جامع الطباخ بنى من سقط الموائد السلطانية

حمدى أبو جليل



جامع الطباخ بنى من سقط الموائد السلطانية



جامع الطباخ يقع فى قلب القاهرة الإسماعيلية، وسط منطقة شهدت تقلبات وأحداثا كثيرة عبر تاريخها الطويل، فى البداية كانت أحراشا من البرك والمستنقعات والنباتات القاسية وكانت مياه النيل تغمرها كل فيضان، ثم صارت بستانا زاهيا عرف باسم «الشريف بن ثعلب»، وقبل بناء الجامع بنحو ربع قرن اشتراه السلطان الصالح نجم الدين أيوب وجعله ملعبا سلطانيا، وظل ملعبا سلطانيا يلعب به الملوك والأمراء حتى عهد الظاهر بيبرس المؤسس الحقيقى لدولة المماليك.


والجامع وإن كان يتبع القاهرة الإسماعيلية أو العلوية على مستوى الموقع فإنه على مستوى الإنشاء والمنشئ يعد من أقدم المنشآت المملوكية، وهو المنشأة الوحيدة الباقية لها فى المنطقة.


والجامع يجاور قصر عابدين ويقع فى ميدان جَامَل به الرئيس جمال عبد الناصر حليفه أو قل تابعه الرئيس العراقى المخلوع عبد السلام عارف، لكن الميدان تمسك باسمه الأول «البستان» وحوّل اسم الرئيس العراقى إلى مجرد لافتة لا ينتبه أو يعترف بها أحد.


والجامع جدد أو قل بنى ثلاث مرات، ونبدأ قصته ببانيه الأول، وهو الأمير جمال الدين أقوس الذى تولى نيابة الكرك فى عهد البنَّاء العظيم السلطان الناصر محمد بن قلاوون، ونظرا لأن السلطان كان يثق به ويطمئن إليه ولاَّه الكرك قبل أن يُجبر على ترك كرسى السلطنة فى المرة الأولى «معروف أن الناصر ترك الحكم وعاد إليه مرتين»، ولما أجبر اختبأ عنده، ومن الكرك وفى حماية الأمير جمال الدين أرسل الناصر خطاب تخليه عن السلطنة، وفى نفس الوقت راح يعد لاستعادة السلطنة بمساعدة مضيفه الأمير جمال الدين.


وعندما نجح السلطان الناصر فى استعادة ملكه كافأ الأمير بانى الجامع بنيابة دمشق سنة 711هـ، وفى عام 715هـ أنعم عليه بإقطاع الأمير حسام الدين لاجين الإستدار.


والأمير جمال الدين أقوش كان من أغنى الأمراء، وعلى عكس كثيرين منهم اشتهر بالتصدق والجود، وقال المقريزى: «إنه تصدق فى شهر واحد بثلاثة آلاف أردب»، وحينما عاد من الشام واستقر فى القاهرة قام بإنشاء الجامع واهتم بترميم عدد من الجوامع القديمة، ومنها جامع سيده السلطان المنصور قلاوون الذى نحت واجهته من الداخل والخارج وجدد زخارفه الذهبية وأقام به قاعة ما زالت قائمة حتى الآن بالجامع بالقاهرة الفاطمية، وكل ذلك صرف عليه من ماله الخاص، وكان يخطط لبناء غيره لكن السلطان الناصر لم يمهله، فقد ساءت العلاقة بينهما وأمر بالقبض عليه وأودعه سجن الإسكندرية حتى رحل سنة 726هـ.
وبعد وفاة مؤسسه الأول عانى الجامع من الإهمال وتهدمت جدرانه وكاد يندثر نهائيا لولا مؤسسه الثانى الذى رممه وأعاده إلى مكانته بين جوامع القاهرة العريقة.


المؤسس الثانى للجامع لم يكن سلطانا ولا أميرًا وإنما طباخا ماهرا خدم الملك الناصر طوال مدة عزله أو فراره فى الكرك، وعندما استعاد الناصر ملكه عينه «خوان سلار» أى المشرف على مائدة السلطان، وصار مسؤولا عن الأفراح والولائم التى كانت تقام فى الدور السلطانية وفى قصور الأمراء، وكثر ماله فقد كان يقبض قبل الطعام وبعده وفى ذلك يروى المقريزى أن السيد على الطباخ «بعدما أعد طعام عرس ابن الأمير بكتمر الساقى وابنه تنكوز نائب الشام استدعاه السلطان الناصر وقال له يا حاج على اعمل لى الساعة لونا من طعام الفلاحين، فبدت عليه علامات الضيق وولى وجهه بعيدا فصرخ فيه السلطان قائلا مالك معبس الوجه؟ فقال كيف ما أعبس وقد حرمتنى الساعة ألف درهم فضة! فسأله السلطان باندهاش كيف حرمتك؟ فقال تجمع عندى رؤوس غنم وبقر وكارع وكروش وسقط دجاج وأوز وغيرها من العرس وأريد أن أقعد أبيعه وقد قلت لى اطبخ وقبل أن أفرغ من الطبيخ يتلف الجميع. فابتسم السلطان وقال روح اطبخ وضمان الذى ذكرت علىَّ وأمر على الفور بإحضار والى القاهرة وأمره بإحضار أرباب «الظفر» إلى القلعة وتفرقة بضاعة الطباخ عليهم وبالطبع حضروا فى الحال واشتروها عنوة بعشرين ألف درهم فضة».


وهذا كما أضاف المقريزى مستفزا عرس واحد من آلاف الأعراس غير الذى كان له -يقصد الطباخ- من المعاليم والجرايات ومنافع المطبخ. وروى ابن إياس أن على الطباخ كان يحصل مقابل عمله فى الطبخ السلطانى على أجر يومى مقداره 500 درهم فضة و300 لولده أحمد الذى كان يساعده، وقد استفزت هذه المبالغ باقى موظفى القصر السلطانى وعلى رأسهم الأمير شرف الدين «الإستدار» أى المشرف على البيوت السلطانية، وحاول مرات تحريض السلطان على الطباخ لكن السلطان لم يسمع فيه واستمر الطباخ فى خدمة الناصر والمنصور أبو بكر والملك الأشرف خليل والملك الصالح إسماعيل.


ولكن عندما تولى الملك الكامل شعبان سمع الوشاية فيه ونقم عليه، خصوصا مع ازدياد ثرائه وأملاكه، وطرده من المطبخ السلطانى وصادر أمواله وممتلكاته سنة 746هـ، ومنها حسب إحصاء المقريزى «25 دارا على النيل طمعت فى إحداها أم الملك شعبان» وفى هذا دليل واضح على مدى ما بلغته دور الطباخة من الفخامة والعظمة.


وبعد طرد على الطباخ من المطابخ السلطانية ومصادرة أمواله أهمل الجامع مرة أخرى، وظل باقى أيام المماليك وطوال أيام العثمانيين فى مصر أطلالا تذكر الناس بمفارقات سيرة الطباخ إلى أن جدده الملك فؤاد فى ثلاثينيات القرن الماضى.


والطباخ جامع صغير مربع الشكل، وفى وسطه أربع دعائم كبيرة يقوم عليها سقف خشبى منقوش بزخارف زيتية زاهية، وتعلوها رقبة مثمنة بها ثمانى نوافذ تعلوها رقبة ضحلة. والجامع فى مجمله يتميز باللون الأحمر وأضلاعه تحتوى على فتحات من الزجاج المعشق وكل ثلاث منها تكون نافذة قنديلية الشكل، وبالقرب منها منبر الجامع وهو مصنوع من الخشب بطريقة الحشوات المجمعة ومطعَّم بالصدف والعاج ويحتوى على دكتين إحداهما للمبلِّغ والأخرى للقارئ وكلتاهما من الخشب.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...