بقلنا 50 سنة بنرقص كيكى.. ولسه

خالد كساب



بقلنا 50 سنة بنرقص كيكى.. ولسه



إذن، التريند اليومين دول على «كيكى»، الجميع يريد اللحاق بالتريند لتوثيق مشاركته فى تلك اللحظة التريندية التاريخية من تاريخ كوكبنا التعس، ونيل شرف المساهمة فى الإعلاء من شأن التريند أكثر وأكثر، الرئيس نفسه تحدَّث عن كيكى، مطالبًا باشمهندس طارق برفع أسعار البنزين أكثر براحته من منطلق أنه إذا كان الناس مقضيينها كيكى ورقص وتهريج فزيادة أسعار البنزين أكثر لن تزعجهم كثيرًا، ولكن.. هل الجميع فعلًا مقضيينها كيكى؟!

هل الكام فيديو المرفوعين على الفيسبوك ويوتيوب يمثلون شعب مصر؟! وهل كيكى فعلًا «تريند» خارج عالم النت الافتراضى؟! ولو أوقفت أى شخص من المتبهدلين فى دوامة الحياة الصعبة وسألته إذا ما كان قد عمل كيكى فى الشارع قبل ذلك، هل سيدرك بالفعل أن الكلام على رقصة أم أن دماغه ستروح إلى ما تم التعارف عليه بيننا فى ما يخص معنى الكلمة غير اللطيف؟! وهل معنى أن شوية البرامج بتوع رغى المساء والسهرة تحدَّثوا عنها واستضافوا بعض مَن عملوا كيكى فى الفيديوهات المنشورة أنها تعد «تريند» على أرض الواقع الحقيقى بعيدًا عن شاشات الموبايلات واللابتوبات والتليفزيونات؟! وهل لابد أصلًا من وجود «تريند» كل يوم؟!
هل سيحتضر الكوكب إذا لم يجد «تريند» يجمع أفراده؟! جوازة بقى أو طلاق أو أغنية أو رقصة أو كوميكس أو فضيحة أو فيديو أو بوست.. لا يهم، فكل تريند وله شكله الخاص وتأثيره الذى سيشكل طريقة مشاركة الناس فى تحويله إلى «تريند» من الأساس، لو بوست أو خبر يشيروه فيتحول إلى «تريند»، لو أغنية يرقصوا عليها فتتحول إلى «تريند»، لو حدث يفضلوا يهروا وينكتوا ويرغوا فيه فيتحول إلى «تريند»، لو إشاعة ينشروها فتتحول إلى «تريند»، المهم يكون فيه «تريند» يجمعنا!
ولكن هل التريندات فعلًا تجمعنا؟! وهل هناك -على أقصى تقدير- أكثر من مليون شخص فقط من الميت مليون مصرى يعرفون شيئًا عن عمايل الكيكى من عدمها؟! وما مدى تأثير التعامل مع الشاشات بوصفها الواقع الحقيقى المعيش على الواقع الحقيقى المعيش نفسه؟! وهل الحضرى ودرة ودينا الشربينى وياسمين رئيس والكام شخص ومراته اللى عملوا كيكى ورفعوها على النت هم مصر؟! وهل إذا أضفنا عليهم ويل سميث والكام شخصية عالمية والكام مواطن الأرضى من دول العالم المختلفة الذين عملوها يكونون هم الكوكب كله؟!
هل تستحق باقى ملايين مصر التعامل معهم بوصفهم بيلعبوا بعربياتهم؟! هل يستحقون رفع أسعار البنزين المرفوعة أصلًا والتى سيترتب عليها -إذا ما حدثت بالفعل وخرجت من نطاق كونها مجرد مزحة ومداعبة من السيد الرئيس للشعب إلى قرار بجد- زيادة فى أسعار كل حاجة أخرى، لسبب بسيط جدًّا، أن كل حاجة تحتاج فى النهاية إلى نقلها من مكان إنتاجها إلى مكان بيعها بالجملة، ثم من مكان بيعها بالجملة إلى مكان بيعها بالقطاعى، قبل أن تقبع على الرفوف أمامنا فى السوبر ماركتات بأسعارها الجديدة التى سوف تجعلنا نكتفى فى حالات كثيرة بمجرد النظر إليها بحسرة وتذكر أيام زمان عندما كنا نسحب من على الرف تلاتة أربعة منها بمنتهى الأريحية وعدم الشعور بالخطر من لحظة الوقوف أمام الكاشير؟!
هل الكيكى أصلًا رقصة جديدة على المصريين وهم الذين بدعوها وابتدعوها منذ السبعينيات عندما كنت تجد المواطن من دول متبهدل من الجرى بجانب الباب الخلفى للأوتوبيس فى رقصة كيكية مصيرية يومية فى انتظار اللحظة الحاسمة التى يستطيع فيها القفز إلى السلمة السفلية من الثلاث سلالم الخلفية بتوع باب الأوتوبيس؟! هل يستحق شعب بقاله حوالى 50 سنة بيرقص كيكى بجانب وسائل المواصلات أن نرفع أسعار البنزين عليه أكثر أم أنه يستحق مكافأته على سبقه وإبداعه وابتكاره رقصة كيكى من قبل أن يولد مغنى الأغنية نفسها أصلًا؟!
أيًّا كانت إجابات تلك الأسئلة، المهم أن هناك «تريند» ماشى اليومين دول اسمه كيكى، وبصرف النظر عن كونه «تريند» افتراضيًّا أو حقيقيًّا، وبصرف النظر عن كونه يعنى أى شىء أو لا يعنى أى شىء، وبصرف النظر عن التعامل معه بوصفه مصدرًا للبهجة ورقصة إيجابية أو بوصفه تفاهةً وهبلًا وكلامًا فارغًا، بصرف النظر عن كل هذا، دعونا ننظر إلى الموضوع بشكل سينمائى رمزى تجريبى تجريدى أكثر، دعونا نتخيل مصر بوصفها سيارة تسير على الطريق بسرعة ثابتة بينما الشعب يرقص بجانبها فى الخارج محاولًا اللحاق بسرعتها، ليقفز إليها مرة أخرى، تخيلوا معى الآن الشعب وهو يرقص بجانب السيارة، ها هو يرقص، ها هو يواصل الرقص، ها هو يستمر فى الرقص، الآن الشعب يحاول إنهاء الرقصة بعد أن أصبح منهكًا، يحاول القفز مرة أخرى إلى السيارة، لا يستطيع، يكتشف أن السيارة أسرع منه، لا يجد أمامه إلا الاستمرار فى عمايل الكيكى، فيعمل كيكى ويظل يعمل كيكى حتى يظهر على الشاشة من ظهره على هيئة سلويت أسود يتجه إلى قرص الشمس فى أثناء المغيب، بينما السيارة تسير بجانبه، لا منها بتسيبه وتمشى ولا منها بتتعامل مع إنهاكه بحكمة وتهدِّى شوية، حتى يستطيع القفز إليها مرة أخرى.



أقرأ أيضا

البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...
البلد

ترامب.. استراتيجية الانتصار!

في الوقت الذي يواصل فيه الديمقراطيون التصعيد ضد ترامب، في قضية أوكرانيا، على أمل أن ينجحوا بعزله، وهي المهمة المستحيلة، التي يعملون عليها، منذ أن فاجأ ترامب أميركا والعالم، بفوزه غير المتوقع بالرئاسة، يجوب ترامب القارّة الأميركية متحدّيا.