مصيرنا معلق بمصير البحث العلمى فى مصر




مصيرنا معلق بمصير البحث العلمى فى مصر



فى المؤتمر الوطنى السادس للشباب الذى انعقد فى جامعة القاهرة وانتهت فاعلياته مساء «الأحد» الماضى، شاهد الرئيس عبد الفتاح السيسى فيلمًا تسجيليًّا وثائقيًّا حول أهمية البحث العلمى وضرورة تهيئة المناخ المناسب لتنفيذ ابتكارات الشباب وتنمية مهاراتهم، لاستغلالها الاستغلال الأمثل فى تحقيق النهوض بالدولة على المستويات كلها، الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، وقد كان لافتًا خلال هذا المؤتمر، تحديدًا، الاهتمام ببعض تفاصيل قضية البحث العلمى فى مصر، لا سيما أن المؤتمر قد انعقد تحت قبة جامعة القاهرة العريقة، التى تُعدُّ الأبرز تقدمًا فى البحث العلمى بين الجامعات المصرية كلها، كما كان لافتًا أن يعلن الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، أن الحكومة تهدف إلى تطوير البنية التحتية لمنظومة البحث العلمى، وتحسين مخرجات التعليم الجامعى، وأن إجمالى عدد الأبحاث المصرية المنشورة دوليًّا 18.9 ألف بحث، وأن الحكومة ستُدعّم البحث العلمى بمبلغ 4.6 مليار جنيه، و920 مليون جنيه لتحسين جودة النظام البحثى والتكنولوجى.

اللافت للانتباه فى هذا كله، وبصرف النظر عن الخطوات الفعلية للتنفيذ، أن قضية البحث العلمى وجدت، أخيرًا، مَن يتحدث عنها ويلتفت إليها، بعد سنوات كثيرة من الإهمال والتهميش المتعمَّدَين، فها هو ذا الفيلم التسجيلى الذى شاهده الرئيس السيسى يؤكد أن البحث العلمى ضرورة لتحقيق النهوض بالدولة، ومن الأهمية بمكان لاستغلال مواردها، وها هو ذا رئيس الوزراء يمتلك «داتــا» إحصائية بعدد الأبحاث العلمية للمصريين حول العالم، وها هو يعد بتدعيم ميزانية البحث العلمى بنحو خمسة مليارات جنيه، وهو ما يعنى أن قضية البحث العلمى فى مصر وجدت، أخيرًا، مَن يتكلم عنها ويلتفت إلى أهميتها كونها أضحت صناعة عالمية، تعتمد الدول الكبرى المتقدمة عليها لزيادة الناتج المحلى.
الالتفات إلى أهمية البحث العلمى فى مصر لم يكن، بالطبع، وليد مؤتمر الشباب السادس، بل إن شهر مارس الماضى قد شهد هو الآخر افتتاح الرئيس السيسى المؤتمر القومى للبحث العلمى، وكانت أجندة أعماله تتمحور حول مراجعة أولويات البحث العلمى فى إطار الاستراتيجية القومية الموحدة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار، ورؤية مصر للتنمية المستدامة 2030، بالإضافة إلى ربط البحث العلمى باحتياجات المجتمع، والمساهمة فى حل المشكلات الملحة والضاغطة، وخدمة أهداف التنمية، وبخاصة المشروعات القومية العملاقة، وهى أجندة ضخمة بالفعل، لأنها تحتاج إلى رؤية واضحة واستراتيجية علمية شاملة إزاء تلك القضية المهمة، فهل تمتلك الدولة تلك الرؤية فعلًا بصرف النظر عن تتابع المؤتمرات وتوالى التصريحات والأمانى؟
لا نتزيد إذا ادّعينا أن مقومات البحث العلمى فى مصر، معظمها، موجودة ومتاحة، فعدد المراكز العلمية البحثية التابعة لوزارة التعليم العالى والبحث العلمى وأكاديمية البحث العلمى نحو 15 مركزًا، كما يبلغ عدد مراكز البحوث والدراسات بالوزارات المختلفة نحو 220 مركزًا وبالجامعات نحو 116 مركزًا، كما أن موازنة البحث العلمى ارتقت من 17 مليار جنيه فى الأعوام السابقة إلى 21 مليار جنيه، فضلًا عن تمويل من عدة مصادر أخرى من المجتمع الصناعى أو الدخول فى شراكات لتمويل البحث العلمى محلية ودولية والهيئات العالمية، لتبلغ، نتيجة لذلك، نسبة التعاون الدولى فى النشر العلمى 51% من إجمالى الأبحاث المنشورة للمصريين حول العالم، وهذه الأرقام كلها، بالطبع، تعطى انطباعًا بأن الاهتمام بالبحث العلمى فى مصر أمرٌ مفروغ منه، لكن يأتى الواقع دائمًا مخيبًا للآمال، فنسبة الإنفاق على البحث العلمى تكاد لا تتجاوز 0.72 من إجمالى الدخل القومى لعام 2015، وَفقًا للتقرير السنوى لمؤشرات العلوم والتكنولوجيا 2016 والذى أعده المرصد المصرى للعلوم والتكنولوجيا والابتكار بأكاديمية البحث العلمى، وقد ارتفع حجم الإنفاق على البحث والتطوير من 13.55 مليار جنيه عام 2014 إلى 17.56 مليار جنيه عام 2015، ليرتفع الآن إلى 21 مليار جنيه، كما يبلغ عدد الباحثين العلميين فى القطاعات المختلفة، حسب الإحصائيات، 127.7 ألف باحث بمعدل زيادة قدرها 3‪.‬15، كما احتلت مصر المرتبة الـ35 عالميًّا فى النشر الدولى فى مجال الأبحاث العلمية من ضمن 233 دولة على مستوى العالم، أى أعلى 15% من قائمة الدول، وهى أرقام تشى بتواضع الاهتمام بالبحث العلمى على أرض الواقع، خصوصًا إذا عرفنا أنه لا يوجد ربط واتصال بين الأبحاث العلمية التى تتم داخل مصر بالحياة العملية وتطبيقها على أرض الواقع، فلا يوجد تنسيق أو اتصال بين الأبحاث العلمية والواقع، أو بمعنى آخر لا يوجد تنسيق بين الجهات المعنية بالبحث العلمى المصرى وبين الحكومة، فمن النادر أن نجد ارتباطًا بين الوزارات المختلفة وبين مراكز وأكاديميات البحث العلمى، على الرغم من أن البحث العلمى فى السابق كانت له وزارة مستقلة، وعلى الرغم من أنه الآن يتبع وزارة التعليم العالى، ما يعنى أنه لا توجد خطة بحثية للدولة تربط بين القطاع الخاص والقطاع الأكاديمى والحكومة، وهذا هو الواقع بعيدًا عن أفلام المؤتمرات الوثائقية وتصريحات وزير التعليم العالى والبحث العلمى!
إن أزمة واحدة من أزماتنا المعيشة كأزمة نقص مياه الرى، وما نتج عنها من تشريع قانون بمنع زراعة الأرز فى عدد من المحافظات، يأتى البحث العلمى فيكفل حلها تمامًا، فلماذا لا تستفيد الدولة من البحث العلمى لحل تلك الأزمة، ولو مؤقتًا، ومع ذلك فلا يلتفت أحد إلى الأمر، كأن البحث العلمى فى مصر «ترف» و«كماليات» يمكن الاستغناء عنها، فمما هو معلوم أن أحد الأساتذة فى الهندسة الوراثية بجامعة الزقازيق استطاع، بعد جهود بحثية، الوصول إلى نوع من الأرز يسمى «أرز الجفاف» أو «عرابى 1، 2، 3»، وهو نوع لا يستهلك كميات كبيرة من المياه كالأرز العادى، ومع ذلك لم يجد هذا الأستاذ من الحكومة اهتمامًا، وكأن الأمر لا يعنيها، وعلى هذا فيمكن القياس، إذ إن كثيرًا من الباحثين يعانون للوصول إلى نتائج عظيمة فى أبحاثهم، ثم يكون مصيرها على «الرفوف»، كأنها حفريات، وفى مقابل ذلك فإن طائفة أخرى من الباحثين والأساتذة لا يهتمون بأمر البحث العلمى، لأسباب مختلفة متعددة، لذلك فهم يعدّون الأبحاث الخاصة بهم بهدف الترقية العلمية فقط، دون أن تكون بالضرورة بحوثًا جادة، كما أنها لا تلامس الواقع المعيش والحاجة العملية الحقيقية، ولعل تلك هى كبرى المشكلات التى تواجه البحث العلمى فى مصر على الإطلاق، ذلك أن عدم الارتباط بين البحث العلمى فى الجامعات واحتياجات المجتمع، يأتى نتيجة غياب الآليات المنظمة للعلاقة بين البحث العلمى والمجتمع، مما يهدر جانبًا مهمًّا من الثروة الوطنية، وتضيع جهود الباحثين فى أمور لا يحتاج إليها المجتمع احتياجًا حقيقيًّا للنهوض به والارتقاء!
ومما يؤسف عليه أن الدولة، منذ سنوات، لا تمتلك آليات واستراتيجيات للنهوض بقطاع البحث العلمى فى البلاد، على الرغم من وجود الإمكانات البشرية التى تزخر بها مصر، وقد أشرنا فى مقال سابق إلى أن شباب الباحثين، بل الطلاب أنفسهم فى المرحلة الجامعية، ينافسون فى أية مسابقة دولية بامتياز، لكن لا يجدون فى مقابل ذلك سوى كلمات الشكر والعرفان فقط، أما أن يجدوا مَن يتبنّاهم سواء من الحكومة أو من رجال الأعمال، فهذا من رابع المستحيلات، لأن عدم وجود منظومة تحكم البحث العلمى هو السبب، ولا أدل على ذلك من أن البحث العلمى فى مصر تارة يكون وزارة مستقلة، وتارة يكون تابعًا لوزارة التعليم العالى، ما يثبت أن الدولة تنظر إليه كونه «ترفًا» و«كماليات»!
إن مصير البحث العلمى فى مصر يتحدد عمومًا بوجود استراتيجية واضحة للبحث العلمى، وأن تخصّص الحكومة نسبة معقولة من الدخل الوطنى للإنفاق فى مجالات البحث العلمى المختلفة، وأن يكون الإنفاق موجهًا بشكل خاص إلى البحوث القابلة للتطبيق، وإيجاد آليات تنسيق وتعاون بين رجال المال والأعمال والقطاع الخاص من جهة، ومراكز البحث العلمى والتطوير من جهة أخرى، وتشجيع القطاع الخاص للمساهمة فى الإنفاق على البحوث العلمية كما يحدث فى الدول المتقدمة، وقد يكون هذا التشجيع فى صورة إعفاءات ضريبية أو جمركية، أو غير ذلك من صور التشجيع التى تحفّز تطوير البحث العلمى وسيولة وضمان الإنفاق عليه إنفاقًا جيدًا يضمن استمراره ونجاحه.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...