السيناريوهات المحفوظية.. هل غيرت السيناريوهات التى كتبها للسينما الشكل النمطى للكتابة السينمائية؟

إيهاب التركى



السيناريوهات المحفوظية.. هل غيرت السيناريوهات التى كتبها للسينما الشكل النمطى للكتابة السينمائية؟



تخيل أرشيف السينما المصرية من دون هذه الأفلام: «ريا وسكينة»، و«شباب امرأة»، و«جعلونى مجرما»، و«الفتوة»، و«الطريق المسدود»، و«أنا حرة»، و«درب المهابيل»، و«بين السما والأرض»، و«الناصر صلاح الدين»، و«جميلة»، و«احنا التلامذة»، و«فتوات الحسينية». تخيلت؟!

 

العناوين السابقة هى بعض مما كتبه نجيب محفوظ خصيصا للسينما، وبلغ نحو 26 فيلما كتب قصصها وصاغ معالجاتها الدرامية، وبعض هذه السيناريوهات اقتباسات عن روايات ومقالات وتحقيقات صحفية، وتُبرز العناوين تنوع موضوعاته وأفكاره الدرامية التى قصها بلغة السينما عبرت بعمق عن صورة الطبقة الوسطى والفقيرة، وكيف أصبحت تلك الأفلام علامات فى تاريخ السينما المصرية.
 

كثير من كتاب الرواية دخل عالم السيناريو من باب رواياته نفسها؛ فأغلب الروائيين يرتبط بقصته، ويرى أنه الأنسب لنقلها لوسيط آخر كالسينما، لكن نجيب محفوظ كان يرى الأمر بصورة مختلفة؛ فعلاقته انتهت بروايته بعد كتابتها، وهو وحده المسؤول عن كل ما بها، ولكنها فى عالم السينما ملك لرؤية المخرج، وكاتب السيناريو الذى يعيد صياغة أحداثها بما يتلاءم مع لغة السينما المكثفة، ويعبر عنها ممثلون، ويرسمها ملامح الصورة فيها فنيون، وبسبب هذا المبدأ لم يكتب محفوظ سيناريو أى من رواياته التى تحولت للسينما أو التليفزيون.
 

كانت آخر علاقة لنجيب محفوظ بالسيناريو المشاركة فى معالجة سينمائية لواحدة من قصصه القصيرة، ربما فى استثناء نادر لمبدئه بعدم الاشتراك فى عملية تحويل أعماله لنصوص سينمائية، وهى قصة «الزيارة» التى تغير اسمها إلى «الخادمة»، وقامت ببطولته نادية الجندى، وأخرجه أشرف فهمى، وكتب السيناريو والحوار له مصطفى محرم، وكتب محرم فى مقال منشور له بجريدة القاهرة أنه طلب العون من نجيب محفوظ بشأن تحويل قصته لسيناريو، وبعد يومين أرسل له محفوظ ورقتين فيهما بعض الاقتراحات التى أسهمت فى توجيه محرم للطريق الأنسب لتحويل القصة لسيناريو فيلم، واكتفى نجيب محفوظ بوجود اسمه على الأفيش والتترات ككاتب للقصة الأصلية، ولم تتم الإشارة لمشاركته فى المعالجة السينمائية لولا رواية محرم للواقعة.
 

أحب نجيب محفوظ كتابة السيناريو، وكان مُحبا للأفلام، وبشكل خاص السينما الأجنبية كما صرح مرة فى حديث تليفزيونى، وحينما كتب سيناريوهات أفلام كان وقتها روائيا معروفا، صدرت له نحو إحدى عشر رواية، لكن السينما لم تقتبس واحدة منها، حتى عام 1960، حينما نقل صلاح أبو سيف أول رواية من تأليف نجيب محفوظ للسينما، وهى رواية «بداية ونهاية» التى كتب لها السيناريو صلاح عز الدين، وكتب الحوار أحمد شكرى وكمال عبد السلام.
 

البداية حينما طلب المخرج صلاح أبو سيف مقابلة محفوظ فى صيف عام 1947، وأبدى إعجابه بروايته «عبث الأقدار»، ورأى أن نجيب محفوظ الكاتب يمتلك موهبة وخيال يؤهلانه لكتابة السيناريو، وكان محفوظ يجهل فنيات كتابة السيناريو، وأقصى ما كان يمكن أن يقدمه هو المعالجة القصصية للحكاية، وكانت الحكاية الأولى التى بدأ محفوظ يكتبها للسينما هى «مغامرات عنتر وعبلة»، وكان يكتب الحكاية على أجزاء كمعالجة، وظن أن مهمته انتهت، لكن صلاح أبو سيف بدأ يشرح له أصول كتابة السيناريو، وساعده على احتراف كتابته، ومنحه عدة كتب عن كتابة السيناريو، وأكمل محفوظ بشكل ذاتى رحلة احتراف كتابة السيناريو، وتجاوز عقبة فنيات الكتابة، وبدأ مرحلة من الإبداع فى صياغة الأفكار الدرامية، وبرز أسلوبه الخاص فى السرد، وقدم بلغة السينما أعمالا تحمل موضوعات إنسانية بعيدة عن الشكل النمطى السائد فى السرد السينمائى المصرى وقتها، وأصبح نجيب محفوظ واحدا أهم كتاب السيناريو فى تاريخ السينما المصرية، وأقبلت السينما عليه كاتبا للسيناريو، كما أقبلت على رواياته وقصصه.
 

رغم أن أغلب الروايات التى تتناول بداية نجيب محفوظ مع كتابة السيناريو تبدأ بعام 1948، وهو العام الذى شهد عرض فيلم «مغامرات عنتر وعبلة» فى السينما، فإن هناك فيلما آخر، سبقه فى العرض هو فيلم «المنتقم»، شارك نجيب محفوظ فى كتابة السيناريو الخاص به مع صلاح أبو سيف، عن قصة كتبها إبراهيم عبود، وكتب الحوار السيد بدير، وأخرجه صلاح أبو سيف، وكان تاريخ عرضه عام 1947، وهذا يعنى أن هذا الفيلم هو أول مشاركاته فى كتابة السيناريو، لو التزمنا بمعيار تاريخ العرض كمقياس لتأريخ أرشيف بدايات محفوظ السينمائية.
 

بين عامى 1947 و1984 كان السيناريو جزء من إبداعات محفوظ؛ فقد خص السينما بحكايات لم ينشرها كقصص مطبوعة، ورغم رفضه كتابة سيناريوهات مأخوذة عن أعماله الروائية، فإنه قام بالإعداد السينمائى لقصة الروائى والكاتب الصحفى إحسان عبد القدوس «إمبراطورية ميم»، وقبلها كتب سيناريوهات مأخوذة عن روايات أخرى لإحسان عبد القدوس، وهى «بئر الحرمان»، و«أنا حرة»، وقام فى فيلم «دلال المصرية» باقتباس وتمصير رواية «العبث» للكاتب الروسى تولستوى.
 

كان صلاح أبو سيف متحمسا للغاية لنجيب محفوظ ككاتب سيناريو، وشارك أبو سيف ومحفوظ بأعمالهما فى مهمة إخراج السينما المصرية من سجن اقتباس الأفلام الأجنبية، وقدما معا العديد من الأفلام التى أصبحت من علامات السينما المصرية، ومنها فيلم «بين السما والأرض» من إنتاج عام 1960، وهو نفس العام الذى كانت السينما تعرض فيلم «بداية ونهاية»، وهو الفيلم الذى قدم حكاية ميلودرامية عن أزمة أسرة فقيرة فقدت عائلها فى الأربعينيات، واضطر كل فرد منها البحث عن وسيلة للبقاء، وفى «بين السما والأرض» قدم محفوظ كوميديا سوداء ساخرة عن صراع الطبقات فى مرحلة ما بعد ثورة يوليو، واختار قالبا حداثيا غير مألوف كموقع للأحداث، وهو أسانسير عمارة من عمارات وسط البلد، حيث يتعطل وداخله مجموعة متناقضة من الركاب، ويبدأ الجميع بصراع يائس من أجل البقاء، وحينما يدركون أن فرصة إنقاذهم ضعيفة تتغير سلوكياتهم، وتسقط عنهم أقنعة الغرور والغطرسة والكذب والخداع، وأسهمت مشاركة السيد بدير فى كتابة السيناريو والحوار فى خروج هذا المزيج الذى يجمع بين الفلسفة والنقد الاجتماعى الساخر، وتبرز براعة محفوظ الشديدة فى رسم الشخصيات بصورة مكثفة للغاية، كالمجنون، والزوجة الخائنة، والخادم الناقم، واللص، والممثلة العصبية، ورغم زحام الشخصيات وصخبها لم يقع السيناريو فى فخ التشتت.
 

كان نشاط نجيب محفوظ السيناريست فى أوجه فى عقد الخمسينيات، وغلب على موضوعاتها لون المغامرات والجريمة، ومن أبرزها فيلم «ريا وسكينة»، الذى يمكن أن يكون واحدا من أفلام الرعب المبكرة، والفيلم تصوير واقعى قاتم لحارة شعبية سكندرية شديدة الفقر تشهد عددا من جرائم القتل المروعة، تقوم بها عصابة تتزعمها شقيقتين هما ريا وسكينة، واستلهم محفوظ أحداثه من سلسلة تحقيقات صحفية عن جرائم الشقيقتين، وكتب محفوظ سيناريو فيلم «فتوات الحسينية» فى عام 1954، الذى قدم فيه واحدا من الموضوعات التى شغلت خياله، وهو عالم الفتوات الشعبى، وكتب عنها عددا من أشهر رواياته، وأبرزها بالطبع روايته الملحمية «الحرافيش» التى نُشرت فى نهاية السبعينيات.
 

وهناك عدد من السيناريوهات التى كتبها نجيب محفوظ عن قصص وأفكار كتبها فريد شوقى، وقام محفوظ بصياغتها فى عدد من الأفلام الشعبية التى أصبحت من أهم أفلام نوعية «شجيع السيما» التى جسدها وتفوق فيها فريد شوقى فى الخمسينيات، ومن هذه الأفلام «النمرود»، و«الفتوة»، و«جعلونى مجرما»، ورسم محفوظ فى هذه الأعمال نموذجا للبطل المخالف للأعراف «antihero»، وهو المعاكس لصورة البطل السينمائى النمطية «hero»، وفى أغلب تلك الأفلام يكون البطل شخصا فقيرا تقسو عليه الظروف وتدفعه لعالم الجريمة، وفى أغلب الأحيان تنتهى هذه الأعمال بنقطة الصدمة الدرامية التى تدفع البطل إلى العودة للطريق المستقيم.
 

توقف نجيب محفوظ عن كتابة السيناريو فى فترة عمله كمدير للرقابة، فلم يكن ملائما من وجهة نظره أن يكتب سيناريوهات أفلام ستعرض عليه فى نهاية الأمر لإجازتها، وكانت عودته لدنيا السينما فى بداية السبعينيات تُشكل مرحلة مختلفة فى مسيرته ككاتب سيناريو، وكانت السينما وقتها تعيش مرحلة تداعيات ما بعد هزيمة يونيو، وظهرت أعمال تراجع الواقع الاجتماعى، وتُحلل ظواهره وتنتقده بقسوة، وظهرت ملامح هذه التداعيات فى عدد من الأعمال، من أبرزها فيلم «المذنبون»، من إخراج سعيد مرزوق عام 1975، وهو الفيلم الذى صوره محفوظ فى قالب بوليسى كما فعل فى «ريا وسكينة»، مع اختلاف أسلوب المعالجة، ففى «ريا وسكينة» كان الضابط بطل العمل الذى جسد دوره أنور وجدى، وهو مفتاح القصة، والشخصية المحورية التى كانت تتقصى الحقائق للوصول إلى شخصية المجرمين، وفى «المذنبون» يقوم المحقق عمر الحريرى بالتحقيق فى جريمة قتل ممثلة، من خلال الأسلوب الكلاسيكى فى الأعمال البوليسية، وهو محاولة الوصول للجانى من خلال التحقيق مع المشتبه بهم، ومن كانوا بالقرب من المجنى عليها قبل وقوع الجريمة، وتنهال على المحقق اعترافات وحقائق تكشف كم الفساد الذى كان يحيط القتيلة، من خلال علاقاتها المتعددة بنماذج مختلفة من المجتمع، وقدم الفيلم تشريحا جريئا لفساد المجتمع، وتم منع عرض الفيلم، والتحقيق مع أعضاء جهاز الرقابة الذى أجاز الفيلم.


نجيب محفوظ شارك فى السبعينيات فى تجربة شاهينية خاصة هى فيلم «الاختيار»، ورغم أنها تبدو مختلفة عن الأجواء الواقعية لأغلب سيناريوهات نجيب محفوظ، فإنها تحمل ملامح المعالجة النفسية للشخصيات الوجودية المضطربة والحائرة التى صورها محفوظ فى روايات مثل «الطريق»، فشخصية بطل الفيلم سيد «عزت العلايلى» تصور كاتبا يدعو للحرية، وبعد قتل شقيقه التوأم يقوم برحلة بحث عن قاتله، والعمل دراما نفسية تستخدم مرض فصام الشخصية كإطار لتصوير علاقة البطل المضطربة بمن حوله، وتناقض أفكاره ومبادئه الخاصة حول العلاقة بين الإنسان والحرية.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...