الرجعية الدينية أساس مشكلات الزواج العرفى

محمد داود



الرجعية الدينية أساس مشكلات الزواج العرفى



الزواج، ويقال رجعيًّا «النكاح».. تعريفات الرجعية الدينية للزواج كثيرة والمعنى واحد، مثل: «عقد وضع لتمليك المتعة بالأنثى قصدًا»، «عقد يفيد حل استمتاع الرجل بامرأة لم يمنع من نكاحها مانع شرعى قصدًا»، «عقد وضع لتمليك منافع البضع»، «عقد يتضمن إباحة الاستمتاع بالمرأة بالوطء ونحوه إذا كان غير محرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة». المال مقابل «منافع البضع»، هذا مختصر التنظيم الفقهى الرجعى للزواج الذى ينتج فى الواقع مسميات مثل: المهر، النفقة، المتعة، البكارة، العِدَّة، تعدد الزوجات.. إلخ، كما ينتج ظواهر مثل تزويج الأطفال والزواج العرفى.

وقرار الزواج فى الواقع المصرى -الرجعى بطبعه- غالبًا أُسرى أى قبلى معبّر عن الشمولية وإلغاء الفردية، ويقال: زوَّجتك ابنتى على الصداق المسمى بيننا، وقبلتُ زواجها. وفى حديث: «إذا جاءكم مَن ترضون دينه وأمانته فزوجوه». المخاطَب هنا رجال الأسرة «القبيلة» لا المرأة نفسها. دائمًا خطاب العقل الرجعى موجه من رجل إلى رجال. الوضع الحالى معبِّر عن هيمنة قبلية على «منافع البضع»، والأصل أن الرجل يضع فى جيبه مهر ابنته، وقد أملت ضغوط الواقع الاقتصادية تغيرات شكلية بهذا الشأن، لكن جوهريًّا المفاهيم الأصلية فاعلة.
وفى حديث منسوب إلى الرسول: «استوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله فى النساء، واستوصوا بهن خيرًا»، الرؤية الرجعية لهذا الحديث مثال على أن خير الرجعية الدينية كشرها، أساس التوصية على النساء رجعيًّا أن الرجل هو السيد الراعى الوصى صاحب القوامة، فيكون ظاهر المنطوق «حسن» وباطنه «عنتر»، والعوان هو الأسير أو شبه ذلك، هذا أصل العلاقة رجعيًّا، آخذ ومأخوذ، مالك ومملوك، سيد وأسير. لغة الكلام، النكاح، الوطء، استحلال الفروج.. إلى آخره. الانتقاء الفاسد ممن فُرِضوا علينا فقهاء ومفسرين مال بهم وبنا مع مثل هذه النصوص والتعبيرات على حساب نصوص مثل «… وجعل بينكم مودة ورحمة»، «هنّ لباس لكم وأنتم لباسٌ لهنّ». كان ممكنًا مثلًا أن يتساوى الرجل والمرآة فى كل شىء حتى الميراث حسب نص مثل: «ولهنّ مثل الذى عليهن بالمعروف».
ويقول تعالى: «فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن»، الخطاب الدينى الرجعى جعل من نفسه الوكيل الحصرى لله وقرآنه، وفى بعض الهوامش الشارحة للمتن القرآنى حديث: «أعط الأجير حقه قبل أن يجف عرقه». وللآية فى مصحف ابن مسعود نص مختلف: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن». هكذا أباح بعض الفقهاء «نكاح المتعة»، على مستوى اللغة الرجعية الفصحى تعبر كلمة «النكاح» عن العملية الجنسية ذاتها والزواج كمؤسسة اجتماعية، ومقابل العطاء المالى الذكورى فإن الاستمتاع بـ«منافع البضع» دائم فى الزواج التقليدى ومؤقت فى زواج المتعة المباح شيعيًّا والمختلف عليه سُنيًّا.
هذا ويقول العقل المصرى الرجعى بطبعه: «الحب بييجى بعد الجواز»، وتقول الرجعية الدينية: «اضربوهن بالسواك فقط»، ينبغى أن تكون العلاقة بين الرجل والمرأة فى مصر للأبد كما كانت بين أُحيحة بن صخر الخزاعى وعفراء بنت حنظلة النخعى فى القرون ما قبل الوسطى بصحراء نجد والحجاز، ينبغى أن يكون كل رجل أُحيحة وكل امرأة عفراء، ينبغى منع تطور العلاقة الزوجية إلى الشراكة المتكافئة بعقد أساسه المساواة والفردية بدلًا عن القبلية والقدرة المالية الذكورية، وتعدد الزوجات، والطلاق من طرف واحد، والطلاق الشفهى، وتحقير المرأة، والمأجورية، «وتملك منافع البضع» وغير ذلك من مفاهيم ماضى صحراء نجد والحجاز.

 

الحريات الاجتماعية
العنوان الكبير للرجعية الدينية -وغايتها- إهدار الحياة فرديًّا وجماعيًّا، من ذلك استنزاف الوقت والجهد والمال فى مبالغات العبادات والبناء المهووس للجوامع وحصار الفرد وتسميم علاقته بالجنس الآخر وكبته جنسيًّا، خصوصًا مع تغيُّر الظروف، والنتيجة تفاعلات مهلكة بلا حصر كالعادة السرية، والإقبال الفصامى على المواقع الإباحية، والاستهلاك غير الآدمى للفياجرا والترامادول، والحرص الوجودى على الحجاب والنقاب، والغضب الدامى من صورة لامرأة مشهورة بالمايوه، وإشكاليات البكارة، وما يقال لها «جرائم الشرف».. إلخ.
والحرية الاجتماعية لا تعنى الفوضى، بل تعنى الفردية والمسؤولية، والتخلص من تغليب الوظيفة البيولوجية للمرأة على إنسانيتها، والمساواة الفعلية بين الجنسَين، والثقافة الجنسية، وتحرير الجنس من فكرة الصراع لصالح فكرة الشراكة، وتحرير مفهوم الشرف من عقدة الجنس لصالح الفضائل، والقضاء على ذهنية تناكحوا تكاثروا، والتخلص من المفاهيم الرجعية الدافعة للتمظهر الاستعراضى والنفاق والتناقض والفصامية، بما ينعكس على الاختيارات الفردية والجماعية، لا غنى للحريات الاجتماعية عن أساس قيمى يميز بين الزواج كمؤسسة اجتماعية متعددة الأبعاد، والعلاقة الجنسية كاختيار حر فردى ومسؤول بلا تأثيم اجتماعى. ولا يمكن لذلك أن يوجد على أرضية دينية، حتى لو توافرت أسس نقلية مثل حديثَى «البخارى»، الأول: «كنا فى جيش، فأتانا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنه قد أذن لكم أن تستمتعوا، فاستمتعوا. وقال ابن أبى ذئب: حدثنى إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما رجل وامرأة توافقا، فعشرة ما بينهما ثلاث ليال، فإن أحبا أن يتزايدا، أو يتتاركا تتاركا. فما أدرى أشىء كان لنا خاصة، أم للناس عامة»، الراوى: جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع.
والثانى: «أُنزلتْ آية المتعة فى كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ولم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء». الراوى: عمران بن الحصين. والرجل المقصود هنا هو عمر بن الخطاب.
يتعامل الخطاب الدينى الرجعى مع مثل هذين الحديثين بالتأويل والتشويه لصالح التضييق والمزايدة، وحصار الفرد وإهداره.

 

«النكاح» العُرفى
نحتاج إلى تغيير قيمى شامل وصولًا إلى الحريات الاجتماعية، معنى مثل «الانحلال» يحيل رجعيًّا للجنس، لهذا -مثلًا وتكاملًا مع العداء للعقل والآخر المختلف- يوصف الغرب بالانحلال، العقل الرجعى لا يرى فى إهدار قيمتَى الوقت والعمل انحلالًا لا سمح الله، هكذا تنحط المفاهيم الرجعية بالإنسان لما قبل القرن السابع الميلادى، وينشأ النكاح العرفى كتحايل لحل الصراع بين الرغبة الجنسية، وضغوط المجتمع الرجعى، الشمولى، المعادى للحريات الفردية، وتجيز الرجعية الدينية الزواج العرفى رغم ما فيه من تفعيل للفردية، وسر تلك الموافقة -أو الصهينة- الدينية الرجعية على الزواج العرفى هو أنه يتماشى مع عدائها لفكرة الدولة والقانون كتمثيل للعقل، وأن فى تسمية العلاقة بـ«الزواج العرفى» حرصًا من الطرفين على اكتساب الشرعية الرجعية، ولو كانت شكلية، الخطاب الدينى الرجعى عمومًا مظهرى وشكلى.
ويحدث الزواج العرفى على خلفية مفاهيمية منتقصة من المرأة، فتكون حقيقته علاقة سرية تقوم -غالبًا- على صيد الذكر لأنثى يعتبرها أداة للمتعة، لا شريكًا نديًّا حرًّا، فى المقابل قد تجد المرأة أن الإنجاب وسيلة توريط -صيد!- للطرف الآخر، أو قد تتورط هى معه نتيجة غياب الثقافة الجنسية، هذا هو الفيلم الرجعى الذى أنتج مرارًا بأبطال مختلفين مثل «هند الحناوى وأحمد الفيشاوى» و«زينة وأحمد عز»، والنزاع القائم حاليًّا بين صحفية وفنان تشكيلى، وغير المشهور من الوقائع أكثر.
فى واقع ماضى صحراء الحجاز كان يُنظر إلى الطفل كثروة، لدرجة نوع من الزواج يدعى الاستبضاع يرسل فيه الرجل زوجته للحمل من رجل آخر ذى صفات «مميزة» يرغب الزوج فى وجودها بالأطفال المنسوبين إليه، وعندما كانت تضع إحدى العاهرات -ذوات الرايات الحمر- طفلًا، كان كل مَن ضاجعها يتمنى أن تختاره هو والدًا للطفل من دون الآخرين.
هذا يجلى بعض جوانب النظرة الرجعية الشمولية لفكرة النسب بيولوجيًّا وقبليًّا. الفرد مجرد عنصر فى القبيلة، جنيه ورقى فى رزمة فلوس، طوبة فى جدار، حبة رمل بصحراء نجد والحجاز. هذا قد يسهم فى فهم ما يقال له رجعيًّا «منع اختلاط الأنساب» الذى اقتضى تحريم التبنى، وإعلانه بآيات قرآنية وبيان عملى عبر زواج الرسول من زينب بنت جحش التى كانت زوجة ربيبه وابنه بالتبنى زيد بن حارثة. ورغم إبطال ممارسات كزواج الاستبضاع، فالمفاهيم باقية ومحملة على المقدس عبر منتجات مثل حديث «الولد للفراش»، الذى هو نقيض لحجة إبطال التبنى التى هى «منع اختلاط الأنساب».
الرؤى الرجعية للعلاقة بين الرجل والمرأة أساس القوانين الحالية، رغم تغيُّر الظروف، حيث لم يعد الرجل يسعى للحصول على طفله الذى كان ثروة وصار عبئًا فى «النكاح» العرفى الذى هو غالبًا سرى وبغرض الفرفشة، ولا تُلزِم القوانين الأب «الناكح العرفى» بإجراء تحليل البصمة الوراثية كمتغير حديث وحاسم، هذه قوانين مصممة على مقاس واقع صحراوى بدوى قديم، حيث من المتوقع أن يهرول الرجل للاستئثار بالطفل الثروة، ولوقت قريب كان بإمكان أى عفراء أن تذهب للسجل المدنى وتسجل ميلاد طفل باسم أى أُحيحة، حيث تفترض الأرضية الرجعية التى وضعت فيها قوانين العمل ولوائحه أن من المستبعد ذهاب شخص لينسب طفلًا «ثروة» لغيره، فليس من المتخيل منح هذه الثروة لغير صاحبها، بمثل ما هو مستبعد أن يتبرع شخص لإيداع مليون جنيه فى حساب آخر بلا مناسبة، كما أن الطبيعى من كل أُحيحة الترحيب بمفاجأة مثل مليون جنيه فى حسابه. 
هذه لمحة من الفساد فى حياتنا على أسس قد تبدو بعيدة عن أصولها الدينية، أهم ما ينبغى تحقيقه من القوانين فى بلادنا هو إعادة إنتاج ما أمكن من واقع بدو ما قبل القرون الوسطى باعتباره أمر الله وحكمه.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...