ما تبقى من عقلية يوليو.. هل يوليو جعلتنا نتصور دائمًا أننا فى حرب؟

عمرو صلاح



ما تبقى من عقلية يوليو.. هل يوليو جعلتنا نتصور دائمًا أننا فى حرب؟



66 عاما مرت على ثورة يوليو، تغير العالم فيها جذريا، سقط سور برلين، انهار الاتحاد السوفييتى، تحرر كثير من الشعوب من السلطويات، ازدهرت قيم العولمة ومفاهيم التجارة الحرة، صعد الكثير من البلدان النامية، وحقق العالم تطورات علمية وتكنولوجية هائلة. لكن الكثير منا ما زال واقفا عند لحظة بعينها، غير قادر على تخطيها أو الرؤية بعيدا عنها، وكأن كل هذا لم يحدث.

عند عقلية يوليو يظل التمسك حاضرا بمجموعة القيم التى رسختها الثورة فى العقل المصرى وتوارثتها نظم الحكم من بعده، وأصبحنا عبرها نرى الكثير من الأمور، ووفقا لها نقيم أنفسنا والآخرين كذلك. نرى مجتمعنا ونرى العالم، نفسر ما هو التقدم والتأخر، ماهية النصر والهزيمة، معايير النجاح والإخفاق، نحدد من العدو ومن الصديق، بعيدا عن المنطق، عن العلم، عن الأرقام، عن القيم الإنسانية المشتركة.
عقلية يوليو قدمت لوعينا تصورا خاطئا حول أنفسنا كأفراد، نحن جنود مسخرون لخدمة هذا الوطن والتضحية فى سبيله. ليس مهما ما يعطيه لنا الوطن «الذى عادة هو النظام السياسى الذى يحكمنا»، لكن يجب أن تذوب فرديتنا فى جماعية هذا الوطن ومصلحته. يجب أن نقدم دائما دون أن نسأل ما المقابل، يجب أن نضحى دائما دون أن نفكر فى ما هو العائد، يجب أن نفكر دائما فى المجموع وفق خطة نظام سياسى مشخصن يعرف بالضرورة مصلحة الملايين أكثر منهم، ويجب أن ندفع ونتحمل أعباء إخفاقات لم نكن شركاء فى قرارات أدت إليها.
عند عقلية يوليو ما زال بعضنا ولربما الكثيرون يبحثون عن الزعيم القوى، البطل، المنقذ، المخلص. لا يهم شكل النظام السياسى ومؤسساته ونجاعته وكفاءته ومرونته. لا تهم الأدوات العلمية فى تقييم النجاحات. لا يهم الدستور والقانون، لا يهم مستوى الخدمات وظروفنا الاقتصادية والاجتماعية، بل يهم أنه يحكمنا زعيم قوى يصون كرامتنا ويحفظ هيبتنا!
عقلية يوليو قدمت لنا هذا المزيج المرعب الذى لا يفرق بين الوطن ومن يحكمه. هم شىء واحد دائما وأبدا. فإن كنت معارضا لمن يحكم فأنت معارض للدولة والمجتمع، وإن كنت مختلفا معه فأنت حليف للعدو وتعمل لصالحه ضد مجتمعك، وإن كنت تفكر فى عدم صلاحية من يحكم فأنت بالضرورة تفكر فى عدم صلاحية بقاء هذا الوطن من الأساس. فأنت جاسوس محتمل دائما، إلى أن تُثبت أنك مع من يحكم ولست ضده.
عقلية يوليو قدمت لنا أسوأ خطايا وانتهاكات «كالمراقبة، والتهديد، والسجن، والتعذيب، والابتزاز، والتشويه، والتقييد، والمنع» على أنها أخطاء واردة، محتملة، ممكنة، مفهومة، مقبولة حينما تأتى فى ظروف معينة، وعلى أنها أخطاء يمكن أن تحدث فى أى نظام سياسى ما دام هناك ما يجبها، مثلما علمتنا أيضا التسامح مع الإخفاق والفشل، حتى لو كان إخفاقا شديد القسوة، عالى الكلفة، مهينا، مدمرا، يعيدنا عقودا للخلف بشكل يستحيل إصلاحه، لكنه فى المقابل قابل للغفران، يمكن التسامح معه، يمكن التقليل من شأنه وتداعياته والتحرر من مسؤولياته ووضعه على كتف آخرين.
عقلية يوليو جعلتنا عرضة دائما لتصديق الأكاذيب، فنحن نصنع دائما نهضة صناعية حتى لو لم نشعر بها، نبنى ونؤسس لأكبر المشاريع والإنجازات حتى لو لم يبدُ تأثيرها على حياتنا التى لا تتحسن. نحن نسعى للاكتفاء الذاتى والاستقلال، نحن نقض مضاجع العدو، نرهبه، نخيفه، نسقط طائراته، وصواريخنا قادرة على ضرب عمقه، نحن قادرون على أن نلقى به فى البحر!
عقلية يوليو قدمت لنا نموذج الدولة العاجزة التى تنتظر الهزيمة، لأن أجهزة أمنها موجهة للداخل وليست للخارج، الصراع السياسى داخلها على النفوذ يحظى بأولوية. الهوس من الانقلاب والثورات والوصول إلى السلطة بشكل غير ديمقراطى، وفى المقابل فإن الحفاظ على تلك السلطة بشكل غير ديمقراطى كذلك هو ما يحظى بالأولوية والطاقة والاهتمام.
عقلية يوليو هى من رسخت لدينا مفهوم أن النقد أو الكلمة الحرة هى فى الأغلب شائعة كاذبة، يبثها الخونة ويروجها المتآمرون، أعداء الوطن، وأعداء الثورة لهدف ما فى النفوس. وهى نفس العقلية التى علمتنا تقديس الرمزية على حساب البشر، حيث الشعار أهم من الفرد، والعلم والقَسم والنشيد الوطنى أكثر قدسية منه.
عقلية يوليو هى من علمتنا أننا فى حرب دائمة، حرب سياسية واقتصادية، وأخرى تستهدف غزونا ثقافيا وهوياتيا. منذ نشأت الأرض ونحن مطمع لأحلام توسعية استعمارية ومخططات للتفتيت والتقسيم. نحارب أو لا نحارب، نعقد اتفاقات سلام أو شراكات أو لا نعقد لا يهم، فنحن مطمع وسنظل مطمعا. هناك دائما عدو يستهدفنا ويتربص بنا، ومن ثم فلا يجب أن نختلف، ننتقد، نرفض.. يجب أن نبايع نظامنا السياسى، ونجدد البيعة إلى ما لا نهاية. فنظامنا السياسى هو صاحب التفويض الأبدى لمحاربة العدو ومواجهته إلى أن يختفى العدو وأحلامه وطموحاته، وبالطبع لم يختفِ العدو ولن يختفى.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...