من أجل ذلك التثاؤب بين العلم والحديث

مي سعيد



من أجل ذلك التثاؤب بين العلم والحديث



متى سيسلم هذا القلب المكلوم شرايينه المتصلبة للنور؟ ليفتحها فيجرى الدم بين جنبات هذا القلب ناشرًا الحياة مرة أخرى فى هذا الجزء الرمادى من العالم، هذا الجزء الذى أصابه الشحوب والهزال من هول ما يحمل من «روايات وأحاديث»، لو تركته هكذا حتمًا ستودى بحياته، إما بطئًا فتتجلط رواية هنا وحديث هناك، ولن يذيب هذه الجلطات سوى الاعتراف بالداء المقيم فى القلب، وإما سيأتى هذا القلب الموت الفجاء فيسكت عن رواية المزيد من الأحاديث والروايات التى تتعارض نبضاتها ودقاتها مع العلم والعالم والحياة، ولأن ما أحمله على عنقى وكتفى عقل خلقه الله لى فقد قررت مع سبق الإصرار والترصد استخدامه إلى أن يشاء الله أمرًا كان مفعولًا، مقال اليوم بصدد مناقشة حديث جاء فى صحيح البخارى.


حدثنا آدم بن أبى إياس، حدثنا ابن أبى ذئب، حدثنا سعيد المَقْبُرى، عن أبيه، عن أبى هريرة -رضى الله عنه- عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يُشَمِّتَه.

وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان.

فليرده ما استطاع، فإذا قال: هاء ضحك منه الشيطان”.

أخرجه البخارى، باب: ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب
مرة أخرى تنقل لنا كتب الحديث معلومات مغلوطة متعارضة مع بديهيات العلم على أنها جزء من الدين، فى شكل أحاديث منسوبة لرسول الله، ينسب الحديث التثاؤب للشيطان وكأن الشيطان يملك أن يفعل مثل هذا الفعل ويضع بنا شيئًا لم يخلقه الله فينا حاشا لله. قال تعالى: "تبارك الله أحسن الخالقين”.

صدق الله العظيم.

وتعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، أما أن يأتى حديث على لسان أشرف الخلق ينسب لله حب العطاس وكره التثاؤب، فهو أمر مثير للشفقة، مختلق هذا الحديث يستحق الشفقة بالفعل، كما أنه يثير الشفقة على مُصَدِّق متن مثل هذه الأحاديث المكذوبة على النبى صلى الله عليه وسلم، هل يكره الله أو يُحِبّ شيئًا خلقه فينا؟ هو الذى خلق لنا أنفًا وفمًا ومخا يحتاج للأكسجين، وهو الذى خلقنا على هذه الهيئة نأكل ونشرب ونتكاثر وننام ونموت، فهل يحب الله شيئًا فينا؟ ويكره آخر؟ لكن السؤال الأهم هو.. هل للشيطان القدرة على أن يضع فينا ما لا يحبه الله عز وجل؟ لكن ماذا عن رأى العلم فى هذا الشأن؟ فقد ثبت علميًّا أن عملية التثاؤب عملية مهمة جدًّا للمخ والجهاز العصبى، حيث يصدر المخ إشارات فى حالة حاجته لمزيد من الأكسجين لمواصلة وظائفه بنفس الدرجة من الكفاءة، فيحدث التثاؤب حيث يدخل من خلال هذه العملية المزيد من الأكسجين الذى يحتاج إليه  المخ لِيُمِدَّ الجسم فيسد ما يحتاج إليه من الأكسجين، ولا علاقة للشيطان فى ذلك، أما عن مُصَدِّق هذا الحديث والذى يحاول قدر استطاعته أن يمنع نفسه عن التثاؤب، فهو فى الحقيقة يمنع عن المخ المزيد من الأكسجين الذى يحتاج إليه، فيضر بذلك نفسه ويؤثر على صحته ظنًّا منه أنه يمنع الشيطان من إجباره على التثاؤب.


فإلى متى سيظل النص لاجئا ومبعدا عن جنبات المنطق والعلم وإلى متى ستظل عوالمنا عواصم للملح الذى يخرج ألمًا وحسرة من بين الجفون على كل من يحاول أن يضيع الدين ظنًّا منه أنه يدافع عنه.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.