فتنة الماضى عند الأصوليين.. كذبة دينية وتاريخية مزيفة

عصام الزهيري



فتنة الماضى عند الأصوليين.. كذبة دينية وتاريخية مزيفة



جوهر المعتقد الأصولى كما هو معروف يقوم على عبادة الماضى ونسبة كل الفضائل والأمجاد والتفوق له فى مقابل حاضر منحط متدهور فاسد يجب أن يتطلع فى معتقدهم للتشبه بالماضى التليد والتبعية له وتقليده والوصول إليه والتمثل به، ثم الاعتقاد بأن العالم عرضة للفساد بتقدم الزمن وصولا إلى زمن ما قبل يوم القيامة وأهواله وهى أزمنة يعتقدون أن القابض فيها على دينه يصير كالقابض على الجمر كما أتى فى موروث الحديث. ومعروف كذلك أن حديث القابض على دينه كالقابض على الجمر تحّكم فى تصورات العقل الأصولى العربى تحكما محوريا يتفوق على تأثير آيات القرآن الكريم نفسها، بحيث بات خلفية تتولد على أساسها التصورات والمواقف والأحكام على الناس والواقع والأزمنة، وهو حديث يقول فى نصه الذى رواه «أحمد» فى مسنده عن أبى هريرة: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل للعرب من شر قد اقترب، فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسى كافرا، يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر، أو قال على الشوك». وفى رواية أخرى فى سنن الترمذى يقول: «يأتى على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر». وهو حديث يتلقاه الفقهاء والأصوليون بالترحاب والقبول والتحسين والتجويد رغم أنه غير مذكور فى كتابى الحديث الرئيسيين البخارى ومسلم، ليس لسبب إلا لأنه يمثل كما قلنا تصورا ومعتقدا أساسيا من تصورات ومعتقدات الموقف الأصولى تجاه العالم والناس والأزمنة. لكن الأهم أن الحديث يناقض من جهة أولى وأساسية لا يمكن إغفالها روح القرآن التى وصمت المشركين وعبّاد الأصنام بنفس الميسم الذى تتميز به الأصولية الدينية اليوم: أى عبادة الماضى ونسبة كل الفضائل والأمجاد والتفوق له، فيقول تعالى: «وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون»- المائدة: 104، ويقول: «وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون»- البقرة: 170. ويقول فى قصة موسى وهارون: «قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء فى الأرض وما نحن لكما بمؤمنين»- يونس: 78. ويقول: «قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون»- الشعراء: 74. ويقول فى قصة إبراهيم: «إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين»- الأنبياء: 52 و53. ويقول تعالى: «إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم»- البقرة: 166 و167. بمثل هذه الآيات القرآنية الكثيرة الغزيرة وأمثالها نستشف روحا معاديا عداء تاما للاتباع والتقليد واقتفاء آثار السابقين، إذ يعتبره القرآن الكريم لونا من الفساد العقلى والاجتماعى والدينى الصريح. نستشف منها كذلك أن فكرة التدهور والانحطاط الزمنى المتدرج حتى يوم القيامة والتى تخبر به الأحاديث ليست من سنن الله فى الكون ولا من قوانين الخلق كما يصوّر الأصوليون.

ولو تجاوزنا بالفكرة الأصولية المتوهمة عن الفساد التدريجى للأزمنة نطاق الدين والنصوص إلى نطاق الواقع والتاريخ لاكتشفنا ليس فقط زيفها وتوهمها ولكن وصلنا لما هو أهم وأبعد وهو أنها فكرة تقوم على قلب الحقيقة الواقعية وعكس الحقيقة التاريخية وتزييفها تزييفا نهائيا ومؤسفا. ويكفى للتحقق من ذلك العودة إلى أى مدونة من المدونات التاريخية الموثقة المشتهرة والمعترف بها، إذ يطالع قارئها من أهوال الماضى ما لا يسعه معه إلا الاعتراف بفكرة التحسن والتطوير والتقدم الذى يعترى المجتمعات البشرية بفضل ما تحققه المعرفة الإنسانية من تقدم فى مختلف المجالات، وتصدق هذه الحقيقة على كل ميادين الحياة والواقع البشرى المختلفة من تفصيلاتها إلى عمومياتها. وليأذن لى القراء فى انتقاء بعض الأمثلة من مجالات مختلفة يتالضح منها خلافا للفكرة الأصولية المتوهمة أن الأزمنة تنتقل تدريجيا باتجاه التحسن وأن المعيشة فى الحاضر -وبالتالى فى المستقبل- هى أفضل حالا بكثير من المعيشة فى الماضى بكل فتراته وعصوره وأزمنته. وهى أمثلة قاسية تكشف إلى أى مدى يستغل الأصوليون سذاجة وجهل البسطاء لتمكين فكرتهم من تصوير الماضى كحلم ذهبى فى مقابل حاضر يتردى ومستقبل عرضة للإبادة.
فى فقرة يصور فيها كتاب «السلوك لمعرفة دول الملوك» للمؤرخ المصرى «تقى الدين المقريزى» ما كانت تسببه الأمراض البسيطة والخطيرة مجهولة الأسباب -فضلا عن الأوبئة والطواعين- من الأهوال للناس، يقول إنه فى شهر جمادى الأولى سنة ٧٦٤ هجرية: «فشت الطواعين والأمراض الحادة فى الناس بالقاهرة ومصر وعامة الوجه البحرى، وتزايد حتى بلغ فى شهر رجب عدة من يموت فى اليوم ثلاثة آلاف. ولم تزل الأمراض بالناس إلى شهر رمضان. وقدم الخبر بوقوع الوباء بدمشق وغزة وحلب وعامة بلاد الشام، فهلك فيه خلائق كثيرة جدا!» وفى خبر آخر من أخبار سنة 769هـ يقول: «فشت الأمراض الحادة والطواعين بالناس فى القاهرة ومصر، فمات فى كل يوم ما ينيف على مئة ألف نفس..»! ومهما وصلت المبالغة فى هذه الأخبار، إذ إن القدماء لم تتوفر لديهم قدرة ولا أدوات إحصائية دقيقة، فإنه من غير المدهش أن يعرف الإنسان أن هذه الطواعين الفتاكة التى أهلكت الآلاف والملايين فى أزمنة الماضى لم تكن تزيد عن أمراض فيروسية بسيطة مثل الأنفلونزا والإسهال. وقد يتراءى لأحد أن يرى التقدم العلمى الذى جرى فى هذا المضمار محض تقدم علمى لا علاقة له بميادين الدين والفكر والأخلاق، غير أن هذه الملحوظة لا تراعى تأثير حالة الإنسان الصحية العامة على قدراته الذهنية وميوله النفسية والخلقية بكل تأكيد.
ولنضع أيدينا على عمق تأثير التقدم فى مجالات العلم المادى على التقدم الفكرى والروحى والأخلاقى يكفى أن نستعرض تاريخ المجاعات التى كانت تلم بالمجتمعات القديمة وما كان يرصد المؤرخون من سلوكيات وأخلاقيات الناس خلالها، ويكفى فى هذا الصدد أن مجتمعاتنا القديمة كانت تعانى خلال فترات المجاعات من تفشى سلوك ليس أكثر ولا أشد منه همجية ووحشية وهو أكل لحوم البشر..! ليس أكل لحوم البشر فقط ولكن أيضا أكل لحوم الأطفال. لذلك يرد فى كتاب «السلوك» ضمن حوادث سنة 597هـ وهى من سنوات حكم الملك العادل أخى صلاح الدين الأيوبى: «وفيها تعذرت الأقوات بديار مصر، وتزايدت الأسعار، وعظم الغلاء، حتى أكل الناس الميتات، وأكل بعضهم بعضا، وتبع ذلك فناء عظيم»، ويعقب: «أُكلت الكلاب بأسرها، وأكل من الأطفال خلق كثير، فكان الصغير يشويه أبواه ويأكلانه بعد موته، وصار هذا الفعل بكثرته بحيث لا ينكر، ثم صار الناس يحتال بعضهم على بعض، ويؤخذ من قُدر عليه فيؤكل، وإذا غلب القوى ضعيفا ذبحه وأكله، وفقد الكثير من الأطباء لكثرة من كان يستدعيهم إلى المرضى، فإذا صار الطبيب إلى داره ذبحه وأكله». ثم يروى هذه الحكاية المرعبة: (واتفق أن شخصا استدعى الطبيب، فخافه الطبيب وسار معه على تخوف، فصار ذلك الشخص يكثر فى طريقه من ذكر الله تعالى، ولا يكاد يمر بفقير إلا ويتصدق عليه، حتى وصلا إلى الدار، فإذا هى خربة، فارتاب الطبيب مما رأى، وبينما هو يريد الدخول إليها، إذ خرج رجل من الخربة، وقال للشخص الذى قد أحضر الطبيب: «مع هذا البطء جئت لنا بصيدة واحدة!»، فارتاع الطبيب وفر على وجهه هاربا، فلولا عناية الله به، وسرعة عدوه، لقبض عليه). ويضيف المقريزى عن هذه الشدة العاتية ما هو أكثر مرارة فيقول: «وكثر الجوع، وعدم القوت، حتى أكلت صغار بنى آدم، فكان الأب يأكل ابنه مشويا ومطبوخا، وكذلك الأم، وظفر الحاكم منهم بجماعة فعاقبوهم حتى أعياهم ذلك، وفشا الأمر، فكانت المرأة توجد وقد خبأت فى عبها كتف الصغير أو فخذه، وكذلك الرجل، وكان بعضهم يدخل بيت جاره فيجد القدر على النار، فينتظرها حتى تنزل ليأكل منها، فإذا فيها لحم الأطفال، وأكثر ما كان يوجد ذلك فى أكابر البيوت، ويوجد النساء والرجال فى الأسواق والطرقات، ومعهم لحوم الأطفال، وأحرق فى أقل من شهرين ثلاثون امرأة وجد معهن لحوم الأطفال، ثم فشا ذلك حتى اتخذه الناس غداء وعشاء وألفوه، وقل منعهم منه..»! فهل يمكن أن يتبقى بعد هذه الأمثلة القليلة ولكن الصادة أى أثر لفكرة الأصوليين الوهمية عن أحلام الماضى الذهبية، وأحاديث: «يأتى على الناس زمان» و«القابض على دينه كالقابض على الجمر»؟! لا أظن ذلك أبدا.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...