جامع البنات

حمدى أبو جليل



جامع البنات



يروى أنه فى أواخر عهد السلطان المؤيد شيخ انتبهت بنات القاهرة إلى أزمة حرجة كادت تدفعهن إلى حل شعورهن فى ثورة فريدة على مر التاريخ، وهى أزمة لم ترجع إلى هتك العرض أو جور الحكام أو شظف العيش أو حتى مرض الطاعون الذى كان يفتك بالناس وإنما ترجع إلى غرابة شباب القاهرة، أو بمعنى أوضح حالة البرودة الغريبة التى جعلتهم يزهدون فى الزواج فترة طويلة، فقد أحجموا فجأة وبشكل شبه جماعى عن الزواج فى سابقة خطيرة لم تحدث لا من قبل ولا من بعد، وبسببها وقعت بنات القاهرة فى خطر العنوسة أو قل افتقاد مبرر الوجود أساسًا فى ذلك الوقت، ففى هذا الزمان كانت الفتاة لا تكتمل حياتها سوى بالزواج ولا تترسخ سوى بالإنجاب.


أزمة حرجة وحساسة وقفت أمامها عذارى القاهرة حائرات، وفى البداية استعنَّ بالعجائز والوصيفات والخدم الموثوق بهن وأنفقن عليهن الغالى والنفيس فى سبيل العمل بدأب على لفت أنظار الشباب المضرب، وعندما ذهبت أموالهن أدراج الرياح ولم تحرِّك ساكنًا لدى الشباب الجامد فكَّرن فى الإعلان صراحة عن قضيتهن والتظلم من جورها فى الشوارع والطرقات والمنتديات العامة، ولكنهن سرعان ما تراجعن عن تنفيذ هذه الفكرة المجنونة التى لا تليق بالحياء والعفة، فمجرد الهمس بها كان ولا يزال طعنًا فى شرف وحشمة ومكانة بنات عفيفات بل عارا تراق له الدماء.


وبينما بنات القاهرة يحاولن بلا طائل كتم حسرتهن والبحث عن مخرج مناسب لأزمتهن هبط عليهن أحد دراويش القاهرة بوصفة عبارة عن فتوى أو تميمة مفادها أن البنت التى تدخل من الباب الأمامى لجامع الأمير المملوكى فخر الدين عبد الغنى وتخرج من بابه الخلفى أثناء صلاة الجمعة سترزق بالزوج المناسب بإذن الله.


هذه الفتوى أو الأحجية الغريبة كانت أشبه بقشة فى بحر العنوسة الكئيب، وبناء عليها احتشدت بنات القاهرة كل يوم جمعة فى جامع الأمير المملوكى، ويستمعن بخشوع والأدق بقلق للخطبة، وبمجرد أن تبدأ الصلاة، وبالتحديد أثناء السجدة الأولى يندفعن فوق رؤوس المصلين ويخرجن فرحات وربما مزغردات من الباب الخلفى للجامع، ومع تكرار اندفاعهن ذهب الاسم الأصلى للجامع للأبد وصار يعرف باسم جامع البنات حتى اليوم.


وجامع البنات يقع فى شارع بورسعيد، وحتى قرب نهاية القرن التاسع عشر كان ينتصب على ضفاف الخليج المصرى الذى كان يجرى فى الشارع على مدى قرون طويلة حتى ردمه الخديو إسماعيل، والبعض يذهب إلى أنه ردم بعده أيام الاحتلال الإنجليزى، كما أن الجامع يمثل نقطة البداية لمركز القاهرة الأصلى، وبالقرب منه درب سعادة وباب زويلة والغورية ونهاية شارع المعز لدين الله الفاطمى قصبة القاهرة الفاطمية.


وتتميز عمارة الجامع بالدقة والمهارة الفائقة فى جميع مكوناته وزواياه، خصوصا تلك الزخارف البديعة التى تزين محرابه المصنوع على شكل نصف دائرة تتوجها طاقية مدببة ترتكز على عمودين رخاميين، وعلى يمين هذا المحراب مباشرة ينتصب منبر الجامع المزخرف بأطباق مصنوعة على شاكلة النجوم ومطعمة بأفخر أنواع الصدف والسن والعاج.


وجامع البنات مقام على هيئة مدرسة، وهو فى ذلك يتوافق مع معظم الجوامع المملوكية، ومبناه مكون من طابقين، ويحتوى على سبيل وكتاب إلى جانب المسجد الذى يقع فى الطابق الأرضى، ويضم أربعة إيوانات تفتح كلها على الصحن، وهى تتميز بتعامدها، وأكبرها تحتوى على القبلة المهيبة المصنوعة من الرخام والتى رغم صغرها بالمقارنة بمعظم الجوامع المملوكية الشهيرة فإنها تتميز بالأناقة والفخامة وتناسق الألوان والزخارف.


أما سبيل الجامع فيقع فى الركن الغربى، وقد فتح له مؤخرًا باب جديد بالواجهة الشمالية الغربية التى تطل مباشرة على شارع بورسعيد لتيسر زيارته، وهو مستطيل الشكل ويحتوى على عدة شبابيك نحاسية وبه حجرة مستطيلة مغطاة بقبو فريد من نوعه.                      

وبالجامع كُتاب كان مخصصًا حتى فترة قريبة لتحفيظ القرآن الكريم وتدريس مناهج مذاهب الفقه الأربعة، وهو من حجرتين تعلوهما حجرة صغيرة، أما مئذنة الجامع فهى من أغرب مآذن القاهرة، فهى على عكس أسلوب معظم الجوامع القديمة تقع فى الجزء الذى يحتوى على الجامع وترتفع قاعدتها حتى توازى سقفه، وتتكون من طابقين، الأول: أسطوانى الشكل ومزخرف بالكتابات، والثانى: يحتوى على فتحات تشبه إلى حد كبير نوافذ أسوار القلاع المخصصة لرمى الأعداء بالسهام، وهذه المئذنة يتوِّجها شكل مخروطى مصنوع من الخشب المغلف بالرصاص.


وجامع البنات ينتمى لأسلوب العمارة المملوكية، وبالتحديد إلى جامعها الأخير «السلطان قنصوة الغورى»، فرغم صغر حجمه بالنسبة للغورى وكذلك انكسار مدخله وقبل ذلك ضآلة اسم بانيه فى الحكم والسياسة فإن أركان الجامع وزواياه وزخارفه تكاد تتطابق مع جامع الغورى.


وقد حظى جامع البنات بالترميم والتجديد طوال تاريخه، غير أنه للأسف لم يصمد أمام الزلزال الذى رجّ القاهرة سنة 1992م، وظل يعانى التصدعات والانهيارات حتى بدأت هيئة الآثار فى ترميمه سنة 1996م وانتهت منه على تصميمه الأول وافتتح عام 1999م.


وبانى جامع البنات الأمير فخر الدين عبد الغنى بن عبد الرازق أبى الفرج ولد عام 784هـ لأسرة أرمينية حديثة العهد بالإسلام، جده أبو الفرج أول من أسلم منها، وفى طفولته علمه والده جيدا ليكون لائقا بخلافته فى المناصب الحكومية التى تدرج فيها حتى وصل لكرسى الوزارة، وكان له ما أراد، فبمجرد أن بلغ الأمير فخر الدين سن الشباب تولى منصب الكشف على أراضى السلطان فى محافظة الشرقية، غير أنه استعمل الشدة والعنف مع الأهالى خصوصًا من أبناء القبائل البدوية التى كانت تسكن المنطقة، وقتل العديد منهم وصادر أملاكهم، فضج الأهالى بالشكوى منه لدى السلطان فعزله.


ولكنه أعلن توبته وسط رجال القصر فأعاده السلطان المؤيد شيخ كاشفًا على أرضه التى كانت بالصعيد، وهناك عامل الناس باللين ولكنه لم يتوقف عن نهب ممتلكاتهم، ويقال إنه جمع فى فترة قصيرة من الخيول والبقر والأغنام والأموال ما لا يحصيه العد، وعندما بلغ أمره المؤيد شيخ أمر بالقبض عليه ففر إلى الشام ثم إلى بغداد، وأقام فترة هناك، ولكنه لم يصبر على الإقامة فى العراق وتذلل للمقربين من المؤيد شيخ حتى توسطوا له وأعاده للخدمة، فعينه هذه المرة كاشفًا على المناطق المحيطة بمدينة برقة، وهناك عاد إلى خصلته فى نهب ممتلكات الأهالى، ولكنه فى هذه المرة تعلم الدرس جيدًا وتوجه إلى السلطان وأهداه معظم ما نهب، فما كان من السلطان إلا أن ولّاه الوزارة.


ولم تختلف سيرته فى الوزارة عن سيرته فى الكشوفية، فقد باشرها بعنف وقطع رواتب الموظفين وصادر الأراضى والأموال دون وجه حق، ولكنه حمل منها الكثير للمؤيد شيخ فارتفع فى نظره، وظل فى الوزارة حتى أقعده المرض وهو فى عز سطوته حتى رحل عام 821هـ، وقال فيه المقريزى شامتًا: «كان جبارًا قاسيًا شديدًا جلدًا عبوسًا بعيدًا عن الإسلام، قتل من عباد الله ما لا يحصى وخرب إقليم مصر ليرضى سلطانه فأخذه الله أخذًا وبيلًا  ولا يستكثر عليه ما كان يفعله؛ لأنه من بيت ظلم وعسف».



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.