الوصايا المنبوذة

محمد شعير



الوصايا المنبوذة



 

نقلًا عن كتاب «سيرة الرواية المحرمة.. أولاد حارتنا» للكاتب الصحفى محمد شعير.

 

نصيحتان تلقاهما نجيب محفوظ فى بداية حياته الأدبية، الأولى فى أثناء التحقيق معه بعد صدور روايته «القاهرة الجديدة».. قال له المحقق: «لماذا تكتب عن فضائح الباشاوات وتعرض نفسك للمشكلات، اكتب عن الحب أفضل وأكثر أمنا».

 

وكانت الثانية من إبراهيم عبد القادر المازنى فى اللقاء الوحيد الذى جمعه به، قال له المازنى‏:‏ «إن الذى تكتبه هو الأدب الواقعى‏،‏ وإن هذا النوع من الأدب يسبب لصاحبه مشكلات كثيرة‏، ‏والفكرة الشائعة عن الروايات أنها اعترافات شخصية، إذا كنت سوف تستمر فى كتابة الأدب الواقعى فسوف تجلب لنفسك المتاعب والمنغصات دون أن تدرى‏». لم يستجب محفوظ للنصيحتين، فلم يكتب عن الحب، وطاردته المتاعب والمنغصات منذ أن بدأ الكتابة.
 

عندما تسلم، من ناشره، عددا من نسخ روايته الأولى «عبث الأقدار» «1939» حمل واحدة منها إلى بيت الشيخ مصطفى عبد الرازق، أستاذه فى قسم الفلسفة بجامعة فؤاد الأول، وهناك وجد مجموعة من شيوخ الأزهر ضيوفا على الشيخ، عندما أمسكوا بالرواية هاجوا بسبب عنوانها، ارتبك محفوظ إزاء الهجوم ولكن الشيخ تدارك الموقف مدافعا عن تلميذه.
 

وعندما أنهى روايته الثانية «رادوبيس» «1943» رفضت الرقابة نشرها باعتبارها «عملا مهيجا» لأن الشعب يثور فيها على الملك الذى كان منصرفا إلى نزواته الشخصية، وطلب الرقيب تغيير خاتمة الرواية. فأوضح محفوظ له أنها مجرد حكاية تاريخية، ومن الصعب تغيير نهايتها لأن فى ذلك تشويها للتاريخ. فسمحت الرقابة بنشرها، خصوصا أن الحكايات عن علاقات الملك «فاروق الأول» النسائية لم تكن قد انتشرت بشكل كبير بعد.
 

بعد صدور روايته «القاهرة الجديدة» «1945» أحيل إلى التحقيق لأنه انتقد فيها الحكومة، وقُرئت الرواية باعتبارها مجرد مقالات تنتقد رجال الحكم. فى التحقيق سأله المحقق، أحمد حسين (شقيق الدكتور طه حسين): «ماذا تقصد؟» فأجاب: «إنها وقائع خيالية لا أقصد أشخاصا معينين، هذه رواية مثل التى علمها لنا أخوك طه حسين». وبعد سنوات قليلة وافق محفوظ على تغيير عنوان الرواية إلى «فضيحة فى القاهرة» استجابة لطلب إحسان عبد القدوس الذى أراد نشرها فى سلسلة «الكتاب الذهبى»، وخشى أن يُفهم من العنوان القديم أن الرواية تنتقد مجتمع الثورة «23 يوليو 1952» الجديد.
 

وعندما تقدم بروايته «السراب» «1948» للحصول على جائزة مجمع اللغة العربية، رفضها المجمع لأسباب «أخلاقية»، وقال له أحد الأعضاء: «أفهم ما كتبته بوضوح، ولكن بيئتنا هنا لن تقبل ذلك. إننا مؤسسة رسمية، وإذا شجعنا هذا الأدب فإن هذا يعنى أننا نعترف رسميا به، ونحن لا نستطيع أن نتحمل هذه المسؤولية». ولم تكن تلك هى المشكلة الوحيدة التى سببتها له الرواية، إذ اعتقد أحد رواد مقهى كان يتردد عليه محفوظ وكانت بينهما معرفة أنه يقصده بشخصية بطل الرواية «كامل رؤبة لاظ» العاجز جنسيا‏، فحمل مسدسا وقرر قتله، فامتنع محفوظ عاما كاملا عن المرور بجوار المقهى، ولإنهاء المشكلة اتصل بحامل المسدس الثائر ليشرح له الاختلافات الشاسعة بينه وبين الشخصية الموجودة فى الرواية، وطلب منه أن يتأكد من ذلك بقراءة الرواية.
 

ومر صدور «بداية ونهاية» «1949» بهدوء، ولكن بعد قيام الثورة التقى به أنور السادات فى مكتب إحسان عبد القدوس. قال له السادات: «أنا زعلان منك». فقال نجيب: «ليه لا سمح الله؟». فرد السادات معاتبا: «كيف تجعل الضابط فى (بداية ونهاية) ينتحر؟ أنت لا تعرف أن الضابط هو نحن؟».
 

كما مر نشر «الثلاثية» بهدوء باستثناء بعض المقالات النقدية التى اعتبرته كاتبا برجوازيا، ولكن محفوظ سيعود فى الستينيات ليكتب أجرأ أعماله، رواية تفضح الديكتاتورية، وتنتقد تأميم المجال العام، فى تلك المرحلة: «استحوذ الخوف على الناظر ورجاله، فبثوا العيون فى الأركان، وفتشوا المساكن والدكاكين، وفرضوا أقسى العقوبات على أتفه الهفوات، وانهالوا بالعصى للنظرة أو النكتة أو الضحكة، حتى باتت الحارة فى جو قاتم من الخوف والحقد والإرهاب»، كما يكتب محفوظ فى «أولاد حارتنا».
 

غضبت أطراف نافذة فى السلطة الناصرية من «ميرامار»، و«ثرثرة فوق النيل» ومن بعض القصص القصيرة الأخرى، حتى إن المشير عبد الحكيم عامر أقدم على اعتقاله لولا تدخل عبد الناصر نفسه فى اللحظات الأخيرة.
 

وفى أوائل السبعينيات تعرضت روايتاه: «الكرنك»، و«الحب تحت المطر» لمقص الرقيب الباتر، وطالهما الحذف حد التشويه.
 

**
 

مع كل رواية عاصفة، وأزمة، وسط كل العواصف كان محفوظ يحمى نفسه، روايته حيادية، تبدو وكأنها لا تتهم، أو توجِّه، رواية يتحمل أبطالها عبء ما يقولون ويفعلون لا كاتبها، الكاتب هنا مجرد شاهد، حكيم غير متورط، أو إله يراقب ويسخر، ربما لهذا مرت العواصف. ولكن كانت «أولاد حارتنا» استثناء.
 

هى رواية مركزية فى عالم محفوظ، ما قبلها كان واقعيا صرفا، وما بعدها كان محاولات دائمة للتجريب، والابتعاد عن الواقعية الكلاسيكية. وحملت الرواية ما يمكن وصفه بالانتقال من مجتمع الشفاهية إلى الكتابية، حيث يستجيب الراوى لوصية عرفة أحد أبناء الحارة البررة: «أنت من القلة التى تعرف الكتابة، فلماذا لا تكتب حكايات حارتنا؟ إنها تُروى بغير نظام، وتخضع لأهواء الرواة وتحزباتهم، ومن المفيد أن تُسجل بأمانة فى وحدة متكاملة ليحسن الانتفاع بها».
 

سجل الراوى/ محفوظ الحكايات الشفهية المتوارثة ليحكى عن حلمه، بالعدل، وسيادة العلم، حلمه وحلم البشرية كلها بأن تمضى الحياة فى الحديقة والناى والغناء، وأن تشهد الحارة مصرع الطغيان، ومشرق النور. كانت الرواية أمثولة لعلاقتنا بالسلطة الجاثمة على أنفاس البشر، سواء أكانت هذه السلطة سياسية أو دينية أو مجتمعية، ومن هنا انزعج الجميع من قدرة رواية على تعريتهم وفضحهم. وصارت الرواية «خطيئة» محفوظ لدى الجميع.
 

وفى كل الوقائع، كانت «أولاد حارتنا» حالة خاصة، بحسب وصف محفوظ نفسه، لم تعد مجرد رواية طرح فيها أسئلته حول العدل والحرية، بل صارت تمثيلا لحكايتنا مع السلطة، والرقابة، حكاية المجتمع نفسه وتوقه للتفكير خارج الخطوط الحمراء، صارت الكتاب/ الرمز لمعركة ثقافية واجتماعية وسياسية، لم تنتهِ بعد، بل تتخذ كل فترة شكلا جديدا ومثيرا. وكأن محفوظ وهو يكتب، كان يحقق -دون أن يدرى أو يتعمد ذلك- الحلم القديم لكمال عبد الجواد «قرينه/ صورته فى الثلاثية بنظر غالبية نقاده».. كان كمال: «يحلم أن يؤلف كتابا، هذه هى الحقيقة، أى كتاب؟ لن يكون شعرا، إذا كانت كراسة أسراره تحوى شعرا، فمرجع ذلك إلى أن عايدة تحيل النثر شعرا لا إلى شاعرية أصيلة فيه، فالكتاب سيكون نثرا، وسيكون مجلدا ضخما فى حجم القرآن الكريم وشكله، وستحدق بصفحاته هوامش الشرح والتفسير كذلك، ولكن عم يكتب؟ ألم يحوِ القرآن كل شىء؟ لا ينبغى أن ييأس، ليجدن موضوعه يوما ما، حسبه الآن أنه عرف حجم الكتاب وشكله وهوامشه، أليس كتاب يهز الأرض خيرا من وظيفة وإن هزت الأرض؟! كل المتعلمين يعرفون سقراط، ولكن من منهم يعرف القضاة الذين حاكموه؟!».
 

عاش محفوظ عصور سلاطين وملوك ورؤساء، عاصر ثورات وانقلابات، وحروبا وطواعين، ومآسى.. عايش التقلبات السياسية والمنعطفات الحاسمة، الثورات والأنظمة والحروب، من النكسة إلى الاستنزاف وأكتوبر، من ثورة 19، إلى يوليو، وكامب ديفيد، ومن نوبل إلى الخنجر الغادر الذى استقر فى رقبته. استطاع أن يصمد فى وجه التقلبات والعواصف والتغيرات التى أصابت المجتمع والثقافة، واستطاع أن يصمد فى وجه الحقد الأصولى. واستطاع طوال سنوات عمره التى قاربت قرنا من الزمان، وحتى بعد رحيله، أيضا، أن يحافظ على تأثيره وفاعليته، ليصبح رمزا عابرا للزمان.
 

تبدلت الموضة وانقلبت المعايير الجمالية، وتغيرت الأسماء، وانسحب كُتَّاب كبار إلى متحف «التاريخ»، بينما ظل هو فى مكانه، يثير الاهتمام والإعجاب والجدل الصاخب. قاوم الشيخوخة تارة والسلطات تارة أخرى، وكتاب التقارير وصناع الطغاة، وسكاكين المتطرفين وكل الصعوبات التى كادت تحول بينه وبين الكتابة تارات وتارات.
 

كانت الاتهامات تزعجه، ولكنه كان يقابلها بضحكة صافية ترتفع بين الحين والآخر. عندما طلب منه أحد الصحفيين أن يتخيل بروفة لحساب الآخرة، وينصب لنفسه ميزانا أيهما أثقل فى ميزانه: الحسنات أم السيئات؟ ضحك محفوظ طويلا قبل أن يجيب: «أنا لم أقتل فى حياتى، ولم أسرق ولم أرتكب إثما كبيرا. كل آثامى صغيرة وخفيفة على الميزان. وإذا كانت الحسنة بعشرة أمثالها فالميزان قطعا فى صفى».
وهكذا ظلت «أولاد حارتنا» فى دائرة الضوء، منذ أن نشرت مسلسلة فى «الأهرام» فى صيف العام 1959 وحتى بعد رحيل محفوظ، عندما صدرت لأول مرة فى مصر بمقدمة كأنها صك براءة لاهوتية لعمل فنى خيالى.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.