الحوار الأخير بين محفوظ وأبطاله على مقهى الفيشاوى

محمد هشام عبيه



الحوار الأخير بين محفوظ وأبطاله على مقهى الفيشاوى



بدا عم نجيب محفوظ فى كامل صحته وهو يجلس على مقهى الفيشاوى يشرب بيمناه كوبًا من الشاى الأسود الثقيل، وفى يساره سيجارة «كليوباتر» مصرية أصيلة، كان الزحام من حوله شديدًا، وكأنها المرة الأخيرة التى يمكن فيها لهذا الجمع أن يوجد برفقته.

كان هناك «عاشور الناجى» مرتديًا جلبابًا من الصوف المخطط أسفله صديرى أبيض، وهما ذات ثياب فتوة الحرافيش كما ينبغى أن يكون. «عم عبده» خفير عوامة «ثرثرة فوق النيل» بسمرته المنقوشة من طين الأرض، الشيخ «عبد الله البلخى» الذى علَّم شهرزاد الحكاوى والحواديت، فنجت من القتل فى «ليالى ألف ليلة»، وبجواره يقف «جمصة البلطى» كبير شرطة شهريار. لا يزال «علِى عبد الستار» ممسكًا بيد رجاء محمد وهما يحلمان بأن يقضيا ليلة أخرى من الحب «فوق هضبة الهرم»، وهناك على أحد جدران المقهى يستند «سرحان البحيرى» بطل «ميرامار» وعيناه تتأملان -فى شهوانية واضحة- «حميدة» أيقونة «زقاق المدق» وحلم «عباس الحلو» الضائع.
وسط وجوه كثيرة تحيط بعم نجيب، بقى على طرف المقهى الشيخ «عبد ربه التائه» مراقبًا الجميع فى ابتسامة هادئة، مستعدًّا لأن يلقى عصير الحكمة فى جملة مركزة يبقى أثرها لامعًا للأبد فى «أصداء السيرة الذاتية».
باندفاع يليق بشخصيته وسطوته يهتف عاشور الناجى:
«لم يعد للحارة قيمة أو صيت يليق بها.. انتشر الفساد ونخر فى عظامها.. وأصبح كل فتوات الحارات المجاورة يعايروننى بأنى فتوة حارة تستورد الراقصات الأجنبيات ولا تصدر سوى أولادها، ليروى عرقهم أرض غيرهم».
يبتسم نجيب محفوظ وهو يقول:
«وها أنت لا تزال عاشور الناجى الذى كان يدعو ربه، قائلًا: اللهم صن لى قوتى وزدنى منها، لأجعلها فى خدمة عبادك الصالحين؟ هل أنت لا تزال ذلك الفتوة المجدع الذى كان يعلم الحرافيش أنهم (لابد دومًا أن يضمنوا حرفة فى يد والقوة والفتونة فى يد أخرى، حتى لا يسلط عليهم شرير أو ظالم؟)».
يتحرك «سرحان البحيرى» قليلًا من مكانه، وهو يقول:
«لم تعد الفتونة صالحة الآن.. فقط على الواحد أن يكون قابلًا للطى والسحب والتشكيل.. بحسب ما تفرزه ماكينة الحياة. عليه ألا يعادى أحدًا فربما عدوه يصبح غدًا صديقًا فوزيرًا فرئيسًا. لا معنى للحياة دون سطوة أو سيارة وفتاة تقضى معها ليلتك. وهذه أشياء لا تأتى إلا إذا كانت مثلى هكذا. لا تناقض مطلقًا فى أن تكون وفديًّا وناصريًّا فى ذات الوقت، هذه أشياء بلا معنى، القيمة الوحيدة تأتى من الإجابة عن سؤال: ماذا أنت الآن؟!».
ينفث نجيب محفوظ بعضًا من دخان سيجارته، قائلًا:
«الأهم أن لا يكون المصير مقتبسًا من نهايتك. لا معنى أن تمتلك الدنيا وما فيها وأنت منتحر للتو!».
يقول علِى عبد الستار بشىء من العصبية:
«وهل يفرق الموت شيئًا عما نعيشه؟» منذ عام 1979 -وقت أن كتبت أنت روايتنا- وربما من قبلها بكثير وحتى الآن «أتت هضبة الهرم وغيرها من الهضاب المستحدثة بالحب الذى يمارس فوقها. حب موصول بإحساس قاتم بأننا جميعًا كائنات دنيا.. أتدرك أنه إلى وقتنا هذا ما زلت أنا ورجاء نبحث عن السكن أو الهجرة ولا حل. لم أرَ وطنًا مثل هذا يعذب قاطنيه ولا يترك لهم حتى بابًا مواربًا ليفروا منه».
بصوت رخيم دافئ يهمس الشيخ عبد ربه التائه:
«سيجىء الطوفان غدًا أو بعد غدٍ، سيكتسح النساء والفاسدين العاجزين، ولن تبقى إلا قلة من الأطفال، وتنشأ مدينة جديدة تنبعث من أحضانها حياة جديدة».
يومئ نجيب محفوظ رأسه إيجابًا، وهو يستكمل:
«ليت العمر يمتد بك يا عبد ربه لتعيش ولو يومًا واحدًا فى المدينة الآتية».
يتنحنح عم عبده قائلًا بصوت راسخ كالطمى:
«لعل الطوفان الذى سيأتى سيزيح معه تلك العوامة اللعينة التى عشت أخدمها طوال عمرى الذى لا أعرف له عددًا من السنين».
يبتسم نجيب محفوظ بهدوء:
«لكنك أنت العوامة، أنت الحبال والغطاس، وإن غرقت غقرت أنت، وضاعت معك يدك التى تصنع الحشيش وحنجرتك التى تشدو بالأذان».
تميل حميدة بجذعها، وهى تقول:
«وهل يمكن الإنسان أن يغير مصيره؟ هل كان باستطاعتى ألا أقع فى شرك فرج أم هى نقاط متتابعة إن تخطيت واحدة صار لزامًا علىّ أن أتبع التالية؟».
ينقر الصحفى القديم المتحول «عاطف هلال» بقلمه على الطاولة وهو يقول بثقة العارف ببواطن الأمور:
«قد يتغير الحظ بإرادة الإنسان».
ينفعل «علِى عبد الستار» فى مكانه، قائلًا:
«كذابون كذابون ويعلمون أنهم كاذبون ويعلمون أننا نعلم أنهم كاذبون. ومع ذلك فهم يذكبون بأعلى صوت ويتصدرون الثقافة».
يقول نجيب محفوظ وهو يحتسى رشفة من كوب الشاى:
«كان السؤال دومًا الذى يشغل البال هو لِمَ لا يبقى على المداود إلا شر البقر».
ثم ملتفتًا إلى الشيخ «عبد الله البلخى»: لك فى هذا إجابة باترة يا شيخنا.
يبتسم الشيخ «البلخى»، قائلًا: «ما أكثر عشاق الأشياء الخسيسة!».
يضحك عم نجيب ومعه معظم الحضور الكثيف قبل أن ينتفض من مكانه العفريت «قمقمام» القادم من «ليالى ألف ليلة» وهو يزيح عن جسده بعض التراب الممزوج بالآثام:
أكبر دليل على هذا هو الحاكم «علِى السلولى» «الذى سخرنى بسحر أسود للقيام بأعمال تخجل منها الشياطين بذاتها».
يبتسم نجيب محفوظ، قائلًا فى حماس:
«إن الحياة تتسع للتكفير والتوبة»، هذا ما قُلته أنت بنفسك لـ«صنعان الجمالى» الذى صنعت منه بطلًا بعد أن قتل الحاكم. «مهما بلغت درجة الشر بداخلك، حتمًا هناك طاقة خير مضيئة».
يتدخل كبير شرطة شهريار «جمصة البلطى»، قائلًا:
«عجيبة هذه السلطنة بناسها وعفاريتها. ترفع شعار الله وتغوص فى الدنس».
تسمع أصوات همهمة قادمة من صفوف الأبطال المحتشدين قبل أن يقول سعيد مهران فى انفعال:
«مَن يسمع هذا منك يخيل إليه أن مَن يتحدث هو قطعة خاصة من البراءة والنقاء.. دومًا كنت بوظيفتك هذه سيفًا مسلطًا على رقاب الناس الغلابة الذين لا ظهر لهم ولا سند لهم.. تسجن وتعذب وتهين وتسوى بكرامتهم الأرض».
يطأطئ «جمصة البلطى» رأسه وهو يقول فى أسف يصعب على أحد أن يعرف ما إذا كان حقيقيًّا أم مزيفًا:
«واجبى أن أنفذ الأوامر».
يقول عم نجيب وهو يتأمل الرائحين والغادين الذين يسيرون فى الشارع الضيق:
«واجبك أن تبحث عن الحق والخير والكرامة والعدل والجمال».
يتساءل صابر الرحيمى بطل الطريق، قائلًا:
«وهل نضيع العمر فى البحث عن أشياء نحن غير متأكدين من وجودها؟!».
يبتسم نجيب محفوظ، قائلًا:
«لن تتأكد من وجود الأشياء إلا بالبحث. هو خير لك على كل حال من بقائك بلا أمل».
يتدخل «عبد القادر المهينى» الطبيب القادم من «ليالى ألف ليلة»:
«الناس مساكين. هم فى حاجة إلى مَن يتعامل معهم ويبصرهم بحياتهم».
يبدأ نجيب محفوظ فى لمّ حاجياته وهو ينظر إلى ساعته، وكأن لقاء مهم قد حان موعده. وفى الخلفية يومئ الشيخ عبد ربه التائه برأسه، وهو يقول:
«إذا أحببت الدنيا بصدق. أحبتك الآخرة بجدارة».
يلتفت إليه نجيب محفوظ مبتسمًا:
«أترانى فعلت الأولى حتى أنال الثانية؟».
يبتسم الشيخ عبد ربه بدوره وهو يشير إلى الجمع الذى يحيط بنجيب محفوظ:
«هذا صنعك. وكما تحب تكون».
يلتفت نجيب محفوظ ليتأمل أبطاله وتمتد ناظريه لتلم بما بعدهم من جغرافيا وتاريخ مصر بناسها وترابها وزعفرانها ونارها وجنتها وفتواتها وحرافيشها، قبل أن يلحق بآخر ضوء للشمس، ناظرًا إلى الجميع بحب، قائلًا:
«رب روح طاهرة تنقذ أمة كاملة، فلتبحثوا عن هذه الروح ولتبلوغها -إذا عثرتم عليها- سلامى».
ملحوظة: جميع الحوارات بين مزدوجين مقتبسة نصًّا من أعمال نجيب محفوظ الخالدة.



أقرأ أيضا

دماغ

رسالة إلى سعيد مهران: العالم الآن.. للأشرار الكبار فقط

الله يرحمك يا سعيد، فأنت غلبان وضحية ومجنى عليه، لهذا كان لابد أن تموت. ودعنى أختم رسالتى لك بكلماتك التى قُلتها للقاضى فى أثناء حلمك بمشهد محاكمتك: «لو دورتوا.. حتلاقوا كل اللى عندهم قلب مجانين».
يرحمكم الله

كلب الخليفة المقتول

فى أواخر شهر أكتوبر 2019، أُزيح الستار عن أحد أبرز المشاهد دلالةً فى تاريخ الإسلام السياسى، فقد استقبل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى البيت الأبيض، الكلب الذى شارك فى عملية قتل الخليفة الداعشى أبى بكر البغدادى...
البلد

الأكثر تأثيرًا عام 2019.. اخترنا لكم من قائمة «تايم 100»

فى عام 2016، كان الوضع فى إثيوبيا غايةً فى السوء، كانت الناس تُقتل وكان كثيرون فى السجن، وأردت أن يعرف العالم ما تقوم به الحكومة. لذلك، رفعت يدَىّ أعلى رأسى فى علامة «X» فى أثناء عبورى خط نهاية ماراثون 2016 فى أوليمبياد ريو، وهذا للتدليل على أن الشعب الإثيوبى يريد أن يوقف القتل والسجن، فنحن لا نريد ديكتاتورية.
البلد

عرب 2019.. ما الذي يجمع هذه الشخصيات الـ12؟

وجوه جديدة فى السلطة بتونس والسودان، ووجوه أخرى تغادر المسرح فى لبنان والعراق، فى حين ينتظر الجزائريون حسم السباق الرئاسى لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وجوه ثالثة تترك المشهد بالقوة، تمامًا كما دخلته بالقوة، مثل أبى بكر البغدادى.
البلد

عرب 2019.. بين النفوذ الإيرانى والأطماع التركية.. حراك شعبى يفاجئ الجميع

بين سندان النفوذ الإيرانى ومطرقة الأطماع التركية، شهدت شوارع عواصم عربية حراكـًا شعبيًّا فرض كلمته فى نهاية المطاف، وانتخابات رئاسية أفرزت وجوهـًا جديدة، وصراعات سياسية ثقيلة مرشحة لأن تطل برأسها فى عام 2020. كانت رياح التغيير قوية، فى حين وجدت الاضطرابات طريقها إلى مدن وعواصم عربية مختلفة. فى المقابل، أثبتت الاحتجاجات القوية فى العراق ولبنان أن النفوذ الإيرانى فى العواصم التى كان يتباهى بالسيطرة على مفاصل القرار فيها، صار مهددًا إلى حد كبير.  
فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
فن

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.