رواية ينهيها الأطفال بلعبة دامية

شعبان ناجى



رواية ينهيها الأطفال بلعبة دامية



سوف أبدأ حديثى عن رواية «الدكان» لسمير المنزلاوى، والصادرة عن سلسلة روايات «الهلال» من نهايتها.. لماذا؟ لأننا عندما نصل إلى تلك النهاية نجدنا بإزاء نهاية غير تقليدية استخدم الكاتب فيها تكنيكا ربما لم يستخدمه كاتب من قبل، هذا التكنيك يتمثل فى أن الكاتب لم يضع هو النهاية، بل ترك للأطفال الصغار وضعها.

هؤلاء المبدعون الصغار الذين يمارسون مواهبهم التمثيلية فى الساحة الواسعة بقريتهم «العرفا» القابعة فى أقصى شمال مصر، حيث تدور الأحداث فى فترة الستينيات، وهى فترة النكسة التى نزلت علينا كالصاعقة.


كان الصغار يسجلون كل الأحداث التى تقع فى قريتهم، موجهين إليها نقدهم الساخر، وقد نجح الكاتب فى فكرة أن يقوم الأطفال الريفيون، الذين يظنهم الكثيرون لا يدركون شيئًا، بتأليف وتمثيل وإخراج رواية الدكان، حيث حددوا مسالك كل الشخصيات ومصائرها؛ فمثلاً جعلوا «صبرى» يعود حيًّا من الحرب وذلك عندما عثر عليه أحد البدو بإحدى الواحات، كما أعادوا «مخيمر» من الأسْر محملا بالمال والعطايا لتسترد أمه العجوز الفانية روحها وعافيتها، وأيضًا ألّبوا الناس على «الدمرانى» مبيّض النحاس الذى كان يسرقهم فضربوه وطردوه من البلد شر طرْدة.


أما أجمل ما تخيلوه هو قصة الحب المثيرة بين «نظمى» صاحب الدكان و«سميحة» التى مات زوجها «فتح الله» بداء الكبد، حيث اشترى نظمى عمارة فى مدينة سماديس، ليدارى على فشله فى الوصول إلى حبيبته، وليداوى جرحه بعيدًا عن أعين المتطفلين والشامتين، لكنه يجد قلبه يمور بالحقد داخله فيندفع لا يلوى على شىء، حائمًا حول منزل الحبيبة كى يقتل ندّه «إسماعيل» الذى خطفها منه، بينما يصمم «فريد» ابن نظمى فى الوقت نفسه على قتل معشوقة الأب كى يطفئ السعير فى قلب أمه «قدرية».


لكن المبدعين الصغار لم تعجبهم تقليدية الشخصيات واستقرارها.. فماذا فعلوا؟ صنعوا خيطًا دراميا ذكيا وهو مباريات الأهلى والزمالك، حيث اختاروا للصيادين تشجيع الأهلى، وللفلاحين تشجيع الزمالك، وهو الأمر الذى مهّد لنمو التعصب وتحريك الضغائن القديمة النائمة، فيستعر القتال بين الطرفين، ويروح ضحيته أناس كثيرون من أهالى العرفا، عندها تقرر الحكومة دكّ هذه القرية اللعينة المتمردة وتسويتها بالأرض، لكن العمدة «فخرى» يقف فى وجه الحكومة ويحول دون ذلك، ثم يعود منتشيًا بنصره المبين وبانتظاره للوليد المتشكل فى رحم فايزة، لكن الدراما «الصغيرة» تفاجئنا بموته ساقطًا من فوق حماره المطهم.


لم يتوقف طموح الصغار الفنى خصوصا بعد أن نضجت مواهبهم التمثيلية، فنجد قد ظهر فى أعمالهم راوٍ يعلق على الأحداث ويربط بينها بفواصل غنائية موسيقية، أو بمواويل وأشعار كتبها مسعود ضاحى، ولحنها بفمه، وذلك قبل أن يعتقل بتهمة قلب نظام حكم جمال عبد الناصر.


نجدهم أيضًا وقد استخدموا الديكورات والأزياء المعبرة عن الشخصيات والأحداث، فاستعانوا بالعمم والطواقى والطرح القديمة والعصى، كما استعانوا بالدقيق لتبييض البشرة والشعر والحواجب، كما جلبوا نبات الهالوك الأحمر لاستخدامه فى صناعة الجروح، ولتحمير الخدود والشفاه فى ما يخص النساء، أيضًا صنعوا شوارب الرجال ولُحاهم من «شُرّاب» الذرة ونبات ذيل الفأر.


هنا وبناءً على ما سبق، تتعدى رواية «الدكان» كونها عملا دائريا إلى كونها عملا لوْلبيًّا ذا أموج، إذا جاز لنا التعبير.

فرغم اكتنازه بهذا العدد الكبير من الشخصيات، فإن المنزلاوى لم يقصر فى حق أى شخصية قيد أنملة، فأعطى كلا منها ما تتكلف حمله دون زيادة أو نقصان.


كان هناك تماس ما بين الرواية وثورة يناير، فالدكان هو رمز الدولة المهيضة التى لابد أن تنهض من خلال التغيير الجذرى، وهو ما فعله «فريد» الشاب عندما أعاد ترتيب الدكان وتغييره كليا، فى الوقت الذى عكف فيه على كتابة القصص، وإن كنت أتمنى أن يكتب رواية يسميها «الدكان» فتكون هناك رواية داخل الرواية.



أقرأ أيضا

البلد

عرب 2019.. ما الذي يجمع هذه الشخصيات الـ12؟

وجوه جديدة فى السلطة بتونس والسودان، ووجوه أخرى تغادر المسرح فى لبنان والعراق، فى حين ينتظر الجزائريون حسم السباق الرئاسى لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وجوه ثالثة تترك المشهد بالقوة، تمامًا كما دخلته بالقوة، مثل أبى بكر البغدادى.
البلد

عرب 2019.. بين النفوذ الإيرانى والأطماع التركية.. حراك شعبى يفاجئ الجميع

بين سندان النفوذ الإيرانى ومطرقة الأطماع التركية، شهدت شوارع عواصم عربية حراكـًا شعبيًّا فرض كلمته فى نهاية المطاف، وانتخابات رئاسية أفرزت وجوهـًا جديدة، وصراعات سياسية ثقيلة مرشحة لأن تطل برأسها فى عام 2020. كانت رياح التغيير قوية، فى حين وجدت الاضطرابات طريقها إلى مدن وعواصم عربية مختلفة. فى المقابل، أثبتت الاحتجاجات القوية فى العراق ولبنان أن النفوذ الإيرانى فى العواصم التى كان يتباهى بالسيطرة على مفاصل القرار فيها، صار مهددًا إلى حد كبير.  
فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
البلد

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.
يرحمكم الله

البخارى يرد البخارى فى أحاديث الغيب

لماذا اختلف البخارى ومسلم فى صحة الرواية عن الخوارج؟ هل كانت السُّنة ستضيع لو لم يقم البخارى وغيره بتدوين الأحاديث؟ هل أحاديث البخارى مسلمٌ بها حتى لو خالفت العقل والمنطق؟ هل مصطلح الحديث الصحيح يفيد اليقين بأنه قول النبوة؟
تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟