الفكر الطبقى جعل حديث الإفك يخص عائشة «القرشية» ولا يخص مارية «المصرية»

على أبو الخير



الفكر الطبقى جعل حديث الإفك يخص عائشة «القرشية» ولا يخص مارية «المصرية»



حادثتان للإفك تخصان حياة النبى الشخصية الشريفة، حادثتان لا حادثة واحدة، أو حادثة واحدة أثرت على العقل المسلم حتى اليوم، الأولى ما قالوا إنها تخص أم المؤمنين السيدة القرشية عائشة رضى الله عنها، والثانية تخص سيدة أخرى، أكرمها الرسول عليه السلام وظلمها المؤرخون كما كتبنا من قبل فى هذه الصفحة «يرحمكم الله» ونقصد بها مارية القبطية، أكرمها النبى وظلمها المؤرخون واعتبروها: جارية - أمة - سرية النبى - أم ولد، لم يعتبروها زوجة للنبى، لأنها ليست قرشية ولا عربية، باعتبارها الفرز الثانى أو الثالث لأزواج النبى.

أم المؤمنين عائشة تعرضت كما قيل لحادثة الإفك، ونزلت فيها آيات من سورة النور 11: «إن الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚلِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ»، والآيات نزلت بصورة عامة ضد الذين يروجون الشائعات بقذف المسلمات فى شرفهن، وقضية اللعان بين الرجل وزوجه، صحيح أن هناك سببا للنزول، ولكن ليس بالضرورة أن يكون المقصود السيدة عائشة، ثم الأهم هو أن القرآن يصدّق على حادثة النزول، ثم يجعلها قضية عامة لا تتعلق بخصوصية السبب، والإفك لا يقتصر على تلك القضية، لأن الإفك فى معاجم اللغة هو الكذب والافتراء على خلق الله، سواء فى علاقة غير شرعية، أو فى التجارة والعلاقات الشخصية بين البشر، قال تعالى فى سورة الأحقاف 22: «قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا»، أى جئت لتقول كلاما مكذوبا لنكفر بآلهتنا، وقال تعالى عن عصا موسى مع السحرة فى سورة الأعراف 117 «فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ»، يعنى الكذب والتلفيق والتزوير، وقوله تعالى فى سورة الصافات 151 «وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ»، فالإفك هو الكذب والبهتان.
أغلب المفسرين والرواة رأوا أن آيات سورة النور تخص السيدة عائشة، البخارى روى عن أم المؤمنين عائشة وحدها حديثا واشتهر، وأن البراءة نزلت لها بالوحى، وقال إن النبى كان يقرع بين نسائه فى السفر، ولكن الإمام أبا حنيفة النعمان نفى أن يكون النبى كان يقرع بين نسائه أو بين غيرهن، وقال «القرعة قمار»، والنبى بالطبع لا يقامر، ثم زعموا أن كرهها لعلى بسبب قوله للنبى إن النساء كثيرات، بما فهمت منه رغبته فى طلاقها، وأنها لم تنس له الموقف وحاربته فى معركة الجمل، وهى رواية مشهورة، فلا نعيد تفاصيلها، وفى المقابل نجد مؤرخين ورواة رأوا أن حادثة الإفك فى سورة النور لا تخص أم المؤمنين عائشة من قريب أو بعيد، وأنها بريئة ومطهرة، لأن الواقعة لم تحدث لها من الأصل، وأنها نزلت فى مارية، من هؤلاء مسلم فى صحيحه، والبزّار فى «البحر الزَّخَّار»، وابن أبى عاصم فى «الآحاد والمثانى»، وأبو نعيم فى «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء»، والطبرانى فى «المعجم الأوسط»، والهيثمى فى «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد»، أى أن حادثة الإفك فى العصر النبوى واحدة فقط، تخص مارية، وأن الرواة قالوا بأنها تخص عائشة، فى أثناء صراعها مع على، ومحاولة وضع مناقب لعائشة وغيرها ممن حاربوا ضد على، ثم تركوا مارية تتصدى لمن روّج ضدها حادثة الإفك، خصوصا أن الشائعة ظلت تتردد طوال فترة حملها لإبراهيم ابن النبى، أى أن المؤرخين وقفوا مع الأميرة القرشية ضد الجارية المصرية، وقالوا إن النبى لم يتزوج عذراء غير أم المؤمنين عائشة، رغم أن مارية أيضا كانت عذراء، ولكن هذا لا يهم، فهو وضع طبقى فكرى معروف فى تاريخ المسلمين، الأمير ضد الأجير، والمدير ضد الغفير، والغنى ضد الفقير.
نرى أن حادثة الإفك فى سورتى النور والتحريم حادثة واحدة، فسورة النور نزلت وبعدها 4 سور هى: الحج - المنافقون - المجادلة - الحجرات، ثم سورة التحريم، التى تفصّل حادث الإفك المجمل فى سورة النور، وكلها سور مدنية، تتعامل مع حادثة واحدة، المتعلقة بمارية وهى أعظم وأخطر، وأول سورة التحريم تتعلق بها، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. وَإِذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ»، نلاحظ أن الآيات القرآنية تتحدث بصورة صارمة وبتحذير جاد، وأن النبى الكريم حرّم على نفسه شيئا تبعا لرغبة بعض أزواجه، قالوا إنه كان يأكل نوعا من الحلوى اسمها «المغافير» وزعموا أن السيدة عائشة تأففت من رائحتها، فحرّمها النبى على نفسه، ولكن الأرجح أن شيئا ما حدث، وعاتب القرآن النبى عتابا رقيقا، وفيه تهديد شديد اللهجة لأزواجه الذين طلبوا منه شيئا يحرّمه على نفسه، ونجد ذلك فى كتب تاريخ نختصرها فى ما قاله ابن كثير فى كتابه «البداية والنهاية»: «قيل إن رسول الله أصاب مارية فى بيت بعض نسائه فقالت أى رسول الله فى بيتى وعلى فراشى؟ فجعلها عليه حراما»، وعن ابن عباس قال: «قلت لعمر بن الخطاب من المرأتان؟ قال عائشة وحفصة»، وما نفهمه هو أن مارية لم يكن لها حجرة مستقلة، مثل باقى الزوجات، ولكن هذا أمر غير مؤكد، لأن النبى كان يعامل مارية معاملة الزوجة، يحبها ويكرمها، فلا يضن عليها بحجرة، فى أى مكان بالمدينة، ولكنها غيرة الزوجات، وطبقية المؤرخين هى التى أدّت لمثل هذا الحديث، الأمر الأخطر فى القضية هو اتهام مارية فى شرفها وأمومتها لإبراهيم، روى الحاكم النيسابورى فى المستدرك «عَنْ عَائِشة، قَالَتْ بعد أن ولدت مارية، إن النبى سألها ما معناه هل إبراهيم يشبهنى، قَالَتْ: فَحَمَلَنِى مَا يَحْمِلُ النِّسَاءَ مِنَ الْغَيْرَةِ أَنْ قُلْتُ: مَا أَرَى شَبَهًا، قَالَتْ: وَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ما يَقُولُ النَّاسُ، فَقَالَ لِعَلِى: خُذْ هَذَا السَّيْفَ، فَانْطَلِقْ فَاضْرِبْ عُنُقَ ابْنِ عَمِّ مَارِيَةَ حَيْثُ وَجَدْتَهُ، قَالَتْ: فَانْطَلَقَ، فَإِذَا هُوَ فِى حَائِطٍ عَلَى نَخْلَةٍ يَخْتَرِفُ رُطَبًا، قَالَ: فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى عَلِى وَمَعَهُ السَّيْفُ، اسْتَقْبَلَتْهُ رِعْدَةٌ، قَالَ: فَسَقَطَتِ الْخِرْقَةُ، فَإِذَا هُوَ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مَا لِلرِّجَالِ شَىءٌ مَمْسُوح»، ولكننا لا نقبل أن نصدّق أن يقتل النبى أحدا من دون توجيه اتهام له والدفاع عن نفسه، وهو إذن لم يرسل عليا ليقتل الرجل المصرى هكذا بمجرد حديث سمعه من بعض الزوجات، ثم لا نصدق أن النبى يعاقب الرجل ولا يعاقب مارية، هذا لو حدث، وهو لم يحدث بدليل آيات سورة التحريم، والذى حدث أن القرآن أنذر مروجى شائعة الإفك ضد مارية، قال تعالى: «إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ»، أى أن الله وجبريل والملائكة والمؤمنين الصالحين يكونون جميعا مع النبى فى أبوته، وضد من قالتا تلك الفرية، وهو ما يؤكد خطورة الاتهام، والتهديد على قدر الاتهام، ثم إن دوافع قذف مارية أقوى من دوافع قذف عائشة، عائشة لها أسرة قرشية تحميها أو تبقى فى بيتها، ومارية غريبة لا تجد من يدافع عنها سوى الرسول نفسه، وقذف عائشة لا يثبت لأن أحدا لم يشاهد شيئا من خلوة أو غيرها، والوضع مختلف مع مارية، فقد حملت وأنجبت إبراهيم، فكان التهديد الإلهى أشد ضد من روج ضد مارية، صحيح أن المؤرخين أنصفوا مارية وبرؤوها، ولكنهم لم يبحثوا عن مروِّج الشائعة، أو بحثوا عنه ولم يذكروه، فانتشر ما يمكن تسميته فقه الشائعات. والله من وراء القصد.

هامش
الحاكم النيسابورى
هو محمد بن عبد الله النيسابورى، اشتهر بسبب كتابه الشهير «المستدرك على الصحيحين البخارى ومسلم»، وله عدة مؤلفات أخرى مثل: تاريخ نيسابور - فضائل الشافعى - تراجم الشيوخ. توفى بنيسابور عام 405هـ.

 



أقرأ أيضا