الخلفاء العباسيون «2»

حور سامح



 الخلفاء العباسيون «2»



ولما ركن الخلفاء العباسيون إلى فكرة خلافة الله ووراثة النبى واستطابوا ألفاظ الجلالة واسترخوا فى معانى العصمة، ففسدوا وأفسدوا، فلم يقيموا عدلاً بل كانت العدالة هى مصلحتهم هم لا عدل الله، ولم يتبعوا استقامة بل كانت الاستقامة هى مشيئتهم هم لا استقامة الشريعة، ولا رعوا الله حقًّا، بل كان الحق كل الحق ما يريدون هم لا ما أمر به الله.


وفى عهد هارون الرشيد، كانت أسرة البرامكة الفارسية هى التى تتحكَّم فى كل أجهزة الدولة. وفى عهد المعتصم مال إلى استعمال الترك حتى صارت لهم الغلبة فى عهد المتوكل، ثم قتلوه وعيَّنوا ابنه المنتصر خليفة بدلاً منه. ومنذ ذلك الوقت صار الأمر فى أيدى الموالى، يعيّنون الخلفاء ويخلعون الخلفاء الذين لحقت بهم مهانة بالغة.


ومن ذلك أن الموالى هم الذين عيّنوا المستعين بالله ابن المنتصر ثم أمروه بعد ذلك أن يخلع نفسه من الخلافة، ورشحت جارية اسمها «علم» المستكفى بالله بدلاً من المتقى، وأصبحت قهرمانة له، فلما عزل قتلت.


كما صار دسّ السم للخلفاء قاعدة شبه مطردة، فكثير منهم عرف أنه مات مسمومًا مثل المتوكل، وكثير منهم شكا أعراض التسمم قبل وفاته، وسملت أعين الخليفة القاهر ثم الخليفة المتقى ثم الخليفة المستكفى، وأصبحت عادة سمل الأعين المأخوذة عن البيزنطيين ضمن تقاليد العصر العباسى، وظهر الخليفة القاهر للناس وقد كف بصره وهو يرتدى «قبقابًا» خشبيًّا ويتسوَّل الناس، إذ يقول لهم «يا أيها الناس تصدَّقوا علىّ، بالأمس كنت أمير المؤمنين وأنا اليوم من فقراء المسلمين».


لم يقتصر العذاب على الخلفاء فقط بل شمل الرعية، حيث كان الخلفاء ينكلون أشد تنكيل بمَن يخالفهم أو يعصى لهم أمرًا، غضب المأمون يومًا على شاعر فأمر به فأخرجوا لسانه من قذاله «قفاه».


وأمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علِى، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يبذر ويسقى موضع القبر، وأن يمنع الناس من إتيانه، ولم يبقَ للقبر أثر.


وكان المعتضد إذا غضب على القائد النبيل الذى يخصّه من رجاله أمر أن تحفر حفرة ثم يدلى على رأسه ويطرح التراب عليه ونصفه الأسفل ظاهر على التراب ويُداس حتى تخرج روحه.


وعندما تولَّى القاهر الخلافة قبضوا على والدة الخليفة السابق المقتدر وطالبوها بما عندها من المصوغ والثياب ولم تعترف بشىء من المال والجواهر، فضربوها أشد ما يكون الضرب وعلقوها من قدميها، فحلفت أنها لم تمتلك إلا ما قدمته، واشتدت بها العلة من إيذائها فماتت. وعندما دفنها ثلاثة من خدمها قتلوا ووضعت رؤوسهم فى خزانة.


وكان للمأمون قائد يُدعى علِى بن هشام، له جارية اسمها «متيم»، اشتد عشقه لها، ولحسنها وجودة غنائها، فسأل ابن هشام أن يهبها له، فتجاهل ابن هشام هذا الطلب، واستشار فى الأمر مَن أشار عليه بأن تحمل منه «متيم»، لأن المأمون لا يحب الجوارى ذوات الأولاد، ففعل ابن هشام، وطغت الدموية على المأمون، فأمر بقتل علِى بن هشام، متذرّعًا بأمور لفّقها له تلفيقًا، ثم أمر بمصادرة أملاكه وأمواله، كما أمر بتخريب وإحراق القصر الذى عاش فيه مع «متيم».


وتبيّن الخلافة العباسية مدى الهاوية التى انحدرت إليها الأخلاق من ترف وأحلوا شرب الخمر، حتى وصل بهم الأمر إلى الغزل بالمذكر، أرى أن الأخلاق انحدرت بسبب الاستبداد والظلم الذى يقع على الخلفاء أو على الرعية، هذا إلى جانب أن بعض الفقهاء كانوا يحلون ما حرم الله، ليرضى عنهم الخليفة أو خوفًا من بطشه.


تلك نماذج من الاستبداد والمظالم تتضمن كل أنواع التعذيب والقتل والاعتداء على الحرمات، مما لا يمكن أن يتصوّر عاقل أن يصدر عن منصب إسلامى «كما يدعوا» كالخلافة، لذلك لا يمكن بأى حال من الأحوال أن نجعل الخلافة دينًا، إذا جعلنا الخلافة دينًا فعلينا أن نعترف بكل ألوان التعذيب التى حصلت أيام الخلافة ولا نلقى اللوم على الدواعش، بل هم أشد رحمة مما كان يفعله الخلفاء، الخلافة ليست دينًا ولا علاقة للخلافة بالدين، الخلافة كانت سياسة تقتل وتعذّب وتستبد باسم الدين، ومن يقول إن الخلافة كانت دينًا فهو يسىء إلى الإسلام وليس «داعش» فقط مَن يسىء إلى الإسلام.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..