13 أوت- أغسطس المرتقب.. هل تكون الإجابة تونس مجددًا؟

دنيا الزغيدي



13 أوت- أغسطس المرتقب.. هل تكون الإجابة تونس مجددًا؟



تنتظر التونسيات ومن خلفهن كل الداعمين لحقوقهن، يومهن الوطنى الموافق 13 أوت- أغسطس من كل سنة، للتذكير بمكتسبات المرأة التونسية والنضال من أجل افتكاك المزيد من الحقوق، ومنذ فاجأ الرئيس التونسى الباجى قائد السبسى الجميع السنة الماضية، إبان الاحتفال بذات اليوم، بإقرار إلغاء القانون الصادر فى 1973 المانع لزواج التونسيات المسلمات من غير المسلمين، وطرح مسألة المساواة فى الإرث للنقاش، بتشكيل لجنة الحريات الفردية والمساواة، لإيجاد التكيُّف القانونى المطبّق لروح الدستور التونسى الجديد مع منطوق النص القرآنى.

وهاهى أيام قليلة تفصلنا عن هذا اليوم، ليكون الانتظار أكثر تحفزًا للداعمين كما للرافضين على حد سواء، ترقب للحظة حسم يفصح فيها السبسى عن موقفه من مخرجات التقرير، ليمرر بعد ذلك مشروع قانون يعرض للتصويت أمام البرلمان التونسى.

 

نبش فى المحظورات 
ما شحن الأجواء وأرجع المسألة للسطح نشر لجنة الحريات الفردية والمساواة تقريرها الذى رفع لرئاسة الجمهورية التونسية أول جوان- يونيو الماضى، على أمل المصادقة عليه، شاملًا 233 صفحة انقسمت إلى قسمَين، خصّص الأول للحقوق والحريات الفردية، بينما اهتم الثانى بمسألة «المساواة».


ومن أبرز المطالب التى دعت إليها اللجنة فى تقريرها والتى أثارت جدلًا واسعًا على اعتبارها علَّت من السقف المتوقع:
- المساواة فى الميراث بين المرأة والرجل.
- تحقيق المساواة فى الميراث بين الأبناء المولودين داخل إطار الزواج أو خارجه.
- إلغاء عقوبة الإعدام.
- السجن ثلاثة أشهر لكل مَن يعتدى على سرية الحياة الخاصة للآخرين.
- إقرار المساواة بين الزوج والزوجة فى عدة أحكام قانونية، أهمها الحضانة والنفقة.
- إلغاء تجريم المثلية الجنسية.
- إلغاء التمييز بين الجنسين فى شروط اكتساب الجنسية بموجب الزواج بالتصريح للاثنين.
- جعل اللقب العائلى للمولود الجديد اختياريًّا بين الوالدَين وليس شرطًا لقب الأب أو وضع لقب الأب والأم معًا.


- إلغاء المهر والعدّة.
لتعود تونس إلى قلب رحى ازدواجية جمعت متناقضَين وتنطلق الحملات الداعمة الحالمة من جهة والرافضة الغاضبة من جهة ثانية بين علماء الدين والأئمة والمحافظين المتشبثين بقراءة واحدة للنصوص الدينية، رافضين لأى اجتهاد فيها، مشددين على التمسك بالسلف الصالح فى تفسيرها، وبين النخب التقدمية والأحزاب اليسارية والجمعيات الحقوقية والنسوية المجددين الطامحين للانعتاق من أغلال التفسير الأوحد للنص القرآنى، باحثين عن قراءات أكثر مدنية وتحررًا وأوسع أفقًا.
وفى تعليقه على تواتر ردود الفعل حول مخرجات تقرير لجنة الحريات والمساواة، أكد لنا عضو لجنة الحريات الفردية والمساواة، كريم بوزويتة، أن «هذه الردود إيجابية كانت أم سلبية هى دليل على أهمية موضوع الحريات والمساواة»، وهى «إثبات لضرورة كتابة صفحات تنويرية فى تاريخ تونس وإرجاع الحضارة التونسية فى مقدمة قطار الأمم».
كما شدَّد بوزويتة على أن كل ما ورد فى التقرير «سقف أدنى لدولة تحترم دستورها»، معتبرًا أن «رئيس الجمهورية الباجى قائد السبسى، أمام موعد تاريخى وحضارى، يوم 13 أوت- أغسطس تكرم المرأة التونسية أو تهان».

 

ما هو معلوم بالدين بالضرورة!
زخت سماء تونس ببيانات رجال الدين ومختلف الجمعيات المختصة فى علوم الشريعة والفقه، لتنزل لا بردًا ولا سلامًا على أعضاء لجنة الحريات الفردية والمساواة، فتكيل لهم التهم المباشرة والتى وصلت حدّ التكفير.
لتستنكر «الجمعية التونسية للعلوم الشرعية» فى بيان لها ما اعتبرته «كلّ ما يمسّ الضوابط الشرعية ويتعارض مع ما هو معلوم بالدين بالضرورة، سواء فى ما له علاقة بمسألة المواريث أو العدّة أو الحضانة أو الولاية أو المهر أو تجريم الزنى أو المساحقة أو اللواط أو النسب وسائر الأحكام الشرعية قطعية الدلالة»، ودعت فى السياق ذاته رئيس الجمهورية إلى التراجع عن هذه المبادرة لما فيها من تعارض مع مقاصد الدين ومبادئ الدستور، ومن جهتها أصدرت «الجمعية التونسية لأئمة المساجد» عريضة وطنية عبَّرت فيها عن رفضها القطعى لمخرجات التقرير، مؤكدة أن «المقترحات المقدمة تحمل مغالطات شرعية وقانونية وحضارية، وهى لا تعبر عن حاجة مجتمعية متأكدة للشعب التونسى، بقدر ما تعبّر عن رغبة أيديولوجية لفئة قليلة منفصلة ثقافيًّا ومجتمعيًّا عن اهتمامات الرأى العام التونسى ومشاغله، فضلًا عن إملاءات أجنبية».
وجاء التصعيد الأكثر حدّة فى بيان حزب التحرير وتحديدًا من قسمه النسائى الذى اعتبر مقترحات لجنة الحريات الفردية والمساواة «حربًا مفتعلة مقصودة على أحكام الله»، مشددًا على أن «هذا الجرم الذى يريدون أن يفرضوه يرفضه الناس رفضًا باتًّا يخالف عقيدتهم ويخالف ثوابت الشريعة»، مؤكدًا تصديه هذه المقترحات وأنه «ستنتهض الهمم للعمل على استبداله بحكم ضمن دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة».
وانطلقت فى الوقت ذاته ردود الفعل المناهضة من على منابر الجوامع على ألسنة الخطباء والأئمة وفى القنوات التليفزيونية الإسلامية وعلى أثير إذاعة الزيتونة للتكلل بالدعوة لتحركات احتجاجية انطلقت منذ أوائل شهر جويلية- يوليو المنقضى، فى أكثر من ولاية فى الجمهورية التونسية، أهمها صفاقس، وهى العاصمة الاقتصادية لتونس، والقيروان وهى مدينة فى الوسط التونسى، وقثصة وهى منطقة الحوض المنجمى، ومؤخرًا نظمت وقفة احتجاجية بالعاصمة دعا إليها مؤسس تيار المحبة، الهاشمى الحامدى، وفى مختلف هذه التحركات الرافضة وعلى الرغم من حملة التجييش الإعلامى على شبكات التواصل الاجتماعى، لم يتجاوز عدد الحضور بضع العشرات على أقصى تقدير.
بينما انتظرت حركة النهضة، الحزب الحاكم فى البلاد، هذا الأربعاء 8 أوت- أغسطس الجارى، لتصدر بيانًا تشير فيه إلى موقفها دون إفصاح، حيث أورد البيان أن رئيس حركة النهضة راشد الغنوشى «سلّم رئيس الجمهورية الباجى قائد السبسى، رسالة تضمنت موقف الحركة من مشروع لجنة الحريات الفردية والمساواة» وأن الغنوشى «استمع إلى مقاربة الرئيس حول المسائل المتعلقة بالإرث من جهة وبمسائل الحريات الشخصية وبما هو مبرمج للحسم فى الأفق القريب وما هو مفتوح للتداول».
بينما دعت التنسيقية الوطنية إلى الدفاع عن القرآن والدستور والتنمية العادلة، عموم الشعب التونسى فى بيان لها إلى الخروج يوم السبت 11 أوت- أغسطس، للخروج فى مسيرة وطنية تحت شعار «لا لتقرير الفتنة».

 

الحزام المدنى الداعم
من جهتها، عبَّرت حزمة من الأحزاب السياسية التقدمية عن دعمها مقترحات لجنة الحريات الفردية والمساواة، لتصدر بيانات دعم من كل من حزب العمال، وحزب الوطنين الديمقراطيين الموّحد، وأكدا فيها التزامهما اللا مشروط بالدفاع عن الحريات الفردية والمساواة التامة والفعلية بين الجنسين.
وفى السياق ذاته عبَّر حزب نداء تونس، الحزب الحاكم فى البلاد، عن دعمه مقترحات اللجنة، والأمر ذاته بالنسبة إلى حزب آفاق تونس الذى كان جزءًا من الائتلاف الحاكم، وأكد بدوره دعم مخرجات التقرير ودعا رئيس الجمهورية إلى التعجيل فى تمريره لمجلس نواب الشعب.
بينما عبر التحالف المدنى من أجل الحريات الفردية فى بيان له والذى يضم 34 جمعية ذات وزن كبير على الساحة التونسية، من أبرزها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وجمعية النساء الديمقراطيات، وجمعية رابطة الناخبات التونسيات، والجمعية التونسية للدفاع عن الحقوق الفردية، والتحالف من أجل نساء تونس، والمنظمة الدولية لمناهضة التعذيب، ومحامون بلا حدود… وغيرها، عن دعمه وتبنيه مخرجات تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، معتبرًا أن «التقرير خطوة مهمة لتكريس الحريات الفردية والمساواة».
كما تم الإعلان مؤخرًا عن تأسيس «الحملة الوطنية من أجل المساواة والحريات» أطلقتها أكثر من 150 منظمة وجمعية، لدعم مخرجات التقرير والمضى قدمًا فى تحقيق المساواة وضمان الحريات عبر برنامج عملى يمر أولًا بتجمع يوم 13 أوت- أغسطس القادم.

 

الموعد المرتقب
صرَّحت رئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة، بشرى بلحاج حميدة، بأنها تنتظر قرارات مهمة من قبل رئيس الجمهورية الباجى قائد السبسى، على غرار مسألة الإرث وإجراءات أخرى على أن يتم التصريح بها يوم 13 أوت- أغسطس، لتبقى جميع مكونات المجتمع التونسى، المعارضون منهم كما الداعمين فى لحظة انتظار لهذا اليوم المرتقب لبلاد تسير الهوينى فى مسارها الانتقالى الديمقراطى، لتحتدم فيها الصراعات بين المضى نحو خطّ تاريخ جديد لوضع الحريات فيها موائمة للمجتمعات المتقدمة وبين الارتداد أمام قوى المحافظة والتراجع بالبقاء فى مكانها.
صراع سيكون فجر 13 أوت- أغسطس، الخطوة الأولى نحو حسمه ربما، أو نحو احتدامه أكثر.. وإن غدًا لناظره قريب.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.