفة، لكن لجنة شكلها القسم اختارت اثنين من زملائه للسفر واستبعدته، ليعمل «محفوظ» بعد تخرجه كاتبا فى إدارة جامعة القاهرة لمدة عامين.


من يمكنه أن يسائل القدر عن تدخلاته؟! على كل حال سأل «محفوظ» نفسه فى واحدة من «حكايات حارتنا» إنسانا عن ضحكه فأجابه: «تذكرت أننى طالب بين طلبة متنافسين فى مدرسة تجمع بين طلبة الأزقة المتخاصمة، فى حارة وسط حارات متعادية، وأنى كائن بين ملايين الكائنات المنظورة وغير المنظورة، فى كرة أرضية تهيم وسط مجموعة شمسية لا سلطان لى عليها، والمجموعة ضائعة فى سديم هائل، والسديم تائه فى كون لا نهائى، وأن الحياة التى أنتمى إليها مثل نقطة ندى فوق ورقة شجرة فارعة، وأن علىّ أن أسلّم بذلك كله، ثم أعيش لأهتم بالأحزان والأفراح، لذلك لا أتمالك نفسى من الضحك». وبعد نصف قرن تقريبا وخلال الاحتفال بفوزه بجائزة نوبل سنة «1988» شخص «محفوظ» رحلة هيامه الفلسفى تشخيصا فلسفيا كذلك ولكن بطريقته الضاحكة إذ قال: «ظننت أنى سأدخل الفلسفة لأتخرج بعد أربع سنوات أعرف: المصير وحقيقة الوجود.. مثل الطبيب»!
 

هذه العبارة الضاحكة تكاد تحسم من زاوية أخرى خيار «محفوظ» الفلسفى باتجاه الرواية، فهى تعنى أن الفيلسوف الشاب -روائى العربية الأول فى ما بعد- أراد الحصول على فلسفته الخاصة، الشخصية، فلسفة ذات بصمة وطابع «محفوظى» إنسانى عميق ولا يتكرر، وهو ما كان يستحيل عليه تحقيقه تقريبا من دون الرواية. وربما يكون «محفوظ» قدّر أن كل ما سيمكنه الحصول عليه لو سلك طريق الدراسة الفلسفية النظرية، لن يتعدى إضافة بناء فكرى مجرّد أو إبداع اتجاه نظرى فلسفى يُضم إلى ما سبق منها فى تاريخ الفلسفة الذى يمتلئ بالأبنية الفكرية والنظريات التى تمتاز بعمومية وتجريد يبتعدان بها عن ملامسة عصب الحياة العارى وإرضاء شغف النفس البشرية القلقة المتطلعة للأبد إلى الارتواء من نبع الحقائق. وهى الفكرة التى يمكن أن يستنبطها قارئ مقاله المبكر عن «فكرة الله فى الفلسفة»، إذ يقول فى خاتمته وبعد مقارنة مطولة بين نظرة العلم ونظرة التصوف لله: «والآن فلنسأل أنفسنا هذا السؤال: ما الذى تتركه فى النفس جميع هذه الآراء من الأثر؟ إن البراهين العقلية تمهيد حسن ولفت قيم ولكنها لا تبلغ بالإنسان درجة الاعتقاد الحقيقى. وإنى أجد نفسى بعد الاطلاع عليها بحيث كنت من القلق والاضطراب. أما الرأى الصوفى فيقف الإنسان حياله مكتوف الأيدى لأنه يمثل حياة لا يشعر بها إلا من يحياها، ولأن تجربته تشمل الحياة بأسرها وهى أعز من أن يجازف بها الإنسان».
 

ويكاد يكمن فى عبارات «محفوظ» السابقة «المغزى التقنى» للسهولة التى وصف بها طريق الفلسفة فى مقابل صعوبة طريق الرواية، دون أن يُستبعد المعنى المباشر الذى ارتبط بالأجواء الفكرية والمعادلات التى سادت الثقافة المصرية فى ثلاثينيات القرن العشرين. إحدى هذه المعادلات -قبل أن تُحدث فيها موهبة «محفوظ» انقلابا- كانت تسبغ احتراما على المقال وتكن استهانة بالقصة والرواية، وهو ما عبر عنه عبقرى الرواية مرتبطا بمفاضلة أخرى بين النقد والإبداع بقوله: «كانت عنايتى الأساسية بالمقالة الفلسفية، فقد كنت دارسا للفلسفة، وكان المناخ الفكرى يغلب عليه النقد وليس الإبداع، وفى الإجازات وفى بعض الأوقات كنت أكتب بعض القصص دون اهتمام جدى، وتغلب الفن على الفكر عن طريق التسلل غير الواعى حتى وصل إلى درجة قوية من الصراع الحاد الذى كان يجب أن يحسم، وحسم لصالح الفن والأدب».
 

قارئ محفوظ الفيلسوف فى بداياته المبكرة، مثل قارئ نتاجه الروائى الناضج فى ما بعد، يستطيع أن يلمس إدراكه منذ بدايته الفلسفية لطبيعة المعاناة المادية والروحية للإنسان، وطبيعة الاقتران المعقد بين اللونين من المعاناة المادية والروحية، فهو يؤكد فى أحد مقالاته الأولى بعنوان «احتضار معتقدات وتولد معتقدات» على إدراكه لما يعانيه الناس من اضطراب وتخبط فكرى وقلق معرفى ما بين ولادة واحتضار يلخصان مغزى الحياة وطبائعها، وقد رأى أن الطريق الأصوب الذى ينبغى أن يتشبث به الإنسان فى مواجهة معاناته هو العقل والتطور العقلى، لذلك يقول بلسان إحدى شخصيات رواية «السكرية»: «العلم سحر البشرية ونورها ومرشدها ومعجزاتها وهو دين المستقبل»، دون أن يعنى ذلك استهانة بالإيمان لأنه يقول فى «بين القصرين»: «الإيمان أقوى من الموت»، وفى «ثرثرة فوق النيل»: «إرادة الحياة هى التى تجعلنا نتشبث بالحياة بالفعل ولو انتحرنا بعقولنا»، وفى «يوم قتل الزعيم»: «طوبى لمن أحب الدنيا بما هى دنيا الله». دنيا الله عند «محفوظ» يستحيل أن تخلو من معنى غير أنه ليس معنى مجرد للبحث والمداولة وإنما هو معنى حى للتجسد والمعايشة إذ إنه: «ربما كان من الخطأ أن نبحث فى هذه الدنيا عن معنى بينما أن مهمتنا الأولى أن نخلق هذا المعنى».
 

سلك «نجيب محفوظ» -فى تقديرى- طريق الفلسفة والمعنى عن طريق خلقهما بالرواية، وسلك طريق الخلق والرواية محملا بكل أسئلة وشكوك وطموحات الوصول للمعنى وعناق الفلسفة. وهو ما تؤكده خطّاطة المراحل الروائية المحفوظية التى تفنن النقاد فى رصدها، فكان بدايةً من مرحلة كتابته للروايات التاريخية، ثم الواقعية، ثم الرمزية، والملحمية، وصولا إلى «أحلام فترة النقاهة» أول من فتح أبواب ونوافذ الرواية العربية على مصراعيها أمام أسئلة الكون والمصير والصراعات الإنسانية الكبرى، بداية بالتساؤلات الميتافيزيقية المقلقة عن الله والغيب والأقدار، ومن ثم كتابة تاريخ البشرية منذ أن وُجد الإنسان على الأرض. فنحن كما قال ملك الرواية العربية المتوّج: «مهما يكن من أمر لا يجوز أن نتجاهل المرحلة التى قطعها الإنسان من الغابة إلى القمر».



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...