جامع أبو الدهب

حمدى أبو جليل



جامع أبو الدهب



جامع محمد بك أبو الذهب، يقع فى قلب القاهرة الفاطمية، وينتمى إلى آثار الأمراء المماليك، ليس أمراء دولة المماليك، فقد سقطت قبله بعقود، ولكنهم الأمراء الطامحون الذين استغلوا ضعف الولاة العثمانيين وحكموا مصر والشام تحت راية السلطان العثمانى.

وموقعه فى مواجهة الجامع الأزهر يرجع إلى أن أحد أسباب بناء جامع «أبو الذهب» هو منافسة أو قل أخذ مكانة الجامع الأزهر.


الأزهر كما هو معروف أصل القاهرة، ومنذ أن أسسه القائد جوهر الصقلى وافتتحه الخليفة المعز لدين الله الفاطمى صار معهدا للعلم والعلماء، ثم جامعة إسلامية تستقبل الطلاب من شتى بقاع العالم قبل بناء أبو الذهب بمئات السنين. والمؤكد أن الأمير أبو الذهب -الذى كان يحلم بمجد يشبه مجد الفاطميين- خطط أو تطلع لأن يحل جامعه على المستوى العلمى والتاريخى مكان الأزهر الشريف، ولتحقيق هذا الهدف جيَّش للتدريس به كل علماء الأزهر فى تلك الفترة، بل قيل إنه منع مجالس العلم من الأزهر ظنا منه أن ذلك سيمكن جامعه من الانفراد بالمكانة العلمية فى مصر والعالم الإسلامى، ولكن هيهات؛ فما هى إلا سنوات حتى عاد العلماء إلى أزهرهم وتركوا جامع أبو الذهب مهجورا، وبدا وكأن مكانة الأزهر التى لم يزعزعها جور وبطش سلطان بقوة صلاح الدين الأيوبى، لا يمكن أن يؤثر فيها أو يهددها وجود جامع لأمير مملوكى مهما بلغت فخامته.


محمد بك أبو الذهب بدأ حياته السياسية بين مماليك الأمير على بك الكبير الذى كان الحاكم الفعلى لمصر، وأبرز من حاول استقلالها عن التاج العثمانى من الأمراء المماليك، وبفضله تولى أبو الذهب الخازندارية وتَأَمَّر أى صار أميرا، ولقبه «أبو الذهب» يرجع إلى أنه ابتهاجا بارتداء خلعة الإمارة بالقلعة ركب حصانه وراح ينثر العملات الذهبية على كل من يقابله حتى وصل إلى منزله. ويبدو أن اللقب أعجبه فقد كان لا يضع فى جيبه إلا الذهب ولا يعطى إلا الذهب ويقول أنا أبو الذهب فلا أمسك إلا الذهب.


أبو الذهب الطموح بعد أن نال الإمارة راح يتقدم صوب الانفراد بحكم مصر على جثة سيده كما هى عادة الأمراء المماليك، وبالغ فى شراء المماليك والعبيد، وانقض على سيده على بك الكبير وأزاحه من الحكم وطارده حتى الشام، واستقر مكانه كحاكم فعلى يقلد المناصب ويجبى الأموال والغلال ويرسلها للباب العالى العثمانى.


وعندما علم بأن سيده على بك الكبير يعد جيشا جرارا للعودة لمصر وخلعه من الحكم أعد له فخا محكما، وأرسل من يغريه أكثر ويستعجله فى الحضور إلى مصر بل يعدد له مساوئه هو شخصيا ويبالغ فى وصف كره الرعايا له ويعده بسهولة النصر عليه متى حضر إلى مصر، وبالفعل ابتلع على بك الكبير طعم مملوكه القديم، وأقبل بجنوده إلى الديار المصرية ممنيا نفسه باستعادة سلطته، ولكن «أبو الذهب» خرج له بالصالحية وبعد مناوشات بسيطة أحضره أسيرا للقاهرة وأودعه السجن حتى مات.


محمد بك أبو الذهب كان وسيما ومهابا ومحبا للعلم والعلماء، ووصفه الجبرتى بأنه آخر من أدرك وعاصر من المصريين شهامة وصرامة وسعدا وحزما وحكما وسماحة وحلا، وكان قريبا للخير يحب العلماء والصلحاء ويعظمهم وينصت لكلامهم ويعطيهم العطايا الجزيلة، ويكره المخالفين للدين، ولم يشتهر عنه شىء من الموبقات والمحرمات ولا ما يشينه فى دينه أو يخل بمروءته.

وكان بهى الطلعة جميل الصورة أبيض اللون معتدل القامة والبدن مسترسل اللحية مهيب الشكل وقورا محتشما، قليل الكلام والالتفات، ليس بمهزار ولا عجول، مبجلا فى ركوبه ومجلسه يباشر الأحكام بنفسه.


والجبرتى كاد يسترسل فى مدح محمد بك أبو الذهب لولا أنه تذكر جريمته الشنيعة فى الشام، فقد توجه أبو الذهب للبلاد الشامية لمحاربة الظاهر عمر واستخلاص ما بيده من البلاد، وعندما وصل إلى غزة ارتجت البلاد ولم يقف أحد فى وجهه ولاذ أهل يافا بأسوارها وفر عمر الظاهر إلى عكا، وعندما وصل أبو الذهب إلى يافا حاصرها وأطلق المدافع والقنابل على أهلها على مدى أيام وليال، وكان أهل يافا يصعدون إلى أعلى السور ويسبون المصريين وأميرهم سبا قبيحا، ولم يزل يحاصرها حتى احتلها عنوة ونهبها وقبض على أهلها وربطهم فى الحبال والسلاسل الحديدية وأسر النساء والصبيان ثم أخرجهم من المدينة وقتلهم جميعا، وفى ذلك قال الجبرتى بحسرة: «لم يميزوا (يقصد رجال أبو الذهب) بين الشريف والعبد والعالم والجاهل والظالم والمظلوم وبنوا من رؤوس القتلى عدة صوامع وجعلوا وجوهها بارزة تنسف عليها الأتربة والرياح والزوابع».


باقى بلاد الشام بعدما حدث فى يافا أذعنت لمحمد أبو الذهب دون قتال، فأرسل البشائر إلى مصر وأمر بتزيين الشوارع حتى تستقبل جيشه الظافر، ولكن بينما كان رجاله منشغلين بالإعداد لاحتفالات انتصاره، ذاع خبر موته.

فعندما أخضع كل البلاد المصرية والشامية أرسل يطلب ولاية مصر والشام من الباب العالى العثمانى، وبالفعل جاءت الموافقة بسبب أطنان الهدايا التى أرسلها إلى تركيا، ولكن يبدو أن قلبه كان أضعف من احتمال هذه الموافقة، فقد أصابته الحمى ثلاثة أيام ومات على أبواب مدينة عكا.


جامع محمد بك أبو الذهب يقع فى شارع الأزهر وسط كوكبة من الآثار الفاطمية والمملوكية، ووضع حجر أساسه عام 1773م ويحمل رقم 89 فى قائمة آثار القاهرة الإسلامية، وأبرز ما يلفت النظر إليه قبته الكبرى التى تشبه إلى حد كبير خوذة محاربى القرون الوسطى.


والجامع معلق فوق درجات رخامية، وله ثلاثة أبواب: الأول فى حائط القبلة، والثانى تجاه الطريق الموصل لجامع ومشهد الإمام الحسين –رضى الله عنه،– والثالث يقع عند الميضأة ويفتح على طرق مفروشة بالحجر توصل إلى مقصورة الجامع وتكيته. وجميع الأبواب وبعض الجدران استغلها شعراء أبو الذهب فى تأكيد نسبة الجامع إليه، ومن أبياتهم المحفورة عليها حتى الآن:


هذا مقام عزيز مصر أميرها * عين الأكابر ذى العلا والسؤدد
أعنى أبا الذهب فى عصره * كانت له الأقطار فى طوع اليد
تجرى على طول المدى صدقاته * بروس علم أو عمارة مسجد
فسحائب الرحمات يصحبها الرضا * تهمى عليه فى المساء وفى الغد
والحور فى المأوى له قد أرخت * دار الكرامة مسكنا لمحمد.



أقرأ أيضا