جامع عمر مكرم

حمدى أبو جليل



جامع عمر مكرم



جامع عمر مكرم يقع فى ميدان التحرير، وصاحبه أو قل وارثه السيد عمر مكرم نقيب الأشراف، قائد أول احتجاج مصرى شعبى نجح فى إزاحة الحاكم فى العصر الحديث، وهو يعتبر الجامع الأشهر والأكبر والأقدم فى قاهرة العلويين، وأقيم على أنقاض جامع الشيخ العبيط الذى كان الوحيد فى المنطقة وكانت تعرف باسمه، وكانت تغمر بفيضان النيل كل عام، وأول منشأة حديثة جاورته كانت سراى الإسماعيلية التى بناها الخديو إسماعيل، وجانب منها الآن مجمع التحرير، وهى نفس السراى الذى أجبر إسماعيل على الخروج منها مطرودا ومنفيا إلى عاصمة العثمانيين حتى رحل.


ولكن الجامع الحالى لا ينتمى لعهد إسماعيل، فهو جامع حديث، أنشأته وزارة الأوقاف فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر وأطلقت عليه اسم السيد عمر مكرم نقيب الأشراف.


وهو جامع معلق يرتفع عن مستوى الشارع بسبع درجات رخامية، ويتكون من جزأين منفصلين، الأول عبارة عن مربع له مدخل رئيسى فى الركن الشمالى الشرقى، ومدخل آخر فى الجانب الغربى، وهذا الجزء مخصص للصلاة، وفى وسط جدار القبلة يوجد محراب كبير يتوسطه صحن صغير تحيط به أربعة إيوانات، أمام كل منها دعائم حجرية يغطيها سقف مبطن بالخشب به زخارف منقوشة بالطلاء الزيتى البديع.


ويرتفع سقف هذا الصحن عن سقف إيوانات الجامع الذى تزينه نوافذ للتهوية والإضاءة. كما توجد بحوائط الجامع البحرية والشرقية والغربية نوافذ عامرة بزخارف جصية فى منتهى الدقة والجمال.


جامع «العبيط» الذى بُنى على أنقاضه جامع عمر مكرم يُنسب للشيخ العبيط الذى يعد من أبرز علماء الدين فى القرن الثانى عشر الميلادى، وظلت منطقة ميدان التحرير وجاردن سيتى التى يتوسطها الجامع تحمل اسمه حتى أسس الخديو إسماعيل قاهرة العلويين، وبنى قصر عابدين ونقل إليه مقر الحكم من القلعة، وتبعه بسراى الإسماعيلية التى بنيت فى المنطقة الممتدة من مجمع التحرير حتى نهر النيل، وكانت أولى منشآت حى جاردن سيتى والمنطقة عموما بعد الجامع.


وجامع «العبيط» بناه الأمير كريم الدين الكبير، الذى كان أحد كبار الأمراء فى عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون فى نحو سنة 700هـ، ودفن فيه الشيخ العبيط، وحظى باهتمام شديد وأصلحه وجدده معظم ولاة مصر وسلاطينها إلى أن بلغ ذروته المعمارية فى عهد الخديو إسماعيل الذى أعاد تجديده سنة 1285هـ، ولكن يبدو أن هذا التجديد كان آخر عهد جامع العبيط، فقد هجر وأهمل وتهدم، وعلى أنقاضه أقام رجال نظام يوليو 1952هـ الجامع الحالى، وكعادتهم مع المبانى والشوارع وحتى التواريخ المسجلة محوا اسمه القديم وأطلقوا عليه اسم عمر مكرم.


وهذا المحو أغضب الكثير من المعماريين والمؤرخين ومنهم د.سعاد ماهر التى قالت حانقة: «مع تقديرى واحترامى لتخليد ذكرى مجاهد وبطل من أبطال حركتنا الوطنية فى العصر الحديث، إلا أننى لا أتفق مع وزارة الأوقاف فى إطلاق اسم عمر مكرم على جامع الشيخ محمد العبيط أو الأمير كريم الدين الكبير الذى كان لا يزال قائما حتى هدمته. وكان الأجدر بوزارة الأوقاف أن تنشئ جامعا فى أى مكان آخر تخليدا لذكرى عمر مكرم، خصوصا وأن رفات عمر مكرم ليست موجودة فى مقبرة الجامع».


السيد عمر مكرم ولد فى صعيد مصر وتحديدًا فى مدينة أسيوط فى نحو منتصف القرن الثامن عشر، وهو ينتمى لأسرة شريفة يرجع نسبها إلى آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، وبفضل عراقة هذه الأسرة ونبوغه وشغفه بالعلم واهتمامه وانخراطه فى العمل أو النضال السياسى، حظى بمكانته الرفيعة فى التاريخ المصرى.


وكانت نقطة بداية عمر مكرم كشخصية سياسية وشعبية لها وزنها فى الأحداث السياسية المصرية توسطه لحل النزاع الذى وقع بين الوالى العثمانى والأمراء المماليك، فى ذلك الوقت كان فى نحو الأربعين من عمره، وتوسط بين إبراهيم بك ومراد بك اللذين كانا يتخذان من صعيد مصر مقرا لنفوذهما، ومحمد عزت باشا والى مصر من قبل السلطان العثمانى وكبار علماء الأزهر فى ذلك الوقت، ونجحت وساطته وبناء عليها أعلن علماء الأزهر رضاهم عن إبراهيم بك ومراد بك بعد أن كانوا يناصبونهما العداء، وكتب الوالى محمد عزت باشا إلى السلطان العثمانى طالبا العفو عنهما والإذن لهما بدخول القاهرة بعد أن كانت محرمة عليهما.


وتولى السيد عمر مكرم نقابة الأشراف قبل مجىء الحملة الفرنسية، ولما أتت قاومها بكل قوة، وعزله نابليون بونابرت من نقابة الأشراف وصادر أمواله وطارده حتى هرب إلى غزة، لكنه عاد وشارك فى ثورة القاهرة الثانية سنة 1800م ضد كليبر خليفة بونابرت وشارك فى طرد الحملة نهائيا من مصر.


بعد جلاء الفرنسيين صار السيد عمر مكرم زعيما وطنيا، بل الزعيم الوطنى المصرى الشعبى الأول منذ عهود الفراعنة، وتزعم ثورة الشعب المصرى التى أطاحت بالوالى العثمانى أحمد خورشيد ونصبت حاكما اختاره الشعب لأول مرة منذ مئات السنين ورغما عن المحتل العثمانى.


لكن كما قدر الثورة والثوار هُمِّش السيد عمر مكرم وأبعد ثم نفى نهائيا.

استغل محمد على -الحاكم الذى نصبه- اعتراضه على ضريبة فرضها على الشعب المصرى وعزله من نقابة الأشراف ونفاه من القاهرة إلى مدينة دمياط وعين مكانه الشيخ السادات، وخرجت جماهير غفيرة باكية لتوديعه وكأنهم يعرفون أن تلك نهايته على المستويين السياسى والشعبى وأنه لن يدخل القاهرة مرة أخرى وهذا ما وصفه الجبرتى بقوله: «شيعه الكثير من المتعممين وغيرهم وهم يتباكون حوله حزنا على فراقه، وكذلك اغتم الناس على سفره وخروجه من القاهرة لأنه كان ركنا وملجأ ومقصدا للناس ولتعصبه على نصرة الحق».


ومات عمر مكرم فى دمياط عام 1822م، وظلت ذكراه مطمورة إن لم نقل مُجَرَّمة، وجهاده منسيًّا طوال سنوات حكم محمد على.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..