قتلوا الأنبا إبيفانيوس فاشتعل الصراع.. المتشددون والمجددون.. مَن ينتصر؟

حنان فكرى



قتلوا الأنبا إبيفانيوس فاشتعل الصراع.. المتشددون والمجددون.. مَن ينتصر؟



للمعرفة بريقها، إذ تؤثر وتحفر فى وجدان الناس ما خفى عنهم، لكن يبدو أن للدماء بريقًا أقوى وأشد تأثيرًا، فلو كتب الأنبا إبيفانيوس رئيس دير «أبو مقار» -الذى اغتاله أحد رهبان الدير منذ أسبوعين- آلاف المقالات وطبع آلاف الكتب لما أثَّرت فى المجتمع القبطى ولا حرَّكت المياه الراكدة فى عمق الميراث العتيق من التشدد داخل الكنيسة مثلما أثَّرت دماؤه، تلك الدماء التى كشفت عن أن تيار الإصلاح فى الكنيسة قوى، ودفعت المجددين للكشف عن ذواتهم والمجاهرة بما يعتقدون من آراء، واغتنام الفرصة للدفع فى اتجاه انتفاضة ضد مراكز القوى بالكنيسة، وتيار التشدد الذى يتمثل فى تعاليم تتمسَّك بالحرف وتتخلَّى عن روح الإيمان المسيحى، بل وأزاحت الستار عن صراع يدور على استحياء بين المتشددين والمجددين، صراع ظاهره فكرى وباطنه ذاتى متعصب، أو مصلحجى مهذب، أو نفوذى متحكم خاضع لمراكز القوى التى تجلس على كراسيها منذ عقود ولا تدوير لها، فجاء البابا تواضروس ليعيد تدويرها، لتنقلب عليه كممثل للكنيسة القبطى.

 

الاتهامات تتطاير هنا وهناك، تلميحات وتصريحات وبلاغات فى كل مَن يضع يده على حقيقة أسباب الصراع الدائر بين صقور الكنيسة، التيار المتشدد، وبين حمائمها من تيار الإصلاح والتجديد -كما أشرنا فى مقالات سابقة- والأنبا أغاثون، أسقف مغاغة والعدوة بالمنيا، ليس بعيدًا عن ذلك الصراع، بل إنه داخل بؤرته، ربما لأنه يتحلَّى بشجاعة لم يتحلَّ سواه بها من الجناح التقليدى فى الكنيسة، إنها شجاعة الإفصاح، الرجل واضح وصريح يفصح عن نقاط خلافه ويعتبرها دفاعًا عن صحيح الإيمان، ويتمسك بحقه فى الإعلان عن أنه وكيل الله لحماية الإيمان.
 

وحتى لا يتسرع أحد فى الحكم على الأمور، إن كلمة وكيل الله لم نأتِ بها من عندياتنا، وإنما ذكر الأنبا أغاثون أن الكهنة وكلاء الله لحماية الإيمان، وليس الكهنة فقط، إذ قال: «صحيح حامى الإيمان هو الرب، ولكن من ائتمنه الله على الإيمان لابد أن يحميه ويحرسه، الحارس هو الرب، لكن من خلال الوكلاء، هم الرسل والكهنوت»، وكأن رجال الدين معصومون، ورغم أن الرد بسيط جدًّا على الأنبا أغاثون، وهو أن كل مَن وقعوا فى الهرطقات المتعلقة بطبيعة المسيح وبطبيعة الإيمان المسيحى لم يكونوا من الشعب العادى وإنما كانوا أساقفة وبطاركة وحماة دين، حسب تعبيره، فأيهم نصدق يا نيافة الأسقف؟

 

رسالة غير موفقة
وعلى الرغم أن البابا تواضروس قال، فى عظته بعد مقتل الأنبا إبيفانيوس، إنه لا وكلاء لحماية الإيمان والإيمان لا يحميه سوى صاحبه، أى الله، وهو ما يعنى أن الأنبا أغاثون يرد على عظة البابا بعظة مضادة فى التعليم، حتى إنه هاجمه نصًّا موجهًا نداءً إلى الشعب القبطى، قائلًا: «لا تفرط فى إيمانك أبدًا ولا تسمع لمَن يُعَلِّم خطأ، نحن مطالبون بالدفاع عن إيماننا فى أوقات الهجوم عليه والتشكيك فيه، وذلك بتقديم التعليم الصحيح وبالطرق المشروعة». ولا أعلم مَن يقصد بالتعليم الخاطئ! لكن يبدو أنه يقصد مدرسة البابا تواضروس، وماذا أراد بكلمة الطرق المشروعة؟ هل هناك سُبل غير مشروعة فى المؤسسة الدينية تتبعها لإرساء التعليم الذى يختلف عليه الفرقاء من أساقفة المجمع المقدس؟ أم أنه يريد توصيل رسالة مفادها أنه سوف يستمر فى الهجوم على البابا تواضروس باعتبار أن الفكر بالفكر يُقاوم.. حقًّا الرسالة غير موفقة وغير واضحة.

 

لجان إلكترونية دينية
وهكذا كانت عظته مملوءة بالرسائل التى تمثل هجومًا على رسائل البابا، لا تتسع السطور لنشرها، كانت نتيجتها تجرؤ بعض الموتورين على صفحات التواصل الاجتماعى على ممثل الكنيسة، فوصفوا البابا بأنه مهرطق ومنحرف عن التعاليم الصحيحة، ولا أستبعد أن يكونوا موتورين ومدفوعين من أصحاب المصلحة للعب هذا الدور، فاللجان الإلكترونية صارت ظاهرة وسلاحًا يستخدمه مَن يقبعون فى الظل، لتكوين رأى عام مضاد للمختلفين معهم، وهكذا تسوء الصورة يومًا بعد يوم، وتقفز إلى الذاكرة ظلال تاريخ بعيد من الأساقفة الذين لم يرضَ عنهم الجناح المتشدد فى الكنيسة عبر قرون، وكيف كانت خاتمة عهودهم. ما أبرعها دماء إبيفانيوس الطاهرة فى بلورة المشهد التاريخى للكنيسة بما يحمله منذ قرون من مقاومة للإصلاح، يشعر معه المتأمل أن هناك إرادة إلهية تستخدم التوقيت لخدمة المخاض الجديد، فلو وقع الحادث منذ عشر سنوات ربما ما علمنا عنه شيئًا، لكن براعة الخالق فى توقيت استرداد وديعته -موت الأنبا إبيفانيوس- يجب أن يدرك معها المتابعون أنها الإشارة الملكية إلى الميلاد الجديد فى الكنيسة من تعليم وضبط ورهبنة وفض الاشتباك بين ما هو وطنى وسياسى.

 

الهرطقة والرأى والعقيدة
بعيدًا عن جدل الرسائل التى ظاهرها الحفاظ على الإيمان بينما تنطوى على عناد فكرى ذاتى ومقاومة للإصلاح وولاء للماضى على حساب الحاضر والمستقبل، يجب أن يتم طرح الأمور بشكل مختلف بدلًا من استنزاف الوقت والجهد فى تفسيرات لا تهتم بها العامة من الشعب القبطى، وربما لا تعرف تفاصيلها، لأن الناس تتبع وجدانها ورؤساءها الروحيين بصلوات قلبية بعيدة عن البحث والتعليم اللذين يحتاجان إلى باحثين واعين لا إلى عظة يلقيها أسقف على شعب الصعيد البسيط.

 

بعيدًا عن كل ذلك، فإن الأمر يحتاج إلى وقفة مع النفس وسؤال صريح: هل يمكن أن تتكرر فرصة الإصلاح مرة أخرى؟ ماذا سيحدث إذا فرط الأقباط فى هذه الفرصة؟ خصوصًا أن مَن يقود الإصلاح هو ممثل الكنيسة البابا تواضروس الثانى بذاته، والذى لم يوكل نفسه عن الإيمان حاميًا وإنما سلَّم ضميره للإيمان، فماذا سيفعل الآباء فى المجمع المقدس؟ ماذا سيحدث إذا لم يلتف المجمع المقدس حول ممثل الكنيسة البطريرك المختار من الله؟ ماذا سيصدره الصراع للأجيال القادمة، خصوصًا أنه ليس جدالًا فكريًّا وإنما خلاف يصل إلى الاتهام بالتكفير والهرطقة؟ ماذا ستكون النتائج على الصغار والبسطاء ومؤسسة الكنيسة ومنظومة الرهبنة والحياة الديرية التى كان ضعفها وتسيبها سبب صعود ما جرى إلى السطح؟
 

تساؤلات يجب أن يرد عليها كل أسقف يغرد بعيدًا عن السرب، وينسب إلى نفسه روح الباحث والعلامة، تساؤلات لا يجيب عنها سوى البحث فى مكتبة دير «أبو مقار»، أحد المعاقل العلمية اللاهوتية المهمة فى مصر والذى يعج بالأبحاث والتراجم التى تعود إلى أصولها باللغة الوسيطة «الإنجليزية» لا إلى اجتهادات روحية وحسب، باب الاجتهاد الفكرى لا يملك أحد إغلاقه، لا بقرار كنسى ولا سلطة كهنوتية، لكن يبقى أن يعلم الناس الفرق بين الاجتهاد الفكرى والعقيدة والرأى والهرطقة، حتى يعلموا ما يتلقونه على أيادى أصحاب الكهنوت.

 

أين ذهبت حركة محبى تراث الآباء؟
فى هذا الصدد أتذكر كلمات المفكر القبطى كمال زاخر، فى كتابه تحت الطباعة «الكنيسة صراع أم مخاض الميلاد» حينما قال عن ضرورة وقف الصراع: «فى عام 2013 ظهرت جماعة سمَّت نفسها جماعة (محبى تراث الآباء)، كانوا خمسة شبان وفتاتَين، رأوا أن ما تجمع لديهم من تراث صحيح، يحتاجه كثيرون من أقرانهم وأبناء جيلهم، فقرروا، 2012، أن يضعوه على (شبكة النت)»، اجتذب مئات من الشباب فى فترة وجيزة، وفجَّر طوفانًا من الأسئلة، وطلب المزيد من المعلومات، فكان قرارهم تأسيس الحركة التعليمية بشكل مؤسسى لتولد «حركة محبى التراث الآبائى»، ثم شهد عام 2013 نقلة نوعية فى نشاطها، إذ تتواصل مع اجتماعات الشباب بالكنائس وترتب لمحاضرات متخصصة فيها، تشهد إقبالًا وتفاعلًا إيجابيًّا، وكان اتفاقهم أن لا يكونوا طرفًا فى الصراعات الضيقة التى تشتت أصحابها عن دورهم البنائى، كان اعتمادهم الأساسى على ما يصدره مركز الآباء من كتب ودوريات، وما يعقده من ندوات ومؤتمرات، ليتطور عملهم إلى توزيع بعض هذه الكتب على شباب الخدام مجانًا، وكان أبرزها كتاب «هكذا أحب الله العالم» للقس موسى فايق غبريال، كاهن كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس، سيدى بشر الإسكندرية.

 

بفنوتيوس الأسقف المتنور
قاموا بتوزيع نحو ثلاثة آلاف نسخة منه على الشباب، ثم اقتحموا دائرة القضايا الشائكة، فأصدروا كتابًا بعنوان «المرأة فى المسيحية.. قضايا مثيرة للجدل»، يناقش بموضوعية: تناول المرأة بعد الولادة، ختان الذكور، ختان الإناث، وسائل تنظيم الأسرة والإجهاض، هل ورثنا خطية آدم أم ورثنا الموت، هل توجد الروح مع اتحاد الخليتَين أم مع الزيجوت ببطانة الرحم. وعقدوا كورسات لاهوتية متعمقة ومنضبطة تتناول قضايا خلق الإنسان وطبيعة المسيح والمجامع، وغيرها من المحاور الأساسية فى الإيمان المسيحى، فى ضوء خبرات الكنيسة، ثم أصدرت الحركة سلسلة من الكتب لمجموعة من الباحثين بها، كان أبرزها: «سر الثالوث القدوس استعلان حياة وخلاص»، «سر تدبير الفداء من السقوط إلى المصالحة»، «رحلة الله والإنسان نحو الخلاص»، فضلًا عن العديد من الإصدارات الخاصة بالأطفال. ويعقدون مؤتمرًا عن «الآباء الأوائل» لأطفال «ابتدائى» فى كنيسة مارمرقس بشبرا، حضره 300 فى سن الشباب. يلتفت مطران سمالوط التنويرى الأنبا بفنوتيوس، إلى هؤلاء الشباب ويتابع عن كثب جهدهم وعملهم، فيدعوهم إلى إقامة مؤتمرهم التعليمى الأول فى إبراشيته.

 

ألا يُعد ذلك إصلاحًا فى أبهى وأزهى صوره؟ ألا يعتبر ذلك تنويرًا مدعومًا باحتواء أسقفى؟ ألا تعد تلك تجربة فريدة نحتاج إليها؟ كم من المسيحيين سمع عن هذه الجماعة؟ ولماذا لم يسمع معظمهم؟ وللعلم الحركة تعمل بشعار الحركة: «أنا مسؤول عن إظهار النور الذى عندى، وليس إظهار الظلام الذى عند غيرى».
أضم صوتى إلى صوت زاخر فى رأيه تجاه هذه الجماعة، بأن وجودها يؤكد صحة انحيازنا للتفاؤل رغم موجات التشاؤم المتتالية، والمقاومة لانتفاضة الإصلاح الكنسى.

 

تجديد الدماء
يستطرد كمال عن رؤيته تجاه الإصلاح كمنظومة كاملة يجب أن تطول الإكليروس قبل غيرهم، فيقول: «إن الأمر يتطلب الآن أن يبادر مجمع الأساقفة باعتباره المسؤول عن إدارة الكنيسة وحماية معتقداتها بحسم الخلاف المثار بين الفرقاء، ووضع القواعد المنظمة للحوار وضوابطه، بغير أن تتطاير بينهم اتهامات الهرطقة، وبيان التفريق بين المعتقد والرأى والتفسير، ووقف حملات (التلاسن) سواء بينهم بشكل مباشر أو من خلال (وكلاء) يطلقونهم عبر وسائط التواصل على الشبكة العنكبوتية فى الفضاء الإلكترونى. وكثيرهم لا يدركون أن التعاليم الآبائية الكتابية لا يمكن أن نفصلها عن السلوكيات المسيحية، التى تدوسها أطروحاتهم التى تحمل فى عناوينها (صورة التقوى) بينما مضمونها يحمل (معاول تهدم الجسد الواحد)، برعونة وادعاء».

 

وأخيرًا.. ولأن الكنيسة فى لحظة المخاض التى ربما لن تأتى مرة أخرى إلا بعد قرون، ولو أفلتها الأقباط سوف تكون خسارة فادحة، لذلك يجب أن يتم طرح كل ما يؤسس لانتفاضة الإصلاح، ذلك الإصلاح يحتاج إلى تجديد الدماء، وأهم بند هو تغيير القائمين بالأدوار، بناء على الاستنارة لا الولاء، ففى عالم السياسة يعمل الساسة على كسب عقول الناس وقلوبهم كل أربع سنوات لينتخبوهم، لأنهم يدركون أنهم راحلون فى لحظة التقييم، أما فى عالم الأساقفة فإنهم يجلسون للأبد، والتقييم غير ذى جدوى، إذ لا تهز عروشهم أخطاء ولا قوة، سوى قوة الموت، تنزع مناصبهم عنهم، فيؤسسون مراكز قواهم فى أدمغة البسطاء، قبل الأماكن، ولا أعلم كيف ومتى يمارسون حياتهم الرهبانية، وهم فى الأصل رهبان؟ فهل من المنطق أن يظل الأسقف طوال حياته يخدم فى العالم؟ حسب ظنى المتواضع، لو أعيد البعض إلى الأديرة كل عشر سنوات ربما يكون ذلك أكثر فائدة للرعاة والرعية وسلام الكنيسة.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...