خسوف العقل العربى

طارق أبو السعد



خسوف العقل العربى



من المفارقات التى تكشف أزمة العقل العربى وتشخص مرضه بدقة ما تعرض له العالَم مساء الجمعة الماضى، فقد رأى العالَم ظاهرة خسوف كلى للقمر فى ما يسميه الفلكيون بالقمر الدموى، ورأيناه بدورنا فى عالمنا العربى، بعدما تم تحديده تحديدا دقيقا بالساعة والدقيقة من قبل علماء الأرصاد والفلك قبل أيام. المجتمعات الحديثة اعتبرت الحدث فرصة رائعة لتعليم أولادهم أمرا من أمور الفلك والحساب وتوضيح كيف تمت معرفة الموعد وكيف سيتم هذا الخسوف، وتفسير الخسوف وأنواعه باعتباره من الظواهر الطبيعية، يهدفون إلى ترسيخ المفاهيم العلمية لأبنائهم بطريقة مناسبة لأعمارهم. العالم انشغل بمراقبة القمر والاستعداد بإجابات مختلفة قد تتفجر بين الصغار، إلا فى عالمنا العربى، تقريبا نحن الوحيدون فى العالم الذين انشغلنا بسرد كثيف لكيفية صلاة الخسوف، وبالتالى انفجرت أسئلة كثيرة من نفس زاوية التفكير، فكانت أسئلة الصغار عن الكسوف والخسوف ولماذا نقول كسوف الشمس وخسوف القمر وليس العكس؟ أو الأكثر تدينا كانوا يسألون عن سنن صلاة الخسوف وطريقتها ومكانها ووقتها وحكم تاركها وأجر فاعلها. أعلم أن هناك من انشغل بها علميا، لكنى لا أتحدث عن العلماء، إنما أتحدث عن عموم الناس، أرصد منتجات العقل الجمعى حول هذه الظاهرة؟ ولماذا غاب العلم وحضر الدين؟ أتابع الأكثر أهمية عند الناس لأن أسئلة الناس هى قياس لاتجاهاتهم، واتجاهات الناس فى العموم ليست لصالح العلم وهذا فيه خطر كبير، لقد تحولت الذهنية العربية الإسلامية إلى ذهنية بليدة علميا، لا تقدر على مخاصمة العلم وفى نفس الوقت لا يمكنها هضمه والتفاعل معه، فكل رب أسرة كان يؤرقه وهو يتحدث إلى أبنائه عن هذه الظاهرة أن يربطها كفعل يدل على غضب الله، أو أنها آية أرسلها الله لنا لنرتدع وأن نكف عن السيئات! هنا تجلى مرض العقلية العربية وهو الميل إلى الخرافة والزج بها فى أتون الدين المقدس، ونسب أقوال للرسول الكريم تفسر الظاهرة. روى البخارى عن المغيرة بن شعبة قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموها فادعوا الله وصلوا حتى ينجلى». وفى رواية: «فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله تعالى ودعائه واستغفاره»، وفى رواية «فافزعوا إلى الصلاة»، وفى رواية: «فاذكروا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا». فى حين أننا لو افترضنا حدوث الظاهرة على أيام الرسول فكل ما فعله الرسول من دعاء أو صلاة هو فعل يناسب اللحظة التاريخية للعقل والعلم البشرى وقتها، عندما لم يكن لدى الناس أى تفسير لهذه الظواهر إلا اللجوء للخرافات والأساطير، فكان أفضل فعل وقتها هو اللجوء إلى الله، وهو ما فعله النبى محمد صلى الله عليه وسلم، لجأ إلى الله بالصلاة باعتباره القوى الغيبية الوحيدة التى يمكن أن يطلب منها الناس العون، أما اليوم وبعد تقدم العلم وأصبح قادرا على اكتشاف الظواهر وتقديم تفسير منطقى لها، علينا أن نتعامل مع الظاهرة بكثير من النضج العقلى، بأن نفهم الأحاديث النبوية أو أقوال الفقهاء حول هذه الظواهر على أنها أقوال تناسب زمانها لا أكثر، وأن علينا أن نصنع نحن بأنفسنا أسلوبنا الإسلامى فى التعامل مع الظاهرة، فبسبب عدم فهم الظاهرة الطبيعية تم تفسيرها على أنها أمر مخيف يحتاج إلى الطمأنة، والآن بسبب العلم لم يعد الأمر مخيفا بل سبب من أسباب السعادة يتابعه الناس بشغف، ويلتقطون الصور التذكارية له، نقولها بأعلى صوت: والله العظيم العلم لا يتعارض مع الدين بل يدعمه ويقويه، فقط المشكلة أن الدين أسير عند الفقهاء ومنهم من لم يفهم الظواهر كما فهمناها، علينا أن ندرك أن هذا الفعل الذى حدث من ملايين السنين أى من قبل ظهور الإنسان على الأرض، وبالتأكيد من قبل تنزل الوحى أساسا على الأنبياء، دليل على الخالق وليس ضد إثبات الإله، علينا التدبر فى حسن وبديع خلق الله، علينا أن نعلم أولادنا أن هذا الحدث يحدث بهذه الدقة من ملايين السنين فلا شك أن وراءه خالق بديع قادر قوى واضع القوانين ولا تسرى عليه، علينا أن نستفيد من هذه الفرصة لنعيد التفكير فى تحريم البعض لعلم الفلك، فلولاه ما كنا عرفنا موعد الخسوف بدقة قبل أن يفاجئنا، ولنتذكر أننا كنا فى الماضى القريب نتلقى كسوف الشمس أو خسوف القمر بالطبل والصريخ والخبط على الصفيح، أو أن نسير كالبهاليل ننادى: يا بنات الحور سيبوا القمر يدور، أو نتوهم أن يوم القيامة قد اقترب، أو نهرع إلى المساجد للصلاة خائفين! فالظاهرة الطبيعية أصبحت الآن معلومة الأسباب ليس فيها ما يخيف، فسبب الخوف هو المجهول، يوجد بوجوده ويزول بزواله، ولا يظن ظان أننى ضد الصلاة، بل ضد الزج بالدين والمساجد والخطباء فى تفسير ظواهر علمية بزعم أنه قد تم تفسيرها من قبل على ألسنة الأقدمين، فالتمسك بهذه التفسيرات على أنها حقائق هو عين العطب الذى أصابنا، فأقوال ابن دقيق العيد الحافظ وابن حجر العسقلانى فى فتح البارى وابن العربى، فى تفسير ظاهرتى الكسوف والخسوف ليست حجة علينا، فأقوالهم تلزمهم، ولو كانوا فى زماننا لقالوا مثلما نقول، ولو أن الله بعثهم أحياء وجاء بهم إلى عصرنا وعرفوا علومنا ومعارفنا ونظرياتنا واكتشافاتنا لأنكروا أقوالهم السابقة، لكن المصيبة فينا نحن وليست فى الأقدمين، فالأقدمون تكلموا حسب آخر العلوم التى وصلتهم، أما نحن فغيبنا عقولنا لأن وعاظنا يخافون من نور العلم. يا سادة يا كرام يجب أن نعترف أن علاقتنا بالحياة أصابها خلل كبير بسبب العقلية الدينية المغيبة والمتشددة والتى لا تفسح مجالا للتفكير والتدبر والتعلم، انظر إلى قوله تبارك وتعالى: «هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» سورة يونس، أى أن القمر والشمس وما يلحق بهما من ظواهر من آيات الله المعاشة التى تعلمنا الحساب وعدد السنين، وأن من يفهم هذه الآيات هم قوم يعلمون، وإليك آية أخرى: «وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شىء فصلناه تفصيلا» سورة الإسراء، ويقول تعالى: «وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ. وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» (يس: 37-40). الله أمرنا بتدبر هذه الآيات أى الظواهر الطبيعية، لكننا أهملنا أمر الله واتبعنا أقوال الأقدمين وعطلنا العقل العربى والإسلامى عن العمل وإنتاج الأفكار، وظللنا نقتات على أفكار مات أصحابها منذ أكثر من ألف عام، فلم نبرح مكانهم علميا، لكن لو أننا استجبنا للأوامر الربانية فى الكتاب وتدبرنا الآيات لكان لدينا مؤسسات علمية أفضل من «ناسا» وغيرها، نحن بحاجة إلى أن نعرف كيف يمكن أن نعيد اللياقة العقلية للذهنية العربية الإسلامية، علينا أن نعمل على تدريب هذه العقلية على العلم الذى ليس ضد الدين.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...