فوضى ترامب تسمح لبوتين بالاستيلاء على الشرق الأوسط

تشاك فريليتش



فوضى ترامب تسمح لبوتين بالاستيلاء على الشرق الأوسط



 

ترجمة: أميرة جبر عن «هآرتس»

 

فى السنوات الأخيرة استعادت روسيا مركزها فى الشرق الأوسط، وبقوة، إلى حد أنها ربما تستبدل الولايات المتحدة كالقوة الأجنبية القيادية فى المنطقة.

وقد نتج نجاح روسيا عن مزيج من الدبلوماسية الماهرة وبيع الأسلحة والمفاعلات النووية عبر المنطقة من إيران إلى المغرب. وأسهم كذلك فى نجاح روسيا ضعف السياسة الإقليمية فى ظل إدارة أوباما وما تبعها من فوضى عارمة فى عهد ترامب. والسياسة الروسية معقدة، ولكنها استفادت أيضا من الفراغ الذى تركته الولايات المتحدة.
والهدف الاستراتيجى الأساسى للرئيس فلاديمير بوتين هو أن يستعيد القيادة العالمية الروسية، أو فى قول أقل رقة، أن يغزو الولايات المتحدة حيثما أمكن.
ومشكلته الرئيسية هى أن روسيا لا تملك الكثير لتقدمه؛ فهى لا تستطيع منافسة الولايات المتحدة والدول الغربية على المستوى الاقتصادى، وعادة على المستوى الدبلوماسى، وكل ما لديها لتقدمه هو السلاح والتكنولوجيا والطاقة النووية.
والشرق الأوسط من المناطق الرئيسية فى العالم حيث تستطيع روسيا اليوم السعى وراء مطامحها. وأغلب مبيعات الأسلحة العالمية مع دول شرق أوسطية وهناك سباق بينهم للحصول على مفاعلات طاقة نووية. ويوفر استعداد موسكو لبيع الأسلحة والمفاعلات لهم، وحفاظها على علاقات مقربة مع الأنظمة المارقة كتلك الموجودة فى دمشق وطهران، يوفر لها درجة من التأثير لا تملكها فى غالبية ما تبقى من العالم.
فى سوريا، نجحت روسيا بحد أدنى من النشر لسربين مقاتلين فى تغيير دفة الحرب الأهلية، وأسهمت فى استقرار نظام الأسد ودافعت عنه ضد اتهامات بأنه استخدم أسلحة كيماوية مرارا وتكرارا رغم وجود أدلة واضحة على أنه قام بذلك.
وسمحت روسيا لإيران والميليشيات التابعة لها أن تنزف على الأرض فى سوريا بينما بالكاد دفعت هى أى ثمن على الإطلاق مقابل تدخلها. وبذلك، أنهت مخاوف أوباما من التدخل، خشية أن تغرق الولايات المتحدة فى المستنقع السورى، ودمرت نبوءته بأن سوريا ستكون فيتنام الروسية.
وقد جعل كون روسيا اللاعب الوحيد فى سوريا اليوم الذى يحافظ على علاقات مع جميع الأطراف المعنية جعلها الفاعل القيادى هناك والوحيد الذى ربما قد يستطيع أن يأتى بحل دبلوماسى للأزمة المحلية وأن يمنع صراعا مباشرا بين إيران وإسرائيل.
كما نجحت روسيا فى ضمان أن وجودها فى سوريا، فى قاعدة الحميميم الجوية وقاعدة اللاذقية البحرية، سيكون للمدى البعيد. ونُشرت أنظمة دفاع جوية متطورة «إس ٣٠٠» و«إس ٤٠٠» -يديرها أفراد روسيون فقط حتى الآن- للدفاع عن هاتين القاعدتين، الأمر الذى يوفر لروسيا القدرة على إبراز القوة عبر الشرق الأوسط.
وفى مصر، بعد ٤ عقود من اصطفاف القاهرة التام مع الولايات المتحدة نجح بوتين فى استخدام غضب النظام تجاه واشنطن عقب الإطاحة بمبارك والعقوبات الأمريكية على مبيعات الأسلحة لتعميق العلاقات. وجُددت الروابط العسكرية بما فى ذلك بيع نحو ٥٠ طائرة مقاتلة «ميج ٢٩» وعدد مشابه من طائرات الهليكوبتر الهجومية وصواريخ «إس ٣٠٠» وتدريبات عسكرية مشتركة.
ويتعاون البلدان الآن فى ليبيا بما فى ذلك نشر قوة عسكرية روسية صغيرة فى غرب مصر. والعام الماضى عُقدت صفقة لتقديم ٤ مفاعلات طاقة نووية روسية إلى مصر.
والآن تخشى السعودية التى لطالما عاشت تحت مظلة أمن أمريكية استمرار وضع جميع «بيضها الاستراتيجى» فى السلة الأمريكية وحسنت هى الأخرى من روابطها مع روسيا. وأقيمت أول زيارة لملك سعودى إلى روسيا العام الماضى، كما زارها ولى العهد منذ ذلك الحين. ووُقعت صفقة ببيع نظام «إس ٤٠٠» وصواريخ مضادة للدبابات، فضلا عن اتفاق تعاون نووى استعدادا للمشاركة الروسية فى مناقصة سعودية لبناء أول مفاعلين نوويين من ١٦ مخططا لها.
كما بدأت السعودية وروسيا، اللتان تنتجان مجتمعتين نحو ٢٠٪ من بترول العالم، الاستثمار فى مشروعات طاقة مشتركة، والأهم من ذلك تنسيق تحركات من أجل تخفيض المعروض من البترول عالميا وزيادة السعر.
وحافظت روسيا لعقود على علاقة استراتيجية مع إيران. ويمنع قرار من مجلس الأمن استئناف بيع الأسلحة إلى إيران حتى ٢٠٢٠، ولكن هناك محادثات حول بيع طائرات مقاتلة ودبابات ومدفعية، وقد زودت روسيا إيران بصواريخ «إس ٣٠٠».
ويجعل انسحاب أمريكا من الاتفاق النووى واستئنافها للعقوبات إيران أكثر اعتمادا على موسكو. فكل من التعاون الاستراتيجى والاقتصادى بين البلدين، بما فى ذلك منطقة تجارة حرة محتملة، يتوسع أكثر.
وما زالت تركيا قد تمضى فى شرائها صواريخ «إس ٤٠٠» رغم احتجاجات حلفائها فى الناتو وعلى الرغم من التهديد الذى تشكله الصفقة على مستقبل التحالف. وتهتم المغرب والبحرين وقطر أيضا بصواريخ «إس ٤٠٠». وأتمت روسيا مبيعات أسلحة كبيرة مع الإمارات العربية المتحدة وعقدت اتفاق تعاون نوويا مع تونس. والآن تهتم روسيا بالقواعد البحرية فى ليبيا.
وأصبحت لبنان هى الأخرى مركزا للاهتمام الروسى فى محاولة لتقليص التأثير الأمريكى فى هذا البلد. فقد عرضت روسيا على لبنان صفقة أسلحة كبيرة من دون فوائد وأعربت عن اهتمام بالقواعد الجوية والبحرية. كما تنافست الشركات الروسية فى مناقصات استكشاف البترول والغاز فى المياه الإقليمية اللبنانية. ووصلت الأسلحة الروسية إلى حزب الله، على ما يبدو عبر إيران، دون بذل موسكو أى مجهود لمنع ذلك.
وفى نفس الوقت الذى عمقت فيه من روابطها مع الدول العربية نجحت روسيا كذلك فى تأسيس علاقة قوية مع إسرائيل وخلق اعتماد إسرائيلى متنامٍ عليها.
ويعتمد ترسيخ إيران فى سوريا واحتمال صراع إسرائيلى/ إيرانى مباشر، وكذلك مع حزب الله، يعتمد اليوم بشكل كبير على موسكو. وحيث إن روسيا هى القوة الوحيدة التى لديها علاقات استراتيجية مع إيران فإن أزمة برنامج الأخيرة النووى بعد الانسحاب الأمريكى من الاتفاق النووى قد توفر لروسيا دورا فريدا فى جهود إعادة الأطراف إلى الطاولة والوصول إلى صفقة «أفضل». فلم يقم رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بزيارات عاجلة لموسكو كل بضعة أشهر هباء.
الولايات المتحدة هى حليف إسرائيل الاستراتيجى، ولكنها تبنت دورا متضائلا فى قضايا ذات أهمية حيوية للأمن القومى الإسرائيلى مما يجعل إسرائيل تعتمد على موسكو بتزايد. وهناك تقارير متضاربة حتى الآن عن استعداد موسكو لوضع مخاوف إسرائيل الأمنية فى الحسبان.
وقد سعى الرئيس ترامب لتمزيق الواقع الاستراتيجى الراسخ فى كل مكان. وفى الشرق الأوسط نجح ليس فقط فى خلق الاضطراب بل الفوضى، الأمر الذى يمهد الطريق أمام روسيا وإيران ليحلا محلها ويسيطرا.

 

——


تشاك فريليتش
زميل مركز بيلفر بجامعة هارفارد، ونائب مستشار الأمن القومى الإسرائيلى سابقا، ومؤلف كتاب «الأمن القومى الإسرائيلى.. استراتيجية جديدة لحقبة تغيير» مطبعة جامعة أكسفورد، ٢٠١٨.



أقرأ أيضا

تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟
البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...