رمضان جاء يطالبنا بالفريضة الضائعة

أحمد الشوربجى



 رمضان جاء يطالبنا بالفريضة الضائعة



ساعات تلو ساعات ونهار يصرع الليل وليل ينتصر فيعود من جديد، لتمر بنا الأيام ويمضى قطار الزمان على محطات متشابهة سميناها أشهرًا فى رحلة العمر التى لا نعرف متى ستنتهى ولا نملك فيها سوى المسير، هذه هى أول ذكرى وأول تذكرة نتذكرها حين يقف بنا قطار العمر على محطة العودة الجديدة المباركة لهذا الشهر الكريم، إن قطار العمر يمضى نحو محطة النهاية لا محالة، وإن رحمة الله بنا أننا لا نعرف متى تأتى هذه النهاية، لكنه -سبحانه وتعالى- يمنحنا فرصة فى هذا الشهر نلتقط فيها أنفاسنا ونصحّح فيها أخطاءنا ونغسل فيها نفوسنا من كل ما علق بها، فنعود وقد وُلدنا خلقًا جديدًا نفتح أذرعنا للحياة بعد أن نسجد على باب الله ندعوه أن يمسح على نفوسنا وقلوبنا وعقولنا بيد الرأفة والرحمة، فيطهرها من الآثام والأغلال التى عليها، فنعود نملك زمام قوتنا وإرادتنا بعد أن وقفنا مع أنفسنا وقفة جادة لنصلح فيها أشياء كثيرة.


والحقيقة أن الحيرة أخذتنى حينما سألت نفسى عن أولى وأهم هذه الوقفات التى ينبغى أن نقفها مع أنفسنا مع بداية هذا الشهر الكريم، لنزيل عنها بعض الأدران، ونمحو عنها بعض العلائق التى يجب أن تُزال وتُمحَى، فلم أجد أفضل ولا أحسن من أن أبدأ من حيث بدأ الوحى، فأتكلَّم عن أول ما تكلَّم به الوحى، فلا شك أن أول ما تكلَّم به الوحى وأول ما نزل به الوحى هو المهم والأهم.


ففى مثل هذا الشهر، شهر رمضان المعظم، الذى كان موافقًا لشهر أغسطس عام 610م، هبط الوحى من السماء إلى الأرض على النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، فى غار حراء، حاملا للبشرية كلها الرسالة المقدسة، معلنًا تبديد ظلمة الجهل والجاهلية بإشراقة الأنوار النبوية، فنزل أول توجيه وأول أمر وأول فريضة وأول كلام من الله تعالى إلى خلقه، فقال «اقرأ»، أول كلمة مقدسة هبطت من السماء إلى الأرض، اقرأ، «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ {1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ {3} الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ {5}».


القراءة، الكتابة، العلم.. هذا هو المنهج، هذا هو الدستور المقدس الذى لا يقبل التعديل، هذا أول وأهم ما يجب أن نتذكره حينما يلح علينا السؤال: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ وحينما تأتى الإجابات الزاعقة من حناجر المشايخ: تأخرنا لأننا نسينا منهج الله، ثم يشرعون فى شرح المنهج، فلا تراهم إلا وقد أغرقوا فى البُعد عنه رغم وضوحه وبساطته (اقرأ- العلم- القلم)، فلم يكن أول ما نزل «صلوا أو صوموا»، فكل أركان الإسلام وركائز الإيمان أتت بعد القراءة بكثير، حتى معرفة الرب جاءت مترتبة على القراءة، على العلم، على المعرفة، فقال: «اقرأ باسم ربك الذى خلق» فاقرأ تعرف ربك، اقرأ إن كنت متدينًا حقًّا، اقرأ بأمر ربك، فليس لك خيار إن كنت تريد أن تكون الأكرم والأعز والأفضل، اقرأ، هذا أول ما نزل به الوحى على الأرض، فى المرة الأولى لنزوله. فيا تُرى ما الرسالة التى نزل بها فى المرة الثانية من السماء إلى الأرض، المفاجأة أنها كانت «ن وَالْقَلَم وما يسطرون».


الحرف والقلم وما يسطره رسالة الوحى الثانية شرحًا وتأكيدًا للرسالة الأولى، رسالة المنهج، منهج الله الذى أراده لخلقه، حينما قدر أن تكون هذه الرسالة المحمدية هى خاتمة الرسالات، وبعدها لن ينزل الوحى من السماء إنما سيكون الوحى دائمًا مستمرًّا بينهم كمنهج «اقرأ»، فالقراءة هى الوحى الهادى المستمر.


«اقرأ»، و«ن»، و«القلم»، قال المفسرون: أول ما خلق الله القلم ثم العقل.


اقرأ، فإن معجزة نبيك «الكتاب» وإن رسالة الله الكبرى إلينا «الكتاب».


اقرأ، فالقراءة أول أمر، أول فريضة جاءتك من السماء.


اقرأ، إن كنت مسلمًا حقًّا فقد جعل نبيك المداد الذى يكتب به العلم خيرًا وأفضل من دماء الشهداء.


اقرأ، فإن الملائكة تضع أجنحتها تعظيمًا وتوقيرًا فقط لطالب العلم رضًا وإعجابًا بما يصنع ويفعل.


اقرأ، فالناس درجات ونبيك جعل الذين يقرؤون أقرب الناس لدرجة النبوة وجعل العلماء ورَثتهم.


اقرأ، فابن عباس وأبو هريرة جعلا القراءة فى جزء من الليل خيرًا من قيامه كله صلاةً ودعاءً.


اقرأ، فالصحابى الجليل أبو الدرداء جعل تعلم مسألة واحدة خيرًا من قيام الليل كله، وأبو ذر جعله خيرًا من صلاة ألف ركعة، وقال قتادة: بل معرفة باب من العلم أفضل من عبادة سنة، أما ابن مسعود فقد جعل الدراسة هى فى حد ذاتها صلاة، ومعاذ بن جبل جعل العلم والقراءة عبادة ومُدارسته تسبيحًا والبحث عنه جهادًا وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة وبذله لأهله قربة، أما أحمد بن حنبل فجعل مجرد تقليب ورق العلم خيرًا من قيام الليل، وزاد ابن الجوزى فجعله -تقليب ورق العلم- خيرًا من الصوم والصلاة والحج والغزو.


اقرأ، فكل العلماء السابقين جعلوها القربة الحقيقية فعلا حتى صورها ابن القيم فقال: القراءة والعلم القرب الحقيقى من رب العالمين، وهو الالتحاق بعالم الملائكة وصحبة الملأ الأعلى، وعز الدنيا والآخرة منوط به مشروط بحصوله. هذا هو قانون الله الذى شرعه لتقدُّم الأمم، فأيما أمة أخذت به تقدمت وإن كانت على الكفر المبين، وأيما أمة تركته تأخرت وإن كانت على الحق المبين، فالله لا يحابى ولا يجامل أحدا، بل ينفذ قانونه فقط لأنه سبحانه الحق العدل.


عرف ذلك الأوائل من المسلمين فكانوا يشترون الكتاب بمثل وزنه من الذهب، ولولاهم ما عرف الناس أرسطو ولا أفلاطون ولا سقراط، ولا فلسفتهم، فلما خلف من بعدهم من يحرم دراسة الفلسفة ويحقرها ويقدح فى من قدموها للبشرية تأخروا وصاروا فى ذيل الأمم، أفقر ناس وأضعف ناس وأقل ناس، حائرين تائهين، يتساءلون: لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟! والإجابة مسطورة أمام أعينهم يقرؤونها ويسمعونها ليلَ نهار «اقرأ»، «ن والقلم»، التعليم والعلم والقراءة نطق بذات الوصفة. «فولتير» حينما سُئل عمن سيقود الجنس البشرى، قال: الذين يعرفون كيف يقرؤون!



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.