جامع المؤيد شيخ

حمدى أبو جليل



 جامع المؤيد شيخ



أكثر جوامع القاهرة القديمة الباقية ترجع إلى سلاطين المماليك، وكثرتها ترجع لسببين؛ الأول: البحث عن شرعية دينية تواجه شرعية العرق والأصل المفقودة تمامًا بالنسبة لهم، فهم جميعًا أصولهم ترجع إلى «مماليك» مخطوفين تداولتهم أيدى النخاسين حتى استقروا فى مصر، والثانى: هو الوقوع فى المحنة والأدق السجن، والقصة معروفة ومكررة: يسجن الأمير أو السلطان قبل تسلطنه وربما أثناء تسلطنه فى مكان فيقرر أنه إذا منّ الله عليه بالإفراج سيحول سجنه إلى جامع.


ومن أجمل وأكبر جوامع القاهرة التى بنيت للسببين -السجن والشرعية- جامع السلطان المؤيد شيخ، فقد سجن وهو أمير شاب فى سجن خزانة الشمائل الذى أنشأه صلاح الدين الأيوبى فى نفس مكان الجامع، ثم كان داعمًا لشرعية المؤيد شيخ بعدما خلع الخليفة العباسى وعين نفسه سلطانًا على البلاد على غير عادة السلاطين المماليك الذين كانوا يحافظون على الخليفة العباسى، ويستضيفونه فى القلعة؛ ليدعم شرعيتهم فى الحكم.


جامع المؤيد شيخ يقع على باب زويلة أشهر أبواب القاهرة الفاطمية، ومئذنتاه المتطاولتان كانتا فى الأصل منارتى باب زويلة الذى بناه أمير الجيوش بدر الجمالى فى تأسيسه الثانى للقاهرة الفاطمية.


وأغلب الظن أن سجن الشمائل الذى بنى الجامع مكانه هو السجن الذى حاكم وسجن وأعدم فيه صلاح الدين الأيوبى الأمراء والمشايخ الفاطميين المناوئين لانقلابه الناجح على التاج الفاطمى، وربما فى هذه الفترة بدأ تقليد تعليق رؤوس المجرمين والأمراء والأعيان المتمردين على باب زويلة أيامًا بعد إعدامهم، وإن كان الجامع قد محا السجن فإن تعليق الرؤوس على باب زويلة ظل طوال عهد المماليك والعثمانيين وحتى عهد محمد على.


ويقول المؤرخ العظيم المقريزى، إن المؤيد شيخ بدأ بناء الجامع سنة 1415م، وانتهى منه فى ست سنوات؛ ليكون «الجامع لمحاسن البنيان، الشاهد بفخامة أركانه، وضخامة بنيانه أن منشئه سيد ملوك الزمان، يحتقر الناظر له عند مشاهدته عرش بلقيس وإيوان كسرى أنوشروان، ويستصغر من تأمل بديع أسطوانه الخورنق وقصر غمدان».


والتصميم الأصلى لجامع المؤيد شيخ كان يتضمن ثلاث مآذن، اثنتين فوق باب زويلة والثالثة قرب المدخل الغربى، واختفت فى القرن التاسع عشر.


وكما أن مئذنتى الجامع الباقيتين كانتا فى الأصل منارتى باب زويلة، فإن بابه أيضا كان فى الأصل باب جامع السلطان حسن، وهو باب شاهق يعتبر تحفة فنية نادرة، وقيل إن المؤيد شيخ اشتراه وربما نهبه مع تنور نحاس مكلفت من جامع السلطان حسن.


ويعتبر المؤيد شيخ من الجوامع المعلقة، وجدرانه ضخمة عالية كأسوار القلاع، وله صحن متسع نصفه مسقوف داخله ميضأة دائرية وبجواره المحراب والمنبر، ويتميز الجامع بقبة داخلية ضخمة لها رواق مغطى بسقف خشبى تعلوه زخارف نباتية ليس لها بداية أو نهاية، وأسفل الزخارف شريط كتابى عليه آيات قرآنية بالخط الثلث المملوكى مطلية بماء الذهب.


ويبدو أن المؤيد شيخ طمح من بنائه إلى جامعة تعيد مجد الأزهر الشريف، فقد خصص فيه دروسًا للعلم وزوده بمكتبة كبيرة  كانت تشتمل على مختلف أنواع العلوم والفنون.


وعلى غير عادة معظم الجوامع المملوكية لم يهمل فى العهد العثمانى، وظلت شعائره قائمة ودروسه مستمرة، غير أن الوالى العثمانى أحمد باشا ضربه بالمدافع حينما احتمت به جماعة من الثائرين على الحكم العثمانى مما أدى إلى هدم بعض جدرانه وأروقته.


وهو ما استمر قرونًا حتى رُمم مؤخرًا بشكل شامل وفق تصميمه الأصلى باستثناء مئذنته الثالثة، وخصوصًا إيوان القبلة والمداخل والقباب، بالإضافة إلى بناء الإيوانات الثلاثة المكملة وتم افتتاحه بعد تجديده فى يوليو 2007م.


بانى الجامع هو شيخ الملوك والسلاطين المؤيد (بالفتح والكسر) وكنيته أبو النصر، وهو فى الأصل «مملوك» جركسى جلبه إلى مصر تاجر رقيق يدعى محمود اليزدى، واشتراه السلطان برقوق قبل أن يرتقى العرش، وفور أن تقلد أمور السلطنة أعتقه وعينه خاصكيا ثم ساقيا ثم حاملا للكأس.


غير أن برقوق صدق فيه وشاية التخطيط للانقلاب عليه، وقبض عليه، وسجنه فى سجن الشمائل، وفى السجن عزم على أن يقيم الجامع مكان السجن إن فُك سجنه وتيسر له حكم مصر وهذا ما تم.


وبعد برقوق رقاه السلطان الناصر فرج لمنصب نائب الوصى على طرابلس الغرب، وفى هذه الفترة وقع فى أسر تيمور لنك، وتمكن من الهرب بأعجوبة وعاد إلى مصر.


ثم عاد للشام نائبًا للوصى على دمشق، وفى هذه الفترة بدأ التخطيط لحلمه الكبير فى السلطنة المملوكية، وتيسرت له الأمور ونجح فى الانقلاب على سيده السلطان الناصر فرج وقتله، وأعاد «المؤيد شيخ» الخليفة العباسى، ووضعه على سدة السلطنة شهرين ثم أسقطه هو الآخر، وأعلن نفسه سلطانًا منفردًا على البلاد سنة 1412م.


وفى شبابه اشتهر المؤيد بالفروسية ولعب البولو والمبارزة، ولكنه ختم حياته مقعدًا بمرض المفاصل.. ويبدو أنه كان محبوبًا ومغدقًا على المشايخ والمؤرخين، فقد أطلقوا عليه العديد من الألقاب، وقال المؤرخ بدر الدين العينى إنه كان «مؤيدا بفتح الياء، وكان مؤيدا بكسر الياء؛ لأنه كان يؤيد شرائع النبى صلى الله عليه وسلم ويقوى أحكام الدين، وقد اجتمعت فيه هذه المحاسن، وهى: اسمه الشريف شيخ الذى يدل على أنه شيخ الملوك والسلاطين، وكنيته الشريفة أبو النصر التى تدل على أن النصر صار جزءًا منه وأنه لا يفارقه، ولقبه الشريف المؤيد الذى يدل على أنه مؤيد من عند الله، ومؤيد لدينه وشرائعه».



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...