الحكومات ليست أقوى من المخدرات

كريم البكرى




الحكومات ليست أقوى من المخدرات



«جئت لك يا عبد المعين طالبًا العون، وجدتك فى حاجة إليه»، جالت هذه المقولة بخاطرى بعدما استمعت إلى تصريحات عضو المكتب الفنى لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان، الأسبوع الماضى خلال لقائه بالتليفزيون المصرى، والتى أعلن فيها أن معدلات تعاطى المخدرات فى مصر ضِعف المعدلات العالمية، تأتى هذه النتيجة على ضوء مسح قومى شامل أطلقته وزارة التضامن، للكشف عن إحصائيات حول متعاطى ومدمنى المواد المخدرة.

وزارة التضامن التى وقفت على هذه النتيجة هى التى أطلقت مبادرات للقضاء على الإدمان، واستعانت بمشاهير وشخصيات شبابية كان أبرزها اللاعب محمد صلاح، الذى ظهر فى حملة إعلانية تحت شعار: «أنت أقوى من المخدرات»، ولكن هل نحن بالفعل أقوى من المخدرات؟
ورغم هذه الإحصائية غير المُرضية، شارك صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطى التابع لوزيرة التضامن الاجتماعى، فى فاعليات مؤتمر المكتب الإقليمى للأمم المتحدة المعنى بالمخدرات والجريمة، حول أهم تجارب مواجهة تعاطى المخدرات والذى يعقد بمدينة نيروبى وبمشاركة 31 دولة من إفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا، من أجل استعراض التجربة المصرية فى مكافحة المخدرات.
وأنا أقدر الانفتاح على المجتمع الدولى وتسويق الإنجازات، ولكن هذا لا يتم سوى بتحقيق نجاح ملموس، فما النجاح الذى حققته وزارة التضامن فى ظل أن نسب التعاطى فى مصر تضاعف النسبة المحددة عالميًّا.
لا أشكك فى نية الدولة تجاه محاربة المخدرات، ولكنها محض «نية» والله سبحانه وتعالى هو مَن سيحاسبنا وفقًا للنوايا، أما المواطن المصرى، ومن ثَمَّ المجتمع ككل، فى حاجة إلى إجراءات حقيقية تترجم هذه النية على أرض الواقع وتثبت نجاحها.
انتشار المخدرات فى مصر ليس مستحدثًا، كما أنه لا يقتصر على الأغنياء فقط، وتسرى ناره فى هشيم المجتمع بمختلف طبقاته وأعماره، والعقل الحكومى المصرى لم يبحث عن شىء لحل الأزمة سوى حملات الدعاية ومحاولة إقناع المواطن أنه فى معركة مع المخدرات وهو الأقوى والذى سينتصر بعون الله ومشيئته!
تجربة مصر فى مكافحة تعاطى المخدرات من خلال تنفيذ صندوق مكافحة الإدمان الخطة الوطنية، بمشاركة 11 وزارة والجهات المعنية، تضمنت فيلمًا تسجيليًّا عن الخط الساخن للصندوق والمستفيدين من خدماته، كما تم عرض سلسلة إعلانات «أنت أقوى من المخدرات»، بالإضافة إلى وضع مكون تعليمى يركز على تعزيز المهارات الحياتية فى برنامج «اختر حياتك»، ورفع وعى مليونَى شاب عن أضرار تعاطى المخدرات فى تسعة آلاف مؤسسة تعليمية وشبابية.
وعلى صعيد العلاج استعرض.. تؤكد وزارة التضامن زيادة عدد المراكز العلاجية الشريكة للخط الساخن لصندوق مكافحة الإدمان«16023»، والتى وصلت إلى 21 مستشفى ومركزًا علاجيًّا بـ12 محافظة تقدم خدمات العلاج بالمجان وفى سرية تامة، وتلقى 150 ألف مريض خدمات العلاج خلال عامَى 2015 و2016، كما تم إطلاق مبادرة «بداية جديدة» بالتعاون مع بنك ناصر الاجتماعى، لتوفير التمويل اللازم لإنشاء مشروعات صغيرة للمتعافين، إضافة إلى تنفيذ سلسلة من الفاعليات الرياضية للمتعافين بمشاركة ما يقرب من 1500 متعافى.
هذا ما تعتبره وزارة التضامن إنجازًا، ولكنه فى الواقع خطوة على طريق طويل، وما يجب الالتفات إليه هو مدى تأثير تلك الخطوة، فقد تكون إجراءات تنفيذها المعلنة مغلفة ببيروقراطية عقيمة تؤخر من وضعنا فى مواجهة المخدرات، فضلًا عن كونها محض كلام إنشائى لطيف لم يغيّر الواقع فى شىء، فما زالت نسبة المتعاطين كما هى بل منتظر أنها تزيد، لأنه باختصار نحن لسنا أقوى من المخدرات.
بالبحث فى السياسات الحكومية المتعاقبة لمكافحة الإدمان والتعاطى، نجد مصر 2011 تتصدر البلدان العربية فى نسبة تعاطى مخدر الحشيش بـ6.2% من سكان مصر، أما فى 2013 فوصل عدد المتعاطين إلى 5 ملايين شخص وَفق إحصاءات نشرتها الأمم المتحدة، بينما تقدّر دراسة لمركز البحوث الاجتماعية العدد بنحو 8 ملايين، وهذا العام طرأت ظاهرة جديدة ألا وهى زيادة انضمام الأطفال إلى طائفة متعاطى المخدرات، فالإحصائيات -آنذاك- قالت إن عمر تعاطى المخدرات بدأ لدى الأطفال عند سن الـ11 عامًا، بينما 50% من المتعاطين بدؤوا تعاطيهم فى سن تراوحت بين 20 و30 سنة.
وفى سنة 2014 لم ننتبه إلى جرس الإنذار الذى ضُرب فى عام 2011 بزيادة رواج مخدر الحشيش فى مصر، فللأسف زاد تعاطى الحشيش واحتلت مصر المركز الـ12 عالميًّا، وفى عام 2015 أعلنت الإدارة العامة لمكافحة المخدرات أن المتعاطين المصريين ينفقون سنويًّا 3 مليارات دولار على المخدرات، فى الوقت الذى أعلن فيه صندوق مكافحة إدمان المخدرات الحصور على 32 مليون دولار لمكافحة التدخين والإدمان، وها هو البرنامج بدأ منذ أكثر من عامين.. فهل النتيجة تغيرت عن نتائج الحكومات السابقة؟
النمو السريع للمخدرات واجتذابها روادًا جددًا أمر يؤكد فشل كل السياسات الحكومية المتعاقبة لمواجهة خطورتها، بل ويؤكد أيضًا عدم تطور العقل الحكومى الذى لم يستطع تحجيم هذا الشبح أو مواجهته، فالعقل الحكومى هو الآخر ليس أقوى من المخدرات، ومع ذلك تُصدّر الحكومة قشور النجاح على أنها النجاح ذاته.
بالتمعُّن فى أسباب اتجاه المواطنين للمخدرات وَفقًا لإحصائية صندوق مكافحة الإدمان، فإنها تقتصر على التعاطى من أجل «العمل لفترة طويلة، نسيان الهموم، التغلب على الاكتئاب، القبول الاجتماعى، التجربة، الإبداع، الجرأة»، وإذا افترضنا سلامة آليات البحث والاستقصاء التى اتبعها الصندوق فى إحصائياته، فإن معظم الأسباب تنصب حول الصحة النفسية وسلامتها، وهذا المجال لم يأخذ أدنى حقوقه فى مصر، فوظيفة الإخصائى الاجتماعى والنفسى فى المدارس الحكومية تحولت إلى وظيفة بيروقراطية غير مؤثرة، كما أن الكوادر التى تقدمها كليات التربية لا تعلم شيئًا عن الصحة النفسية للطالب، فضلًا عن الجهل الغزير الذى يحتل عقول كثير من الآباء والأمهات الذين يجهلون سيكولوجية الطفل ومبادئ التربية الإيجابية.
فى مجتمعنا الذى عانى من الجهل والقصور، أصبح من الطبيعى أن نجد أطفالًا يعملون لدى الورش والمطاعم ومع الباعة الجائلين بالمخالفة للقانون ولكل المواثيق الدولية، كما اعتدنا أن نشهد متسربين كُثرًا من التعليم، فلماذا التعجب من وصول المخدرات إلى الأطفال؟!
وإذا توفر التعليم الجيد والعمل الملائم فالشباب ليست لديهم ثقافة الطبيب النفسى أو المعالج الروحى، كما أن الدراما المصرية سطّحت هذه الظاهرة وجعلتها مقتصرة إما على «مستشفى المجانين» وإما المرفهين ماديًّا، ويذهبون للطبيب من أجل «الرغى»، رغم أن الأزمات النفسية أقسى من ذلك، فلماذا التعجب من اتجاه البعض إلى المخدرات هربًا من الواقع والاكتئاب والأزمات النفسية؟!
خطر المخدرات يستحق مشروعًا قوميًّا حقيقيًّا لمواجهته، مشروعًا يصاحبه مشروع تعليمى وثقافى وفنى ورياضى يحدث طفرة فى الجيل تمكنه من التغلب على صعاب الواقع الأليم، وإلا ستظل الإحصائيات ترصد زيادة المتعاطين وانتشارهم فى مختلف الأعمار والطبقات، لابد أن تصبح الدولة الفعل لا رده.
أخيرًا.. بيانات وزارة التضامن عن إنجازات برنامج علاج الإدمان والحد من التعاطى لا تختلف عن بيانات البنك المركزى بشأن استقرار الاحتياطى النقدى والسيطرة على معدل التضخم، نفس الأمر بالنسبة لبيانات مجلس الوزراء التى تبدأ دائمًا بعبارات «وجه - ناقش - شدّد رئيس الوزراء...»، لكن فى النهاية تظل مصر الواقع مختلفة عن مصر البيانات، فالواقع يقول إننا لسنا أقوى من المخدرات.. بالمناسبة لا نحن ولا الحكومة أيضًا.

ــــــــــــ

أسباب التعاطى
- 30.6 % يتعاطون المخدرات من أجل العمل لفترة طويلة.
- 35.2 % يتعاطون المخدرات من أجل نسيان الهموم.
- 34.8 % يتعاطون المخدرات من أجل التغلب على الاكتئاب.
- 36.6 % يتعاطون المخدرات من أجل القبول الاجتماعى.
- 37.8 % يتعاطون المخدرات من أجل التجربة.
- 24.9 % يتعاطون المخدرات من أجل الإبداع.
- 29.1 % يتعاطون المخدرات من أجل الجرأة.
وَفقًا لصندوق مكافحة المخدرات والإدمان.

 



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...