عُمر لم يُمَكِّن القبطى من محمد بن العاص.. ولم يقُل «اضرب ابن الأكرمين»

سمير درويش



عُمر لم يُمَكِّن القبطى من محمد بن العاص.. ولم يقُل «اضرب ابن الأكرمين»



حين تتحدث عن عدل عمر بن الخطاب، ستجد مجموعة من القصص التى تتناقلها الأجيال، وتكاد تحفظها لأنها مقررة فى كتب المدارس، وثابتة فى خطب الجمعة وفى الدروس الدينية بين المغرب والعشاء، بل لم يتركها شيخ من شيوخ الفضائيات إلا رددها بإيمان كامل، وتخطَّى الأمر ذلك إلى كبار المثقفين والكتاب الذين تعرضوا لهذا الأمر، مثلما فعل العقاد فى «عبقرية عمر»، أهمها قصة ضرب محمد بن عمرو بن العاص، وقول عمر بن الخطاب: «اضرب ابن الأكرمين» و«متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»، أهمها لأنها ليست ذاهبة فى معيار العدل حتى نهايته، بتمكين فرد من عامة الناس، قبطى من قبط مصر، بضرب ابن الوالى الأشهر، ولكن -أيضًا- لأنها مصحوبة بمقولات رنانة انتقلت من هذا السياق لتصاحب قصصًا أخرى، كأنها تميمة الحرية، مثل قصة وقفة عرابى، التى قيل إن الضابط المصرى ابن الفلاح لم يترجل عن صهوة فرسه أمام خديو مصر، وقال له «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»!

قصة ضرب محمد بن عمرو بن العاص منتشرة فى فيديوهات على موقع «يوتيوب»، يرويها عدنان إبراهيم، وعمر عبد الكافى، وغيرهما كثر، ووردت فى أكثر من مصدر فى كتب التراث التى يقدسها المحدثون، أهمها كتاب «فتوح مصر وأخبارها» لابن عبد الحكم، تقديم وتحقيق محمد صبيح، صـ114- 115 طبعة مكتبة مدبولى بالقاهرة، يقول: «كما حُدِّثنا عن أبى عبدة عن ثابت البنانى وحميد عن أنس بن مالك: فأتى رجل من أهل مصر إلى عمر بن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين: عائذ بك من الظلم. فقال: عذت معاذًا. قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربنى بالسوط، ويقول: أنا ابن الأكرمين. فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه، ويقدم بابنه معه. فقدم. فقال عمر: أين المصرى؟ خذ السوط فاضرب. فجعل يضربه بالسوط. ويقول عمر: اضرب ابن الألْيَمين. قال أنس: فضرب. فوالله لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فلما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصرى: ضع على صلعة عمرو. فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ابنه الذى ضربنى وقد اشتفيت منه. فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟ قال يا أمير المؤمنين: لم أعلم، ولم يأتنى». الأليميْن= الألأميْن، صيغة تعظيم لـ«لئيم».
وهناك رواية أخرى من المهم ذكرها، وردت فى «كتاب المحن» لأبى العرب التميمى، تحقيق يحيى وهيب الجبورى، دار الغرب الإسلامى ط3، صـ253- 254، تقول: «(حديث موقوف) قال أبو العرب: حدثنى غير واحد عن أسد بن الفرات عن زياد بن عبد الله البكائى عن محمد بن إسحاق، قال: حدثنى رجل عن ابن سيرين عن أنس بن مالك أنه قال: بينما نحن عند عمر بمنًى إذ دخل عليه رجل من أهل مصر، فقال: يا أمير المؤمنين إننى استبقت أنا ومحمد بن عمرو بن العاص فسبقته، فعدى على فضربنى بين ظهرانى المسلمين، وهو يقول: خذها وأنا ابن الكريمين، فجئت أباه أستأذنه فى ما صنع بى، فحبسنى أربعة أشهر ثم أرسلنى، فخرجت فى حاج المسلمين فجئت إليك لتأخذ مظلمتى، فقال: أعجل على بعمرو بن العاص وابنه، قال: فأوتى بهما، قال عمر: ويحك، ما بينتك على ما تقول، قال: الجند كلهم يا أمير المؤمنين من وافى الحاج منهم، فسأل الناس فأخبروه ذلك، فدعا بمحمد بن عمرو فجرد من ثيابه، ثم أمكن المصرى من السوط، ثم قال له: اضرب. فضرب المصرى، وعمر يقول: خذها وأنت ابن اللئيمين، حتى تركه. قال: ونحن والله ما نشتهى أن يزيده حتى نزع عنه، وقال عمر: أما والذى نفسى بيده لو ضربته ما أمسكت يدك عنه ما ضربت، ثم قال: علىَّ بعمرو. فأوتى به شيخ أصلع، فمزقت ثيابه ونحن والله نشتهى أن يوجعه ضربًا، ثم قال: اضرب. فقال: يا أمير المؤمنين إنه حبسنى ولم يضربنى. قال: أما والله لو ضربته ما أمسكت يدك عنه ما ضربت. قال عمرو: أما قد فعلت هذا لا نعلم لك، قال: أجل فاذهب حيث شئت والله يا معشر قريش إن تريدون إلا أن تردوا الناس خولا ما مثلهم ومثلكم إلا كقوم اصطحبوا فى سفر فقالوا لرجل تقدم فأمنا فى صلاتنا وأقسم علينا فيئنا أفأساؤوا بذلك أم أحسنوا».
الملاحظ هنا أن الرواية فى الحالتين مأخوذة عن أنس بن مالك خادم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذى عاش 103 سنوات، وهو آخر صحابى توفى، وروى 2286 حديثًا، ومع كل ذلك ستجد اختلافات جوهرية بين الروايتَين، ففى الأولى يقول عمرو بن العاص: «لم أعلم، ولم يأتنى»، أى أن القبطى الشاكى لم يخبره بما حدث وإلا أخذ له حقَّه، وفى الثانية يقول على لسان القبطى: «فجئت أباه أستأذنه فى ما صنع بى، فحبسنى أربعة أشهر»، فى الأولى لم يحدد مكان وزمان الشكاية، وفى الثانية يقول إنها بمنى وقت الحج، كما أن المدهش أن القبطى المصرى الذى هو من عامة الناس استشهد بجند الوالى الذين ضُرب أمامهم، فشهدوا معه ضد واليهم! كما أن عمر بن الخطاب بعد أن مكن القبطى المصرى من ضرب محمد بن عمرو، طلب منه أن يضرب عمرو بن العاص نفسه على صلعته، وقد مزقت عنه ثيابه! فأبى المصرى لأنه حبسه فقط ولم يضربه، وأنه -أى المصرى- قد استشفى حين ضرب محمد بن عمرو!
هذه القصة قد تكون دليلًا على عدل عمر لو صحَّت، لأنه مكَّن رجلًا من عامة الناس أن يقتص لنفسه من ابن الوالى، لكنها فى الوقت نفسه تدينه، لأنه ترك عمرو على مصر بعدها، كما تدين عمرو نفسه وهو من أكابر الصحابة، وفوق كل هذا فإن المصادر تقول إن هذه الرواية ضعيفة ومشكوك فى صحتها، لأن إسنادها ضعيف -كما ورد فى موقع «الإسلام سؤال وجواب»، وهو أحد المواقع المعتبرة عند السنة-: «لجهالة شيخ ابن إسحاق، وإذا روى ابن إسحاق عن المجهولين فربما أتى بأحاديث باطلة، قال ابن نمير: إذا حدث عن من سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث صدوق، وإنما أُتى من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة. وقال الإمام أحمد: قدم ابن إسحاق بغداد، فكان لا يبالى عمن يحكى، عن الكلبى وغيره، والكلبى كذاب» «تهذيب التهذيب 9/ 42».
والملاحظ كذلك أنه فى رواية «فتوح مصر وأخبارها» لابن الحكم انقطاع للسند، حيث يقول: حُدِّثنا عن أبى عبدة عن ثابت البُنانى وحُمَيْد عن أنس، ثم ذكر القصة، وصيغة «حُدِّثنا» مبنية للمجهول، أى بتجهيل مصدر الرواية، وهو ما يضعفها بالكامل، إضافة إلى أن أبا عبدة الذى روى عنده مجهول أيضًا فأصبح السند مظلمًا بهذه الجهالة، «وزاد الجهالة أنه بالبحث عمن روى عن ثابت فى تهذيب الكمال (3/ 244/ 797) وجِد أن عددهم (104) رواة، لم يكن من بينهم أبو عبدة، وأنه بالبحث عمن روى عن حميد فى المصدر نفسه (5/ 236/ 1507) وجِد أن عددهم (73) راويًا لم يكن بينهم أبو عبدة، وبهذا التخريج يصبح السند منقطعًا ومظلمًا» «منقول عن عائض القرنى». كما أنه فى رواية «كتاب المحن» لأبى العرب التميمى، يقول: حدثنى غير واحد عن أسد بن الفرات، وفيها جهالة للمصدر أيضًا.
الشك فى الرواية ليس معناه -فى رأيى المتواضع- أن محمد بن عمرو بن العاص لم يكن ليفعل هذا، بالعكس، فسيرته وسيرة أبيه تقول إنه يفعل ما هو أكبر، ويكفى موقفهما من الفتنة الكبرى وانحيازهما لمعاوية بن أبى سفيان طمعًا فى المال والجاه على حساب علِى بن أبى طالب وبنيه، إضافة إلى ما هو معروف عن ابن العاص فى أثناء ولايته لمصر من أنه كان يأخذ الكثير من المال لنفسه، وهذا رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نفسه ثم رأى الخليفة عثمان بن عفان، وهى -الآراء- منشورة فى الرسائل التى أرسلوها إليه يستصغرون الخراج الذى يرسله من مصر، مما أدَّى إلى عزله عنها وتولية عبد الله بن أبى السرح الذى ضاعف الخراج، لكن الرواة القدامى -على ما يظهر- كانوا يختلقون قصصًا لأغراض محددة، هنا لرفع شأن عمر بن الخطاب والحديث عن عدله وعدم تفرقته بين أحد كبار الصحابة وواليه على مصر، وبين قبطى من عامة الناس، والحقيقة أن القصة ليست منطقية، كما أن عمر بن الخطاب لا يحتاج إليها لإثبات عدله، بمفهوم العدل فى تلك الفترة، والغريب أن المحدثين من المشتغلين بالدين ينقلون هذه الروايات مع علمهم بضعفها، لأنهم يتصورون أن أحدًا لن يبحث عن صدقيتهم!



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...