صوت رمضان الشيخ محمد رفعت

حاتم صادق



صوت رمضان الشيخ محمد رفعت



من الصعب أن تجد مصريا واحدًا -مسلمًا أو مسيحيا- فى شهر رمضان، إلا وكانت هناك علاقة حميمة بين أذنه وصوت القارئ الشيخ محمد رفعت.


فكلنا فى هذه الحالة سواء.. يرتبط أذان مغرب رمضان لدينا بصوت الشيخ محمد رفعت الذى رغم مرور هذا العمر على وفاته، فإنه ما زال يحتل فى الوجدان المصرى موقعًا استثنائيا بين قرّاء القرآن منذ أن افتتحت الإذاعة المصرية برامجها بصوته الملائكى، وكان تأثير تلاوته عابرًا للثقافات والأديان؛ لذلك لم يكن غريبًا أن يثور الأقباط احتجاجا على قرار إبعاده من الإذاعة، أو أن يعتنق قائد القوات الجوية الكندية، الإسلام؛ بسبب صوته الملائكى العذب الذى عندما استمع إلى صوته فى كندا تأثر به جدا وجاء إلى مصر ليبحث عن صاحب هذا الصوت الجميل، وذهب إلى مسجد فاضل باشا الذى كان يقرأ فيه، وأعلن إسلامه على يديه ولم يغادر مصر بعدها.


وُلد الشيخ رفعت فى 9 مايو 1882، فى حى المغربلين، أحد أحياء القاهرة القديمة، وقد كان شديد الجمال، إلا أنه أصيب بالرمد بعد عامين فقط من مولده؛ ما أدى إلى فقده البصر نهائيا فى إحدى عينيه وضعف الأخرى، أرسله والده إلى كُتاب الشيخ كشك ليدرس القرآن، فحفظ القرآن كله وهو فى السابعة، ثم توفى والده قبل أن يكمل العاشرة من عمره، ما اضطره إلى أن يتحمل مسؤولية إخوته، فبدأ يشارك فى إحياء ليالى الذكر والمآتم حتى ذاع صيته وأصبح مطلوبا فى كل مكان؛ نظرًا لجمال صوته وصغر سنه وقلة أجره. وبدأ فى الوقت ذاته يتعلم فنون وأسرار تلاوة القرآن.


ومأساة فقدان البصر التى عاشها الشيخ الجليل، قد بدأت بضعف بصره شيئًا فشيئًا حتى فقدت إحدى عينيه القدرة على الإبصار وظلت الأخرى ضعيفة، إلا أنه كان يرى بها بعض الشىء، وظل هكذا حتى عام 1936م، وبينما كان يقرأ سورة الكهف بمسجد سيدى جابر الشيخ بالإسكندرية، فإذا بالناس تحتشد بالمسجد على غير العادة، وقد التفوا حوله بعد صلاة الجمعة ليعانقوه ويقبّلوه. وبينما هم كذلك حاول أحدهم أن يصل إليه وسط التفاف الناس حوله ليقبله، فطالت أصابع يده تلك العين عن غير قصد، ففقأها وفقد بصره تمامًا بعدها.


وقد لا يعرف الكثيرون أو حتى يصدقون أن الشيخ رفعت كان من عُشاق الموسيقى، لذلك أصر على أن يدرسها ليهذِّب إحساسه وينمى مهاراته فى التلاوة، وكان الشيخ يستمع إلى بيتهوفن وموزارت وفاجنر باستمتاع، وفى جلساته الخاصة كان يعزف على العود ببراعة.. وقد قام بأداء بعض القصائد فى محطات الإذاعة الأهلية؛ مثل «أراك عصى الدمع» و«حقك أنت المنى والطلب».

ولا شك أن احتراف الشيخ القراءة والتلاوة وسط جيل من رواد وعمالقة الموسيقى والغناء، كالشيخ أبو العلا محمد وعبده الحامولى ومحمد عثمان، وتشرُّبه لحلاوة الصوت النغمى باقترابه منهم واستماعه إلى موسيقاهم وطربهم فى الأفراح والسهرات، كل هذا أسهم فى تجويد أدائه وتميز أسلوبه فى التلاوة. ولعل أصدق تصوير لهذا التميز والتفرد ما قاله عنه الشيخ الشعراوى: «إذا أردت أحكام التلاوة فالشيخ الحصرى، وإذا أردت حلاوة الصوت فالشيخ عبد الباسط، وإذا أردت النفس الطويل والفن الرفيع فالشيخ مصطفى إسماعيل، وإذا أردتهم جميعًا فالشيخ محمد رفعت».


ومن قبل الشعراوى، قال العقاد: «خير من يجسد الترتيل قيثارة السماء، الشيخ رفعت».


وكان محبو الشيخ رفعت من الفنانين كثيرين، ومنهم زكريا أحمد وأم كلثوم وليلى مراد، ولكن يبقى عبد الوهاب هو الأقرب إلى قلب الشيخ.


وفى عام 1934، ألغيت المحطات الأهلية، وأنشأت شركة «ماركونى» الإنجليزية الإذاعة المصرية، وعُرض عليه قراءة القرآن فى الإذاعة إلا أنه رفض؛ خوفًا من أن يكون الراديو موجودًا فى مكان غير طاهر فى أثناء القراءة، إلا أن الشيخ السمالوطى أقنعه أن القراءة فى الراديو ليست حراما، ولكن ضمير الشيخ لم يسترِح حتى ذهب إلى الشيخ مصطفى المراغى، شيخ الأزهر، الذى أكد له نفس الشىء، وأضاف أن الراديو سيكون وسيلة لسماع كل الدنيا لصوته الجميل، وهنا اطمأن قلب الشيخ وكان أول من رتّل القرآن الكريم فى الإذاعة، وكان يقرأ مرتين فى الأسبوع، مساء الثلاثاء والجمعة.. ولتميزه غير المعهود؛ كان المذيعون يقدّمون لتلاوته بلقب الأستاذ، فحرّك هذا مشاعر الغيرة عند زملائه من المقرئين، فما كان منه إلا أن طلب من مذيعى المحطة عدم تقديمه بهذا اللقب، احترامًا لمشاعر زملائه.


وبعد أن أصبح الشيخ رفعت المقرئ المفضل للمسلمين فى العالم أجمع، جاء مهراجا هندى ليعرض عليه إحياء ليالى شهر رمضان فى الهند مقابل 100 جنيه فى الليلة، فى الوقت الذى كانت تمنحه الإذاعة المصرية ثلاثة جنيهات فى الشهر، ورغم ضخامة المبلغ فى هذا الوقت، وفقر الشيخ، فإنه رفض لأنه لا يستطيع أن يترك مصر فى رمضان، وقال: «بإمكان المهراجا أن يأتى بأى شيخ آخر ليحيى له ليالى رمضان، لكن الفقراء هنا من سيفعل لهم هذا؟».. وهنا بدأ يضطهده مستشار الحكومة الإنجليزية فى الإذاعة، وكان صديقا للمهراجا؛ ما اضطره إلى ترك الإذاعة، فاشتعلت ثورة الناس. والمفارقة أن هذا الغضب كان أشد ضراوة عند الأقباط الذين طالبوا بعودته، فأصدر الملك فاروق قرارًا بعودته إلى الإذاعة ثلاث مرات أسبوعيا بدلا من مرتين، وأيضا يؤذن لصلاة المغرب يوميا فى رمضان، وهى العادة التى ما زالت مستمرة حتى الآن.


ولأن للأمراض، فى ما يبدو، مهارة فى اختيار مكامنها، فقد هاجمت «الزغطة» الشيخ محمد رفعت مع بداية عام 1943م، فكانت بداية رحلته مع المرض الذى احتار الأطباء فى علاجه منه حتى توفى عام 1950م. وكانت «الزغطة» شديدة جدا، حيث كانت تلازمه فترة طويلة تزيد على الثلاث ساعات يوميا، فذهب إلى الكثير من الأطباء وتم أخذ بعض المسكنات ولكن لفترة قصيرة، إلا أنها عاودته مرة أخرى، وكان الأطباء قد نصحوه بأن يشرب السوائل من الإناء بطريقة معينة، ما قد يساعد فى منع الزغطة.. وكان فى تلك الفترة يذهب إلى الإذاعة يومين فى الأسبوع هما الإثنين والجمعة، وذلك حتى عام 1948م، حيث اشتد عليه المرض الذى كان يهاجمه أغلب ساعات يومه دون انقطاع، حتى إنها هاجمته مرة فى أثناء قراءته بالإذاعة، فامتنع عن الذهاب إلى الإذاعة بعدها؛ لشعوره بالخوف على ضياع مكانته كقارئ عظيم، مكتفيًا بما قدم، حتى إنه فضّل القراءة فى أحد مساجد حى السيدة زينب، وهو مسجد فاضل، وكان يقرأ فيه القرآن دون أن يذهب إلى الإذاعة.


وفى يوليو عام 1949م، كانت مجلة «المصور» قد نشرت خبرا مصورا عن مرض الشيخ محمد رفعت، فأعلن الأستاذ أحمد الصاوى محمد عن فتح اكتتاب لعلاج الشيخ، وجمع التبرعات، فأثار ذلك الخبر حزن محبيه والمعجبين بصوته، وتم جمع ما يزيد على خمسين ألف جنيه.

وعندما علم الشيخ رفعت بذلك، قال: «أنا مستور والحمد لله، ولست فى الحالة التى تستوجب جمع هذه المبالغ، وإذا كان على العلاج فالأطباء يعالجوننى ولكنهم لم يستطيعوا وقف هذا المرض ومنعه كما أن هذه المبالغ أصحابها أولى بها منى»، وهنا كتب الأستاذ أحمد الصاوى بجريدة الأهرام يثنى على عفّة الشيخ رفعت وأخلاقه، وتأثير القرآن فيه وفى سمو نفسه وعلوها.


وللأسف الشديد، تجاهلت الإذاعة المصرية تسجيلات الشيخ محمد رفعت فى أواخر أيامه، رغم أنه كان فى أشد الحاجة إلى المال للإنفاق على علاجه، وكانت الإذاعة تذيع له تسجيلا واحدًا فى الشهر مقابل خمسة جنيهات!


وكانت الأمنية الملازمة له فى أيامه الأخيرة، أن لا يتوفّاه الله وهو مريض بهذا المرض الذى أثر فى صوته، وهو «الزغطة» وكان له أثر سيئ على حالته المعنوية والنفسية، ما أدى إلى احتجابه عن القراءة.


ولكن بعد هذا الصراع الدرامى مع المرض، شاءت إرادة السماء أن تكون وفاة الشيخ محمد رفعت فى يوم الإثنين 9 مايو 1950، نفس التاريخ الذى وُلد فيه، عن ثمانية وستين عامًا، وهب حياته فيها للقرآن الكريم.
وهكذا غيب الموت جسده ولكن بقى لنا دون غياب أو انقطاع صوته الملائكى القادم من السماء، على حد تعبير الموسيقار محمد عبد الوهاب.


رحل الشيخ محمد رفعت، لكن بقى صوته يصدح بخشوع، يأسر الآذان، ويصعد بالقلوب إلى السماء..
بقى الشيخ رفعت لأنه كان صادقا مع نفسه، ممتلئا تصديقا وإيمانًا بما يقرأ.. ولأنه فى ذات الوقت كان صوتا نابعا من آمال الناس العادية وآلامهم وأحلامهم وطموحاتهم.. من أفراحهم البسيطة وأحزانهم المميتة.. صوتًا ينمى فى المستمع الإحساس بالانتماء المصرى ويعكس من خلاله الذائقة المصرية الخاصة، وهويتها المستقلة فى الاستماع.


وحسب كلمات كاتبنا الكبير، محمود السعدنى، فى كتابه «ألحان السماء»: «ولكن هناك من بين الأصوات التى سمعناها، وما أكثرها! صوتًا يقف فريدًا غريبا باهرًا، وسر غرابته، فى رأى العبد لله، أنه استمد طبيعته من جذور الأرض، إنه صوت المرحوم الشيخ محمد رفعت، صوت الشعب».

الله يرحمك، يا عم الشيخ محمد يا رفعت.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...