هل شارك الملك فاروق فى نجاح ثورة يوليو؟

خالد كساب



هل شارك الملك فاروق فى نجاح ثورة يوليو؟



فى ليلة الأربعاء 23 يوليو 1952 قامت الثورة، ثم فى صباح السبت 26 يوليو أرسل محمد نجيب إنذارًا شديد اللهجة إلى الملك فاروق بضرورة التخلِّى عن حكم مصر قبل الساعة الثانية عشرة ظهرًا، ومغادرة البلاد هو وعائلته فى موعد أقصاه السادسة من مساء نفس اليوم، وهو ما قد كان، وهكذا نجحت الثورة.

إذن، بهذه البساطة والأريحية قامت الثورة، وبهذه البساطة والأريحية الأكثر استجاب الملك فاروق لها ولمطالبها. لم يمهله حتى الضباط الأحرار أيامًا ليغادر، فقط عدة ساعات قليلة، واستجاب الرجل بدون أدنى مماطلة أو نقاش أو تفاوض أو استخدام لأى ورقة ضغط من أى نوع، استجاب الرجل وكأنه «ما صدق».
وهو ما يسوقنا إلى ذلك التساؤل.. هل شارك الملك فاروق فى ثورة يوليو؟! هل شارك فيها بانسحابه السريع من الصورة؟! هل شارك فيها بعدم الحيطة الكافية وبعدم سيطرته على زمام الأمور فى البلد إلى الدرجة التى فاجأته فيها مجموعة من شباب الجيش بالقيام بثورة ضده؟! هل وصلته معلومات مسبقة عما يُدَبَّر له إلا أنه لم يهتم بها ورد عليها بجملة من نوعية «خليهم يتسلُّوا»؟! هل لم يعد الرجل قادرًا على تحمل ضغوط حكم دولة بحجم مصر فوجدها فرصة ليقضى الباقى من أيامه مستمتعًا بحياته كملك متقاعد فى المنفى؟! وما الذى كان يمكن أن يحدث لو رفض إنذار الضباط الأحرار له وقاومهم وأمر قوات الحرس الملكى بالاشتباك معهم، للدفاع عن منصبه كملك مصر والسودان؟!
عمومًا، وعلى الرغم من اختلافنا حول كل ما يخص الرجل الذى حكم مصر لمدة 16 سنة قبل أن يغادرها مطرودًا ومنفيًّا هو وعائلته، إلا أن ما لا يمكننا الاختلاف حوله هو رحيله الهادئ الأشبه بنسمة، بدون أدنى شوشرة أو رفض أو تنشيف دماغ أو إثارة للمشاكل أو تفاوض أو استدعاء لقوة خارجية لتسانده فى الدفاع عن عرشه. لهذا، والتزامًا منه بالأوقات التى ذكرها الضباط الأحرار فى إنذارهم له، أصدر فى الثانية عشرة من ظهر يوم السبت الموافق 26 يوليو بيانه الملكى الأخير بتنازله عن العرش، وبعدها بست ساعات فقط كان هو وعائلته على متن اليخت الملكى المحروسة يقف عاقدًا يدَيه خلف ظهره مفكرًا ومتأملًا ومتعجبًا من حال الدنيا التى يقول عنها عمنا أحمد فؤاد نجم: «دنيا غرورة وكدابة.. لكن جميلة وجذابة.. مجاريح ونعشقها صبابة.. أدينا وآدى حال الإنسان». 
«وُلِدَ حرس الله طلعته البهية فى سراى عابدين العامرة يوم الأربعاء المبارك فى 11 فبراير 1920 الساعة العاشرة مساءً، أيد الله عرش أبيه السلطان».
بهذه الكلمات تم إعلان ميلاد الطفل الذى لم يكن أحد يتوقع أن تشكل حياته فصلًا سياسيًّا هامًّا من فصول تاريخ مصر، ومرحلة انتقالية فاصلة من مصر الملكية إلى مصر الجمهورية بعد الإطاحة به عقب ثورة يوليو 1952، ومثارًا للجدل والنقاش اللذين لم يتم حسمهما حتى الآن، وحتى وفاته فى روما لم يتم حسمها حتى الآن، ومعرفة ما إذا كانت وفاة طبيعية بسبب الإفراط فى الطعام على العشاء كما أكد الأطباء حينها، أم أنها كانت بسبب وضع السم له فى الطعام كما جرت العادة فى ذلك الوقت، وكما قيل إنه حدث مع عبد الحكيم عامر، فى ما عرف باسم «أسلوب كأس عصير الجوافة».
«نحن فاروق الأول ملك مصر والسودان.. لما كنا نتطلب الخير دائمًا لأمتنا ونبتغى سعادتها ورقيها.. ولما كنا نرغب رغبة أكيدة فى تجنيب البلاد المصاعب التى تواجهها فى هذه الظروف الدقيقة.. ونزولًا على إرادة الشعب.. قررنا النزول عن العرش لولى عهدنا الأمير أحمد فؤاد وأصدرنا أمرنا بهذا إلى حضرة صاحب المقام الرفيع على ماهر باشا رئيس مجلس الوزراء، للعمل بمقتضاه».
وبهذه الكلمات انتهت حقبة مصر الملكية وتم إعلان نجاح ثورة 23 يوليو التى استمرت فقط لمدة 3 أيام، وفى اليوم الرابع كان مجلس قيادة الثورة يحكم مصر، وكان المصريون يستعدون لحياتهم الجديدة التى بشرتهم بها أغانى الثورة الكثيرة، حيث الصناعة والزراعة والتعمير والتعليم والتقدم والنهضة التى سوف تصل إلى نحت التماثيل الرخام على شطوط الترع والمصارف، وهى الأغانى التى أفضت بكاتبها عمنا صلاح جاهين إلى الإصابة باكتئاب حاد لم يستطع إلا الموت شفاءه منه.
وفى تمام الساعة الواحدة والنصف صباحًا من ليلة 18 مارس 1965، فى مطعم «إيل دى فرانس» بروما، وبالتناسب مع كمية الدراما فى حياة الملك فاروق، كان طبيعيًّا أن تأتى وفاته هى الأخرى محاطة بالدراما والأقاويل والألغاز والأسرار.
فبينما رأى الأطباء فى إيطاليا أن عشاءً مكونًا من دستة من المحار وشريحتَين من لحم العجل وبطاطس وكمية كبيرة من الكيك المحشو بالمربى والفواكه غير مناسب لشخص طبيعى، فما بالكم لو كان هذا الشخص بدينًا ومصابًا بارتفاع ضغط الدم وضيق الشرايين كالملك فاروق؟ وهو ما تصبح معه وفاته بالتخمة أمرًا منطقيًّا، رأى آخرون، مثل ابنته الأميرة فريال، أن المخابرات المصرية وقتها هى التى قتلته عن طريق «إبراهيم البغدادى» أحد الضباط الأحرار الذى عمل متنكرًا كجرسون لمدة شهر فى المطعم الذى يتناول فيه الملك فاروق عشاءه بروما، ودسَّ له سم «الأكوانتين» فى العصير، وهو السم الذى يبدو مَن مات به كمن مات بالسكتة القلبية، وهو ما نفاه البغدادى بنفسه مع الكاتب «محمود فوزى» فى برنامجه «حوار على نار هادئة».
إذن، قد تكون التخمة هى مَن قتلته، وقد يكون السم، إلا أن المؤكد أن الدراما هى مَن قتلته، فالدراما التى تصعد بأبطالها إلى الذروة قبل أن تهوى بهم من حالق، قد تقتل هى الأخرى.
رحم الله الملك فاروق، بما له وما عليه، بأسراره وألغازه ودرامته التى استمرت معه حتى بعد وفاته، حيث رفض عبد الناصر تنفيذ وصيته ورغبته فى أن يدفن بمسجد الرفاعى فى القاهرة، حتى وافق تحت إلحاح من الملك فيصل، ولكن ليس فى الرفاعى كما أراد، ليتم دفنه فى سرية شديدة بجامع إبراهيم باشا، حتى جاء السادات وقرر تنفيذ وصيته كاملة، ليتم نقل رفاته إلى المقبرة الملكية بمسجد الرفاعى مع باقى أسرته.
مش باقولكو، فى حياته ومماته لم تتركه الدراما فى حاله، الله يرحمه.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...