مـاذا بـعد حـرب دونالد تـرامب على حـلفائه؟

عمرو صلاح



مـاذا بـعد حـرب دونالد تـرامب على حـلفائه؟



تبدو تلك الأيام حافلة بمشاهد غير معتادة فى السياسة الدولية، خصوصا تلك ذات الصلة بالتفاعلات الدائرة بين الحلفاء التقليديين التاريخيين فى الغرب. هذا التحالف ما بين أمريكا وأوروبا الغربية الذى استقر منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حيث انقسام العالم وقتها إلى كتلة غربية «تحالف الليبراليات الديمقراطية أمريكا وأوروبا» وكتلة شرقية «متمثلة فى حالة الاتحاد السوفييتى»، وعلى الجانبين اصطفت الدول التابعة تبحث عن الحماية.

 

منذ ذلك الحين، وعلى الجانب الغربى، لطالما بدا التحالف قويا ويتسم بالمرونة الكافية فى مواجهة التحديات، أى على النقيض من الكتلة الشرقية التى كان سقوط سور برلين بمثابة إعلان لنهايتها. فمن ناحية، فالتحالف الغربى لم يبنَ فقط وفق منطق واقعى فى السياسة، أى تشارك التهديد common threat فقط، لكن هناك أيضا تشارك القيم common values، ثم هناك تشارك المنفعة common benefits، أى ما حققه هذا التحالف لأطرافه من ازدهار اقتصادى ورخاء وأمن.


بالطبع لم يكن التحالف الغربى عبر تنوع مساراته خلال عقود خاليا من الخلافات حول السياسات والمسؤوليات بين أعضائه أو التعامل مع المهددات الخارجية، لكن فى النهاية كانت هناك طوال الوقت صيغة ناعمة للتعامل مع تلك الخلافات وإدارتها بين الحلفاء. وهو ما حافظ على التحالف حتى اليوم، حتى مع زوال الخطر التقليدى بسقوط الاتحاد السوفييتى وصعود مخاطر ومهددات جديدة للغرب.


غير أننا اليوم أمام مشاهد غير تقليدية فى علاقات التحالف الغربى التاريخى. فالأمر ليس مجرد خلافات برزت بصعود دونالد ترامب إلى الحكم، لكن هناك بعدا جديدا وهو ذات صلة بمساحة الصراع الناتج عن تلك الخلافات وشكلها، والتى تحمل منطقا عدائيا واضحا من قبل أمريكا نحو أوروبا، بما لا يفتح الباب للكثير من الأسئلة حول مصير الأطراف المتصارعة فحسب ولكن حول مصير النظام العالمى ككل حال أن تصاعدت وتيرة تلك الصراعات وتطورت لما هو أبعد (وبالطبع مصيرنا كمجتمعات هى جزء من هذا العالم).


هنا مشهد العقوبات التى فرضتها وستفرضها الولايات المتحدة الأمريكية على حلفائها قد يكون لافتا للنظر كبداية تستحق الرصد والتأمل، خصوصا أن العقوبات فى العلاقات الدولية كثيرا ما ينظر إليها على أنها مساحة ما بين السلم والحرب، أو أداة تلجأ إليها الدول حينما يكون اللجوء إلى قرار الحرب صعبا من أجل معاقبة أو ردع أو إضعاف قدرات الخصوم (وضع تحت تعبير الخصوم هذا خطوطا عدة).


وربما نحتاج هنا إلى أن نتوقف عند ثلاثة مشاهد ولنتجاهل مشهد العقوبات الأمريكية ضد تركيا كون الأخيرة لا يمكن ربطها معنويا بالغرب فى النهاية. الأول هو قرار الولايات المتحدة فرض رسوم على وارداتها من الصلب والألمونيوم. وإن كان الهدف الرئيسى لتلك العقوبات كما كان معلنا فى البداية هو الصين، لكن القرار فى النهاية شمل الحلفاء الأوروبيين وبلدانا أخرى مثل كندا والمكسيك، وهو ما دفع الحلفاء إلى الرد بمنطق مماثل كثيرا ما وصفته عناوين الصحف الغربية بالفعل «الانتقامى».


ثم هناك المشهد الثانى والذى جاء برغبة الرئيس الأمريكى فى العدول عن مسار سلفه باراك أوباما والتخلى عن الاتفاق النووى مع إيران، فى مقابل إصرار أوروبا على التمسك بالاتفاق، ثم اتجاه الولايات المتحدة إلى فرض حزمة جديدة من العقوبات تجاه إيران، وصفها الرئيس الأمريكى بأنها الأقوى. هذه العقوبات التى تستهدف الشركات التى تعمل فى السوق الإيرانية، ومن بينها الشركات الأوروبية التى سعت بلدانها لمحاولة إثناء الإدارة الأمريكية عن معاقبتها لكنها فشلت فى النهاية، وأصبحت معرضة لخطر العقاب الأمريكى حال تعاملها مع إيران.


ثم هناك المشهد الثالث المتعلق بمعاقبة الشركات الأوروبية العاملة فى مجال مد خط أنابيب الغاز الروسى «سيل 2» إلى أوروبا.


هنا يبدو محيرا وبشدة المنطق وراء هذا التوجه الأمريكى الذى إن وصفناه وفق مرادفات العلاقات الدولية فهو توجه عدائى واضح بلا شك، خصوصا حينما يكون هذا المنطق مرتبطا بسؤال: لصالح ماذا؟


ربما يبدو احتمالا من ضمن الاحتمالات أن ترامب يريد التعامل بمنطق التاجر أو يظهر العين الحمراء لحلفائه فى مقابل تحويلهم لتابعين. لكن إمكانية تطبيق هذا الطرح تبدو محل شك، أخذا فى الاعتبار طبيعة الطرف الذى يتعامل معه ترامب، خصوصا أننا لا نتحدث عن دول ضعيفة الإمكانات أو محدودة الموارد يمكن أن ترضخ لابتزازات ترامب على الدوام أو تقبل أن يتم التعامل معها بمنطق التابع لا الشريك. وقد كانت ردود الأفعال كما أشرنا فى مثال فرض تعريفات على واردات الألمونيوم والصلب كاشفة لكيف أن الحدة الترامبية قابلتها حدة من الجانب الأوروبى على نفس الدرجة والمقدار انتهت بقرار أوروبى بفرض تعريفات شبيهة على واردات الاتحاد الأوروبى من الولايات المتحدة الأمريكية لمعاقبة الأخيرة.


وهناك احتمال آخر، وهو أن ترامب صادق ومخلص فى كراهيته لكل تلك التحالفات، للدرجة التى تجعله يريد التخلص منها كلها العسكرى والسياسى والاقتصادى، الرسمى منها والضمنى.. لكن يظل هنا السؤال لصالح ماذا؟ ولصالح أى تحالفات بديلة؟! بالنسبة لأمريكا فإنها تستمد جزءا رئيسيا من قوتها ونفوذها فى العالم من تحالفاتها العسكرية والاقتصادية القائمة، ووجودها ضمن إطار مؤسسات متعددة الأطراف يربح منها الكثيرون مثلما تربح منها الولايات المتحدة الكثير. ومن ثم فإن خسارة الأخيرة لتك التحالفات بشكل مطلق، يعنى إضعافها لا جعلها «قوية مجددا» كما يعد ترامب أو يتصور، خصوصا أنه لا يوجد شريكا قويا يقع خارج دائرة الخصومة يستطيع أن يقدم للولايات المتحدة ما يقدمه حلفاؤها الحاليون الأوربيون الذين يستهدفهم ترامب اليوم فى حربه غير المفهومة.


ثم هناك احتمال ثالث، وهو أن الرئيس ترامب يتحرك فقط بمنطق الوفاء بوعوده ومخاطبة أنصاره الانتخابيين بشكل شعبوى، ويسعى لاكتساب المزيد من الأنصار فى الداخل ممن يبحثون عن صورة الزعيم القوى فى الداخل بإبداء عنفه وقوته فى الخارج، دون أن يكون لديه أفق حقيقى وتصور متكامل لما يفعله فى الخارج وما قد يليه، وهنا فالمخاوف تصبح أكبر بكثير، كونه يخرب دون أن تكون لديه خطة لبناء شىء بديل، وهو ما يعنى إدخال العالم فى حالة من الأناركية أكثر من كونها حالة متعددة القطبية تسمح بدور للاعبين آخرين، لأنها عملية تتم عبر ديناميكيات متسارعة ومتلاحقة دون وجود تصور حول أى طرف فى هذا العالم متعدد القطبية سيتحمل ماذا «مسؤوليات» وسيقدم ماذا «واجبات» ووفق أى إطار معنوى «قيم».


فى النهاية تبدو المشاهد غير التقليدية التى تحدث عنها هذا المقال مشاهد مثيرة للقلق لأنها تنذر بحركة العالم نحو حالة من عدم اليقين.. حركة فعلية لم تعد مجرد تهديدات فى خطب سياسية لزعماء شعبويين، لكنها صارت واقعا ملموسا، لن يوقفها سوى تراجع ترامب عن سياساته الخارجية أو برحيله فى الانتخابات الرئاسية القادمة.
 



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.