جامع رابعة العدوية

حمدى أبو جليل



جامع رابعة العدوية



جامع رابعة العدوية ينتمى إلى مجموعة جوامع مصر الحديثة، وهو يعتبر عمدتها على مستوى أسلوب العمارة أو الموقع وتاريخ البناء، وأقامته وزارة الأوقاف فى حكومة الرئيس جمال عبد الناصر، إحياءً لذكرى «شهيدة العشق الإلهى»، فى مدينة نصر التى كانت ضاحية باسم «عبد الناصر» وحرَّفها السادات إلى «نصر»، ويعتبر الجامع والاستاد -الذى طاله نفس التحريف قبل أن يصبح استاد القاهرة- من أكبر وأقدم منشآتها المدنية.


والجامع على أطلال ضريح تزعم الأساطير الشعبية أنه ينتسب إلى رابعة العدوية، وكل المؤرخين يُجمعون على أنه لا يمتّ لها بأى صلة، ويتكون من صحن مربع مغطى بشخشيخة تقوم على رقبة مرتفعة تزينها نوافذ بديعة، وهذا الصحن تحيط به من كل الجهات إيوانات لكل منها صفّان من الأعمدة المغلَّفة بالرخام، وأعمقها الإيوان الذى يحتوى على منحنى القبلَة الذى يحافظ على أسلوب العمارة الإسلامية القديمة.


سقف الجامع مغطى بالخشب المنقوش برسوم زيتية وزخارف هندسية ونباتية محوّرة حاول صانعها بقدر الإمكان أن يحاكى زخارف ورسوم العمارة الإسلامية الكلاسيكية.


وللجامع مدخلان: الرئيسى منهما فى الجهة الغربية مقابل إيوان القبلة، وتتقدمه عدة درجات تعلوها مظلة خضراء، أما المدخل الثانى فيقع فى الجهة الشمالية.


ويُنسب الجامع إلى رابعة العدوية ليس لأنها صلَّت ودُفنت فيه كما يظن البعض، فهى -حسب جمهرة المؤرخين- لم تدخل مصر قط، ولكنه تخليد لاسم شهيدة العشق الإلهى ومسيرتها الخالدة على مر التاريخ.


وُلدت رابعة العدوية فى بداية القرن الثانى الهجرى، وكانت طفلة شديدة الجمال، وكانت البنت الرابعة لأسرة شديدة الفقر، وفقدت أبويها وهى لا تزال فى سن الطفولة، إذ مات والدها أولا ثم لحقت به أمها، وتركاها لا تملك من متاع الدنيا إلا قاربا صغيرًا كان أبوها ينقل عليه الناس بين ضفتى نهر دجلة بالعراق، وكانت تقاوم الوحدة والفقر بالفرار أحيانًا إلى صديقتها «عبدة»، وبعزف الألحان على نايها، بينما قاربها يمخر عباب الماء.


وفى شبابها كانت تحب الغناء والعزف وتتخيل أن الطبيعة تستمع إلى مزمارها وتشاركها ألحانها، وكان يراودها حلم مكرر فى كل غفوة ويتراءى لها فى كل ليلة، وكانت ترى فيه نورًا ساطعًا مشرقا يملأ الوجود ثم يسلط على جسدها فيغمره ويتسلل إلى قلبها وروحها، وفى عز حلمها أصاب الجفاف والقحط مدينتها، البصرة، واضطرت للخروج فى البرارى الموحشة المخيفة هائمة على وجهها تبحث عما يؤكل.

وفى هذه الفترة وقعت فى أيدى النخّاسين التى لا ترحم فقرًا ولا جمالا ولا أحلاما عذبة مغمورة بالنور، وتنقلت بين أيديهم حتى أشراها نخاس زاهد بستة دراهم، وفى البداية عاملها سيدها الجديد كعبدة وأثقل عليها بالعمل حتى اضطرت للهروب مرات، ولكنه فى النهاية رقّ لحالها وجمالها وأعتقها.


وهذه الفترة من حياة رابعة العدوية كانت محل خلاف بين معظم مؤرخى سيرتها، فالبعض قال إنها بعد عتقها اعتزلت وانقطعت للعبادة حتى رحيلها، والبعض قال إنها بعد عتقها انغمست فى الحياة فترة قبل أن تعتزل، ومنهم د.عبد الرحمن بدوى الذى يؤكد أن رابعة لما أعتقت اندفعت بفضل الحرية إلى المشاركة فى متاع الدنيا، خصوصًا أنها كانت باهرة الجمال، ساحرة الفتنة؛ لذلك -على حد زعمه- قطعت شوطا طويلا فى طريق الآثام وغرقت فى بحر الشهوات.


وبرر د.عبد الرحمن بدوى قوله بتحليل نفسى وفلسفى قال فيه: «إن الانقلابات الروحية الكبرى إنما تقع نتيجة لعنف وإفراط ومبالغة فى الجانب المنقلب عنه، فعنف إيمان القسيس بولى كان نتيجة لعنف إنكاره المسيحية، وعنف الحياة لدى القديس أغسطين كان ملازمًا لعنف الحياة الشهوانية الحسية التى كان يحياها قبل تحوله إلى الإيمان».


بل إن د.عبد الرحمن بدوى بحدّته المعروفة، جازف بالقول إن «الاعتدال من شأن الضعفاء والتافهين، أما التطرف فمن شيَم الممتازين الذين يبدعون ويخلقون التاريخ، وما كان يمكن لرابعة أن تتطرف فى إيمانها وحبها لله إلا إذا كانت قد تطرفت من قبل فى حبها للدنيا، فمن أعماق الشهوة العنيفة تنبثق الشرارة المقدسة للطهارة».


وبغض النظر عن الرأيين المتناقضين، فإن تلك الفترة أدخلت حياة رابعة العدوية فى مرحلة جديدة، أقامت فيها لنفسها خلوة وانقطعت تماما للعبادة وذاع صيتها فى البصرة والعراق بأكمله، وابتدعت مذهبًا فى التصوُّف عُرف بها، وبه أصبحت جديرة بلقب «شهيدة العشق الإلهى».


وقيل إن رابعة العدوية بعد اعتزالها كتبت أشعارًا تضاهى أشعار أقطاب الصوفية «الحلاج وابن الفارض وابن عربى».

ومن أشهر أبيات الشعر الصوفى:
أحبك حبين حب الهوى  وحبا لأنك أهل لذاك
ومن أدعيتها: «اللهم إنى أعوذ بك من كل شىء يشغلنى عنك، ومن كل حائل يحول بينى وبينك، اللهم اجعل الجنة لأحبائك والنار لأعدائك، وأما أنا فحسبى أنت».

وكانت بعد صلاة كل عشاء تتهجّد وتقوم الليل كله وهى تقول: «إلهى، غارت النجوم ونامت العيون وغلقت الملوك أبوابها وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامى بين يديك»، وإذا طلع الفجر كانت تقول: «إلهى، هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعرى أقبلتَ منى ليلتى فأهنأ أم رددتها علىّ فأعزى؟! فوَعزَّتك هذا دأبى ما أحييتنى وأعنتنى، وعزتك لو طردتنى عن بابك ما برحت عنه لما وقع فى قلبى من محبتك».



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..