«الأفق» قصة الخوف الباريسى

أماني خليل



«الأفق» قصة الخوف الباريسى



فى رواية «الأفق» لباترك موديانو الصادرة عن دارى «ضفاف» و«الاختلاف» -بترجمة المغربى توفيق سخان- يدور القارئ فى شوارع باريس وحوانيتها ومقاهيها وفنادقها، يشعر بالنكهة الباريسية، وبزحامها، وبالجماهير المندفعة خارج محطة المترو، تضيّعه وتبلعه، موديانو يقول إن باريس التى يعرفها اختلفت تمامًا. فباريس الحرب العالمية ليست هى باريس الآن.


رواية الأفق سرد قاتم مضطرب عن الحنين للمكان والضياع الإنسانى الذى يبتلع البشر وقصص الحب والآمال والأحلام الكبرى، عبر بطليه الشابين «بوسمان» و«مارجريت»، وهما فى العشرينيات من عمريهما، أما الزمان فهو ممتد من الحرب العالمية الثانية عبر أربعين عامًا لاحقة.


يلهث «بوسمان» فى شوارع باريس هربًا من مطاردة امرأة ذات شعر أحمر ورجل دين يطلبان منه المال، ومعه مارجريت لوكلوز المولودة فى برلين -عاصمة الموت والدمار فى الحرب العالمية الثانية- والمُطاَردة من شخص مخيف يُدعى «بويافال» كان لاعبًا سابقًا فى فريق التزحلق الفرنسى، لكنه تعرض لحادث، هؤلاء الأشخاص المخيفون يمثلون القسوة والحرب والألم، تنشأ بين الشابين قصة حب يكتنفها الخوف والتوتر، ويحكم عليها القدر بالاستحالة، ويدور الشابان فى دوائر من القلق والفزع.


 هذا الخوف يغلف أيضًا علاقتهما، فحتى حين تشكو «مارجريت» لـ«جوبوسمان» من مطاردات «بويافال» لا تعطه إجابات قاطعة عن علاقتها به، فخمن أنها حجبت هذا الشخص فى ضباب، وأقامت بينها وبينه نوعًا من الزجاج الخشن حتى تستطيع التخلص من مخاوفها.


 تنتقل مارجريت للعمل فى عدة مهن، وتسكن شققًا وفنادق مختلفة، من مربية أطفال إلى سكرتيرة وموظفة فى مكتبة، ثم تترك فرنسا إلى سويسرا، لتعمل مربية لأطفال السيد باغريان، وتخشى من توقيفها على الحدود لانتهاء صلاحية باسبورها، وتنقلت بين عدة مخدومين: السيد فيرن من أوتوى ثم السيد بوتريل، بالتوازى يتعرف بوسمان على السيد بوتريل الذى ألف كتابًا بعنوان «نادى استارتى» عن إحدى الظواهر الباريسية فى العشرينيات جماعة تُدعى «مريدى المرأة المقدسة»، وهى جماعة مهتمة بالسحر الأسود والتنجيم والممارسات الجنسية، تهرب مارجريت إلى برلين مرة أخرى، وتقول لبوسمان: «إنهم يعلمون أشياء عنى لم أخبرك بها»، «إنهم حين يعتقلون أناسًا مثلنا، فإنهم لا يطلقون سراحهم أبدًا».


 يمر أربعون عامًا ويتفرق «بوسمان» و«مارجريت»، ويجمع «بوسمان» بعد هذه السنوات مزق الذاكرة ليصل إلى حبيبته السابقة من خلال الإنترنت، حتى يعثر على عنوانها لا يتصل بل ينطلق إلى هناك، هل يجدها هى نفسها.. هكذا تنتهى الرواية، يكتب «موديانو» يحمله الحنين والبحث عن الماضى الذى يطارد الحاضر فى كل لحظة، الحاضر الذى يظل رهينًا للماضى وأحلامه وانكساراته..


 يتميز أسلوب «باتريك موديانو» الحائز على جائزة نوبل بروح قاتمة سوداوية، وسرد محكم ينتقل فيه بين الأزمنة بسهولة تظهر شخصياته فى توقيت محدد، لنعرف دورها فى مسرح الأحداث لاحقًا، ووصفت كتابته بأنها كافكاوية الطابع..



أقرأ أيضا