الشائعة وجدار الثقة بين الحكومة والشعب




الشائعة وجدار الثقة بين الحكومة والشعب



الحالة فى مصر شديدة السيولة، والحكومة غير السياسية غير قادرة على مواجهة السوشيال ميديا، وفكرة التجريم والحصار والحجب التى تتبعها الحكومة والمجلس التشريعى غير مجدية فى عصر العولمة، فرغم حجب عدد كبير من المواقع، ففى المقابل برامج فك الحجب كانت أكثر انتشارًا، وتأتيك برابطها دون عناء من أكثر من جهة.

كان لدى جمال عبد الناصر إدارة داخل جهاز المخابرات مختصة بالشائعة والنكتة، ترصد الشائعات التى تروج داخل القطر المصرى، وكذلك النكت، ومن الممكن أن تطلق شائعات مضادة، أو تكتب تقاريرها للرئيس والحكومة لتخرج بيانات أو خطابات تواجه تلك الشائعات. فى السابق كان من الممكن أن تنتشر الشائعة خلال شهر أو شهرين، من قهوة إلى قهوة ومن منطقة إلى منطقة ومن مصطبة إلى دوار، ولكن الآن فى عدة ثوانٍ تكون تلك الشائعات قد ملأت السوشال ميديا بكثافة، لأن بعض الموجودين على تويتر لهم عدة ملايين من المتابعين، فبـ«كليكة» واحدة تصل إلى الملايين وعن طريق «الرتويت» تكون قد ملأت الفضاء الإلكترونى المصرى والعربى والناطق بالعربية فى كل مكان فى العالم.
كل يوم وليس كل أسبوع هناك شائعة جديدة «تقدر تقول مع كل قرار حكومى ومع كل خبر شائعة»؛ فمثلًا عندما تحدّث وزير التموين عن فيتامينات ستضاف إلى الخبز التموينى، تسربت شائعة ملأت السوشال ميديا بأنها محاولة لإخصاء الشعب، أو أنها موانع حمل أو مخفضات خصوبة.
شائعة التابوت المكتشَف فى الإسكندرية، فى أقل من دقائق كانت شائعة أن التابوت تبدل وأنه للإسكندر الأكبر وأنه كان من الجرانيت الأسود ثم تغير لونه. شائعة قانون الجنسية وأنه وُضع لصفقة القرن، وأن مَن سيدفع تلك الأموال ليسوا الفلسطينيين ولكنها الدول الخليجية التى ستدفع ثمن علاقتها الوطيدة بإسرائيل، ولتساعدها فى ضرب إيران. وإن غاب سلمان فترة عن الإعلام تخرج شائعة موته.
الشائعات منها ما هو سياسى وما هو متعلق بالشأن الاجتماعى أو الفنى؛ كخبر زواج فنان أو فنانة، أو طلاق، وهى ليست بنفس الأهمية فهى كثيرة ومتكررة وتأتى واحدة لتلقى بالأخرى فى الخلفية، ولكن ما يهمنى هنا هو الشأن السياسى، لأن تأثيراته على المديَين المتوسط والطويل شديدة السوء.
المشكلة ليست فى الشائعة فى حد ذاتها ولكن فى مدى انتشارها وتصديق الناس لها، فلو صدق الناس، أو نسبة كبيرة منهم أن التابوت تبدَّل، أو أن الحكومة تريد أن تقلل من خصوبة المصريين فهذا معناه أن جدار الثقة بين الحكومة والشعب انهار، وليس فقط تناقص أو تهدَّم جزء منه.
فى كل دول العالم مراكز البحث تقوم بقياس الرأى العام، ففى أمريكا ما يقترب من 200 قياس رأى عام سنويا من عدد من مراكز البحث بمعدل كل يومين قياس رأى عام فى الشأن الاجتماعى والسياسى والاقتصادى، وهذا القياس يحدد مسار الحكومة والشأن الاقتصادى والشأن الاجتماعى والبحوث الجنائية وغيرها. للأسف، فى مصر قياس الرأى العام ليس حرًّا، فهو تحت رقابة الأجهزة، ما يجعله فاقد المصداقية، ناهيك بضعفه وتراجعه، فكل عدة أشهر عندما نجد تقريرًا لمركز بصيرة عن الشأن العام السياسى أو الاجتماعى، وهذا يضعف مراكز البحث والدراسة للمجتمع.
إذا كان النظام له أجهزته الخاصة لقياس الرأى العام، وهى ليست للنشر العام ولكن للاطلاع الخاص، ومعلوماتى أنها موجودة، وهو شىء جيد فى حد ذاته حتى تعلم الحكومة أو الأجهزة توجهات الشارع، وتقيس نبضه أولًا بأول، وإن كان بشكل عام ليس صحيحًا، فالأصح أن تكون تلك الأبحاث والقياسات متاحة للصحافة وللرأى العام، وليست مقصورة على أجهزة حكومية أو تابعة للحكومة، ولكن هو شأن المجتمع المدنى كله، ولكن على افتراض خصوصيته ومتابعة الحكومة أو الأجهزة لتلك الشائعات. وما قلته من أمثلة ليس للحصر فهى شائعة اليوم أو أمس، وأنا أكتب تلك المقالة، ولكن كل يوم شائعة جديدة، فماذا فعلت الحكومة لتلك الشائعات؟ ما أراه هو الخروج للنفى من هذا الوزير أو ذاك، فعندما حدث انفجار بقرب المطار خرجت شائعة فى التو أن حركة الملاحة قد توقفت، فخرج وزير الطيران لينفى، وعندما تسربت شائعة التابوت، خرج مؤتمر صحفى من وزير الآثار لمحاولة إقناع الجموع، ولكن السؤال: هل أقنعهم؟ وهذا هو مربط الفرس؛ لأن هناك بيئة مساعدة لانتشار الشائعة وتمكنها من عقول الناس، وليس الرد هو حروب الجيل الرابع وما شابه من كلام، ولنفترض أن هناك هذا النوع من الحروب، فلها مواجهة بالشفافية والحضور الدائم للحكومة والاستباق، بمعنى إنشاء حساب مُوثَّق على تويتر لكل وزير، وكذلك على فيسبوك، ليقول بياناته بشكل يومى، أو مكتبه الإعلامى، فترامب له حساب موثق، وكذلك الرئيس السيسى، وهذا واجب كل وزير، وإذا كان الوزراء غير سياسيين فيجب أن يكون هناك مكتب للوزارات المهمة به مسؤول سياسى مخضرم، وكذلك مسؤول إعلامى على دراية كاملة بكل ما يجول فى السوشال ميديا، وأن يسبقها بخطوة، وبالنسبة للأحداث الهامة يجب أن تكون الشفافية هى العنوان، فمنذ الإعلان من الرئيس السيسى عن صفقة القرن فى أسيوط، منذ أكثر من عام، والكلام لا يتوقف من الإعلام ومن الشائعات عن الأمر، وتكتفى الدولة بالنفى، فخرج مرة وزير الخارجية لينفى فكرة منح الأرض أو بيعها، وعندما تحدث الإعلام عن فكرة البدل لا البيع، لم تخرج بيانات، وبشأن فكرة المطار والممر لقطاع غزة، خرجت التصريحات من جهات خارجية من إسرائيل ومن حماس، ولم تحاول الحكومة المصرية توضيح الأمور. لو اعتاد المواطن المصرى على الإعلام الخارجى لمعرفة الحقيقة، وهذه خبرة مصرية قديمة من أيام النكسة وأحمد سعيد، وكانت قد تغيرت بعد الثورة عندما قام الإعلام المصرى الخاص «السى. بى. سى» و«أون. تى. فى» و«المحور» و«دريم» بتقديم وجبة إعلامية دسمة ومتنوعة، اكتسب ثقة المصريين مرة أخرى، ولكنها الآن تتسرب بشكل متسارع، والحكومة ومَن يديرها يشاهدون المشهد دون أى حراك لوقف هذا النزيف، وبعد ذلك يتحدثون عن حروب الجيل الرابع، وإذا كانت هناك حرب من هذا النوع، فأنت تتخلى طواعيةً عن أسلحتك فى تلك المواجهة للطرف الآخر! نعم، كان لديك إعلام حُر يكتسب ثقة المشاهد، ينقد الوضع المصرى الداخلى، ولكنه فى المقابل يقدم حقائق تواجه الشائعات، ضاق صدرك بمستوى النقد فتخليت عن السلاح بالكامل، وأصبح المواطن يسمع القليل من الحقائق والكثير من الشائعات، كان هذا الإعلام يأتى بالوزراء ويسمح لهم بمستوى مشاهدة كبير للغاية، أما الآن فأى وزير أو مسؤول يأتى لهذا الإعلام المستأنس لا يحظى بنسَب مشاهدة تمكّنه من رد الشائعات وقول الحقائق، فلا تلومُنَّ إلا أنفسكم.
حجم السخرية يوازى الشائعة، وهو هائل وضخم ومخيف، فلا أظن أن هناك نظامًا سياسيًّا أو مجلسًا تشريعيًّا أو قضائيًّا لاقى هذا الكم من السخرية والنقد اللاذع، وهذا مخيف فعلًا لاستمرار التماسك فى هذا الوقت الحاسم من تاريخ مصر، ويجب تدارك الأمر قبل الانزلاق؛ لأن الأمر مخيف فعلًا لاستمرار أى دولة تحت هذا القصف، الحكومة والنظام تخلوا طواعيةً عن قوتهم الناعمة، مثقفيهم وكُتابهم وصُناع الدراما والسينما، فهم يعملون خارج النسق العام لأنه لا يوجد نسق عام متفق عليه، عندما كان للدولة برنامج ثقافى ومحاور للتوعية كانت الحركة الثقافية والفنية تتماشى معه، ففى عهد عبد الناصر كانت القومية العربية على مستوى الهوية والأيديولوجيا، وكانت الاشتراكية على المستوى الاقتصادى، وفى عهد السادات الحديث عن السلام والتفرغ للتنمية والانفتاح رغم النقد الموجَّه له، ولكن كانت هناك حركة ثقافية وفنية موازية لتأكيد الحراك الجديد، الذى ارتفعت وتيرته بعد تفكك الاتحاد السوفييتى، وكان المسار السياسى يتحدث عن رعاية السلام والتوافق مع المنظومة الدولية وعلاقات شبه ثابتة مع الخليج والغرب. الآن المنطقة سائلة ومتحركة، ومعدلات الثبات فيها ضعيفة للغاية، والنظام يعمل منفردًا خارج محيطه الثقافى والفنى.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.