مغزى الأكبر والأطول والأسرع.. ما الذى يحتاج بشكل عاجل إلى أن نضخ مواردنا فيه؟

عمرو صلاح



مغزى الأكبر والأطول والأسرع.. ما الذى يحتاج بشكل عاجل إلى أن نضخ مواردنا فيه؟



«فى العاصمة الإدارية الجديدة سوف يكون لدينا مطار أكبر من مطار القاهرة».

هذا ليس الخبر الوحيد من نوعه وإن كان الأحدث، فهناك أخبار سابقة كثيرة تحمل نفس المنطق والفكرة منذ عام 2014 حول ما تم إنجازه أو سيتم، تجد فيها بالضرورة استخدام اسم التفضيل «أكبر، أضخم، أطول… إلخ» إذ يُقارَن مشروع ما مع كل المشاريع القائمة المماثلة فى مصر أو فى المنطقة أو فى العالم.
فربما قد سمعت أن مشروع قناة السويس، فى ذروة الدعاية له، استقبل «أكبر» كراكات العالم، وربما سمعت عن إنشاء «أطول» ناطحة سحاب فى إفريقيا فى العاصمة الإدارية، وتشييد محطة الكهرباء «الأضخم» فى العالم فى بنى سويف، وافتتاح «أكبر» مزرعة سمكية فى الشرق الأوسط فى «بركة غليون»، وخطة «أكبر» محطة طاقة شمسية فى العالم فى أسوان، وبالمثل «أكبر» محطة تحلية مياه فى العين السخنة، و«أطول» طريق دائرى فى إفريقيا... إلخ، حيث هناك الكثير.
ربما يشعر البعض بالسعادة والفخر لأن لديه فى بلده «الأحسن»، فخر بمنطق «نحن أفضل من غيرنا ولدينا ما نتفوق به على العالم بعد عقود من الإخفاق»، أو أملًا فى أن كل هذا سيقود بالضرورة إلى الرخاء والرفاهية، أى أن يكون مجتمعنا «أفضل»، وحياتنا كذلك. مَن منا لا يتمنى هذا؟!
لكن بعيدًا عن مدى صحة التغطيات الإعلامية لمثل تلك المشاريع أو ما يزعمه المسؤولون بشأنها، وحقيقة القياسات والمقارنات بين ما أسسناه أو سنؤسسه وما هو موجود فى مناطق أخرى من العالم أو فى مصر- هناك منطق ينبغى فحصه والتوقف عنده كثيرا، وهو مرتبط بسؤال هل «الأكبر والأطول والأضخم والأوسع، وغيره» كسمات لمشاريع هو ما سيحقق لنا الرخاء كأفراد فى هذا المجتمع؟! بالتأكيد لا، لعدد من الأسباب منها ما يمكن التفكير فيه بشكل نظرى حول دور الدولة المحدود فى النظم السياسية الناجحة، وهو ما ليس قائمًا لدينا فى ظل حكم متغوّل يفرض نفوذه بقوة غير مسبوقة فى السياسة والاقتصاد. ثم هناك ما هو منطقى حول أولويات الإنفاق فى بلد يعانى أزمة اقتصادية سابقًا عليها محدودية الموارد «ما الذى يحتاج بشكل عاجل إلى أن نضخ مواردنا فيه الآن؟ ولماذا؟» وهو حديث مكرر، وبالتأكيد قد مر عليك. وهناك أسباب يمكن أن نفكر فيها تتعلق بتقديرنا لانعكاس ما تم إنجازه من تلك المشاريع بشكل عام على حياتنا كمواطنين وأفراد «هل تشعر بتحسن؟!» أو «هل تشعر بتراجع أو ثبات لمستوى التدهور؟».
لكن بعيدًا عن كل هذا حتى، فهناك أمر يبدو مثيرًا للاهتمام كذلك، وهو متعلق بسؤال: لماذا تلجأ النظم المركزية والمغلقة ويتملكها كل هذا الهوس بمنطق «الأفضلية» فى ما تبنيه وتشيده وتؤسسه؟
هناك بالتأكيد أسباب متدخلة هى مرتبطة بالأساس بعقلية الإدارات المركزية والمغلقة، جزء منها هو البحث عن حيثية الإنجاز فى مقابل حيثية الحكم الديمقراطى والالتزام بالدساتير والقوانين وحماية الحريات وما تنتجه سياسات الحكم الرشيد من تنمية وازدهار. ثم هناك تلك المقارنة التى تسعى تلك النظم إلى عقدها مع عهود الحكم السابقة «فإن كان كل مَن سبق أنتج الشكل، فلماذا لا يكون ما ننتجه من شكل هو الأفضل كسمة للمقارنة ما بين العهود؟». ثم هناك أيضًا هذا التحدى الذى تخوضه تلك الأنظمة مع فكرة النظام الديمقراطى بشكل عام، فإن كانت النظم الليبرالية الديمقراطية قد أثبتت قدرتها على تحقيق الرخاء والرفاه لشعوبها منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، ففى المقابل كثيرًا ما تضع الأنظمة المركزية والمغلقة نفسها فى تحدٍّ من أجل دحر هذا المبدأ أو نفيه أمام العالم وأمام شعوبها، أى إثبات أن الديمقراطية والحرية ليس هما المعيار لتحقيق التقدم. جزء من الأمر تطهُّر تلك الأنظمة أمام شعوبها وإقناعهم أن الديمقراطية ليست مهمة، وجزء آخر ذو صلة بقيمة معنوية وصورة ذاتية تسعى تلك الأنظمة إلى رسمها أمام العالم حول ذاتها. هنا يكون البحث عن إنجاز الشكل وليس المضمون، الإنجاز الأسرع الذى يمكن إتمامه فى فترات وجيزة، والذى يجب أن يكون أكثر بروزًا ووضوحًا فى أبعاده الهندسية أو طاقته، والذى يمكن التباهى به أمام مَن يتم خوض التحدى معه. ثم هناك المنطق الشعبوى فى مخاطبة الجماهير فى المجتمعات ذات الإرث القومى، التى ترى فى المفاضلة مع الآخر انتصارًا أيًّا كان ما تتم المقارنة بشأنه، وأيًّا كانت حقيقة الأوضاع التى يعيشها الأفراد فى تلك المجتمعات، والتى يمكن قياسها وفق مؤشرات عدة متنوعة ومتكاملة ذات صلة بمستوى الحريات ودَخل الفرد وجودة التعليم والصحة وفرص العمل وتكافؤ الفرص والعدالة وغيره.
وهنا فلنا فى التاريخ عبرة، فأغلب الأنظمة المغلقة، التى خاضت صراعًا لإثبات نفسها فى تحدٍّ أيديولوجى مع النظم الليبرالية الديمقراطية، شيدت صروحًا عملاقة ومشاريع قومية كبرى فى كل المجالات «مصانع، أبنية، محطات طاقة، تسليح، ترسانات نووية، وغيره» فى محاولة للبرهنة على مجدها وكفاءتها، بينما كانت شعوبها تعانى معاناة شديدة فقرًا وعوزًا وتأخرًا، فسمة النظم المنغلقة هى أنها تبنى المشاريع الأضخم بينما تعيش شعوبها الحياة الأسوأ.

 



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.