المنزعجون من شعر حلا شيحة

طارق أبو السعد



المنزعجون من شعر حلا شيحة



الحجاب أصبح معركة! نعم تحول الحجاب من غطاء الرأس أو شكل للزى ونمط ثقافى إلى معركة إيمان أو كفر، فالمحجبة إلى الجنة لا محالة وغير المحجبة «المتبرجة» إلى جهنم وبئس المصير، لهذا انزعج الإسلاميون بشدة من خلع الفنانة حلا شيحة للحجاب وعودتها إلى شخصيتها ما قبل اعتزالها الفن وفرضها الحجاب على نفسها، انزعج الإسلاميون لأنهم يعتبرون الحجاب قضيتهم الكبرى، ولأنهم كانوا يكبرون كلما تحجبت فنانة تكبيرات المنتصرين فى معارك الإيمان، لم تعد القصة شعر حلا شيحة أو باروكة صابرين، فقد جعلوا مظاهر العبادة دليلا على انتصارهم وخصوصا الإسلاميون، فمن بداية سبعينيات القرن الماضى لم يجد الإسلاميون معركة يجولون فيها إلا معركة الزى والشكل «الحجاب أو اللحية»، ولو لاحظنا أن هذه القضايا لم تنل اهتمام المصلحين الإسلاميين من قبل، ولو تصفحنا ألبوم صور العائلة سنكتشف أن معظم النساء كن متسقات مع ثقافة الزى السائدة فى هذا الوقت، ولم يرينها قضية دينية كبرى، ولا معيارا للتدين، ولا معيارا للدخول للجنة ولا معيارا لصلاح المرأة وفسادها، كان جل اهتمام المصلحين فى القرون الماضية هو أخلاق المرأة، فما قيمة الحجاب مع امرأة سليطة اللسان أو كاذبة أو خائنة؟ ولهذا لا نجد تفاصيل كثيرة عن الحجاب وشروطه إلا مع مرحلة السبعينيات فى مصر عندما كانت الحركة الإسلامية الجديدة وليدة تحتاج إلى قضية وخطاب جديد يمكنهم من التوغل فى المجتمع ويسمح لهم بالعمل ولا يملك أن يعترض عليهم أحد، فأداروا معركة الحجاب كأنه معركة إيمان أو كفر، واعتبروا ارتفاع عدد المحجبات فى هذه الكلية أو فى ذاك الحى انتصارا لهم، كان تحجيب النساء لدى الإسلاميين هدفا استراتيجيا وخطة بعيدة المدى بالمعنى المفهوم وكانت ذروة نجاح هذه الدعوات عندما يتسللون إلى عقل أو قلب فنانة ما، ويتم الترويج لها وتقديمها كمتحدثة فى صفوف الأخوات لتحكى تجربتها من الإيمان إلى الكفر أو من المعصية إلى الطاعة أو من التبرج إلى الحجاب، تم هذا مع الفنانة شمس البارودى زوجة الفنان المعتزل والعائد مرة أخرى إلى الفن حسن يوسف، وكذا الفنانة نسرين وزوجها محسن محيى الدين، والأسرة الفنية محمد العربى وزوجته ووجدى العربى وزوجته وأختهم كاميليا العربى، وطبعا عبير صبرى، وشهيرة زوجة محمود ياسين، وكانت درة تاج هذه المعركة هى حلا شيح؛ فهى اعتزلت ليس فقط فى أوج شهرتها لكن بعد تراجع عدد من الفنانات المعتزلات، لهذا جاء حجابها واعتزالها انتصارا وفرحة للإخوان والسلفيين، ثم تلاه زواجها من أخ مسلم سلفى الفكر وهابى العقيدة من أمريكا انتصارا إسلاميا كبيرا دعمه الإخوان والسلفيون، ففى معركة صبغ المجتمع بهوية إسلامية شكلية كانوا بحاجة إلى مثل هذه الحالات لتكون تكئة إلى إثبات انتصار مشروعهم، لهذا انزعج الإسلاميون جدا على اختلاف أشكالهم وتوجهاتهم ومدارسهم، لكن المحير فعلا لماذا انزعج باقى طوائف الشعب؟ لماذا شارك الكثير فى تدخل سافر فى قضية فردية جدا لا يحق ولا يصح لأحد أن يكون له رأى فيها؟! فحجاب المرأة أو عدم حجابها أمر متروك لها ولها فقط، الغريب والعجيب أن من الذين هاجموا حلا فتيات غير محجبات على الأقل بمعيار الإسلاميين، للأسف الشديد هذا الاندفاع فى الهجوم وضح إلى أى مدى أفسد الإسلاميون مفاهيم التدين البسيطة التى كان يعرفها المصريون قبل ظهورهم، فلعقود كثيرة تلقى شباب الأمة المصرية والأمة الإسلامية من خطباء هذه الجماعات أن الإسلام والدين والتدين لهم نموذج واحد فقط لا غير، هو نموذجهم الذى فرضوه فرضا فى مطلع السبعينيات، ففى نموذجهم على الذكر أن يلتحى ويرتدى جلبابا قصيرا أو بنطالا قصيرا «والبنطال يعنى البنطلون» ويغلق أزرار القميص بما فيها زرار الياقة، ويضع المصحف الصغير مع السواك فى جيب القميص، بذلك يكون الفتى إسلاميا، أما الأنثى فعليها أن ترتدى العباءات الواسعة وأن تغطى نصف جسمها بالخمار وعليه بيشة النقاب.. والفتاة المحتشمة التى خالفت هذا النموذج هى غير مكتملة الإيمان والالتزام، وطبعا وفق هذا المعيار تصبح المختمرة أقل إيمانا من المنتقبة، والمنتقبة بالعباءة التى توضع على الكتف أقل التزاما من التى تضعها على الرأس ولا تُظهر معالم الجسد، والتى تضع نقابا يكشف العينين أقل من تلك التى تضع البيشة ذات السبع طبقات على وجهها فترى الناس ولا يراها الناس. هكذا حول الإسلاميون التدين من المضمون إلى الشكل، وأصبح هَم الأخ أن ينقب أخته ليظهر أنه أكثر محافظة على عرضه من ذاك الذى رضى أن تخرج أخته بطرحة صغيرة وجيب طويلة تصف جسمها، أما هذا الذى ترك أخته تخرج بشعرها فهو ديوث لا محالة ويجب أن لا يوجد فى صفوف الإسلاميين أو عليه أن يقاطع أسرته حتى يلتزمن بالنقاب، ومن يطالع هذه الفترة يعرف كم كانت الأسر تعانى من وجود فتى منتمٍ لهذه التيارات، لقد فرغ الإسلاميون الدين الإسلامى وجعلوه شكلا لا مضمونا، نعم هناك إشارات كثيرة فى القرآن الكريم تتحدث عن الحجاب وعن سلوكيات المرأة، إنما بالتدقيق فيها نكتشف أن تفسير الآيات جاء بمعزل عن الظروف التاريخية لوقت نزول الآية، وغطاء الرأس ليس هو الحجاب الذى ورد فى القرآن الكريم، تحديدا الآية: «وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ» [الأحزاب: 53]، فهو مختلف فى تفسيره حتى بين المسلمين الأوائل، وهى قضية كبيرة مختلف فى تحديد مدلول الألفاظ فيها، ولعل رسالة الدكتوراة التى اعتمدها الأزهر الشريف للشيخ مصطفى محمد راشد والذى يثبت فيها شيوع مفهوم خاطئ عن الحجاب بأنه زى المرأة، تؤكد أن الموضوع لا يستحق كل هذه المعركة ولا يصح اعتبار غطاء الرأس دلالة إيمان، والحقيقة التى أخفاها الشيوخ الرسميون عن المسلمين وعن الجميع أنه مع افتراض أن الحجاب هو زى المرأة فهذا يعنى أنه أمر شخصى جدا يعنى يخصها هى فقط وأن الله هو من سيحاسبها، إن شاء عذب وإن شاء غفر، وإذا تحججوا بأن على المسلم تقديم النصيحة فأقول للجميع إن من آداب النصيحة أن تكون فى الخفاء، والنصيحة على الملأ فضيحة، وإذا قالوا إنه أمر بمعروف ونهى عن منكر فقولوا لهم إن المختلف فيه لا إنكار فيه، ولها أو لأى سيدة أن تختار طريقتها فى العبادة، يا سادة يا محترمين لا يوجد فى الإسلام نموذج للتدين، هناك قيم علينا أن نتحلى بها، وقواعد نلتزم بها، اتركوا حلا وخمارها ونقابها أو بشعرها العريان فى حالها.. إن هذا التهافت يدل على حجم الإصابة بداء الإسلاميين.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...