جامع الكخيا

حمدى أبو جليل



جامع الكخيا



جامع الكخيا يقع فى منطقة مميزة فى قلب القاهرة الحديثة أو الأوروبية، ويصل بين شارعى قصر النيل والجمهورية، ويطل مباشرة على ميدان الأوبرا الذى كان يحمل اسم إبراهيم باشا بن محمد على، حتى ثورة يوليو 1952، وأمامه حديقة الأزبكية وخلفه قصر عابدين.


وجامع الكخيا بُنى فى العصر العثمانى، وموقعه على حافة منطقة الأزبكية التى أسسها الأمير المملوكى أزبك، وأيضا عمارته ذات الملامح المملوكية تثبت أن العثمانيين وإن كانوا على المستوى الرسمى ملكوا مقدرات مصر بعد أن نجح السلطان العثمانى سليم الأول فى شنق طومان باى آخر سلاطين المماليك على باب زويلة، إلا أنهم لم يحكموا مصر على المستوى الفعلى أو الشعبى؛ فقد اكتفوا بغطرسة ونعيم قابض الضرائب وتركوا مهمة إدارة شؤون البلاد، بل جمع الضرائب نفسها، لأمراء المماليك ومنهم بانى الجامع.


العثمانيون لم يحتلوا مصر فعليا، هم فقط حافظوا على احتلال رمزى يضمن تدفق أموال الضرائب لخزائن الباب العالى فى الأستانة بأقل الرجال والجهود، وتركوا مهمة إدارة البلاد فى أيدى أمراء المماليك.


وهذا ما يبرر أن فرسان المماليك بقيادة إبراهيم بك ومراد بك هم الذين واجهوا الحملة الفرنسية عندما نزلت أرض مصر، وليس الوالى العثمانى، وربما يبرر أيضا رد أعيان المصريين على نابليون بونابرت بالرفض بل الاستنكار عندما طلب منهم أن يختاروا من بينهم ولاة للأقاليم أى محافظين، وسألوه باستغراب: أليس معك مماليك؟ على اعتبار أن العامة أى الشعب لا يثق، والأدق لا يعرف، غير المماليك حكاما للأقاليم ومصر عموما.


وجامع الكخيا عثمانى الطابع، ويتميز بتلك المئذنة الأسطوانية العثمانية التركية الشبيهة بالقلم الرصاص، إلا أنه لا يخلو من السمات المملوكية، فهو مرتفع عن مستوى الأرض بعدة سلالم بالضبط مثل جامع السلطان الغورى، وله واجهتان إحداهما شرقية والأخرى بحرية، ويتوسطهما باب يصعد إليه بدرجات رخامية.


وباب الجامع مبنى بالحجر، ولا يختلف كثيرا عن أبواب جوامع المماليك، ومزين بترابيع من القيشانى البديع، وفوقه شباك صغير يكتنفه عمودان يحملان حلية زخرفية على هيئة شرفة.


والجامع مقسم إلى أربعة إيوانات، يتوسطها صحن مكشوف فرشت أرضيته بالرخام الأبيض والملون، وأهمها على المستوى المعمارى الإيوان الشرقى الذى يشتمل على ثلاثة أروقة بها أعمدة رخامية تحمل عقودا حجرية فوقها سقوف مزخرفة لا تزال إلى الآن تحتفظ برونقها الأصلى.


بانى جامع الكخيا، الأمير عثمان القازدغلى، بدأ حياته السياسية تابعا للأمير حسن جاويش القازدغلى، وتنقل فى المناصب فى أيام سيده وبعده حتى تقلد منصب الكتخدائية أى نائب أو وكيل الوالى العثمانى، وصار من أرباب الحل والعقد فى البلاد، واستغل الصراعات والتقلبات السياسية التى فتكت بالعديد من أمراء مصر وأعيانها وجنى ثروة طائلة.


والأمير عثمان هو والد الأمير عبد الرحمن كتخدا، بانى العديد من المنشآت فى مختلف أنحاء القاهرة، ومن أهم مآثر عثمان أنه أوقف كل ريع أملاكه وأملاك زوجته الست آمنة خاتون بنت الأمير حسن جوربجى مستحفظات على الصرف على أوجه البر والخير ومساعدة المحتاجين والصرف على المجاورين فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فى المدينة المنورة، وأنشأ جامعا آخر باللخميين وساقيتين لنقل مياه النيل لرى الأراضى الزراعية، وخصص مبلغا كان يصرف كل شهر رمضان على كسوة الفقراء والأيتام، وراتبا شهريا لتكية العميان التى أنشأها فى الأزهر الشريف، وكان العميان مقابل هذا الراتب يرتلون آيات القرآن الكريم فى ليلة الإسراء والمعراج وليلة النصف من شعبان وليلة استطلاع شهر رمضان وليلة عيد الفطر، كما كان يخصص مبلغا سنويا للصرف على إرسالية الحجاج المصريين إلى مكة والمدينة.


والأمير عثمان كتخدا أتم بناء جامع الكخيا عام 1147هـ/ 1734م، وعين للتدريس فيه الشيخ عمر بن على بن يحيى الطحلاوى، وعين الفقيه الحنفى الشيخ حسن بن نور الدين المقدسى إماما له، وافتتحه فى احتفال كبير.


وجامع الكخيا فى بدايته وحسب أوامر مؤسسه كان له أربعة مؤذنين، وكان له مناد يتجول فى الأسواق فى أوقات الصلاة ليحث الناس على الصلاة، وطوال شهر رمضان كان يضاء حتى منارته بزيت الطيب والشمع، وكان يستهلك فى هذا الشهر أربعة قناطير زيت وخمسة عشر رطلا من الشمع.


وكان التصميم الأصلى له يشتمل على حمام وسبيل وكُتاب، لكنها هدمت مع الزمن والإهمال وتخرب الجامع نفسه، ونمت حوله المحلات والدكاكين العشوائية حتى رمم فى عهد الملك فؤاد، وأعيدت واجهته مرة أخرى على حافة ميدان الأوبرا، لكن ليس بشكل كامل؛ فقد أعاقه منزل قديم ومتهدم حجب جزءا مهما منها.


وهذا المنزل هدمته وزارة الأوقاف فى عهد الملك فاروق عام 1939م، وكانت تخطط لأن تنشئ مكانه عمارة كبيرة لولا اعتراض المعماريين والأثريين من أعضاء لجنة حفظ الآثار العربية، الذين هاجموا المشروع بشدة؛ خوفا على الجامع، فاضطر الملك فاروق إلى إلغاء مشروع عمارة وزارة الأوقاف، وأعاد ترميم الجامع.


ولكن يبدو أنه لم يرمم جيدا، فقد تأثر جدا بزلزال عام 1992م، وكاد ينهار تماما، وهبطت أرضياته وتصدعت جدرانه وظهرت شروخ طولية وعرضية فى الأماكن الحساسة فى مبناه مثل الأبواب والشبابيك والمحراب والمئذنة والأعمدة والوزارات.


والكخيا من الجوامع التى نجحت وزارة الثقافة فى ترميمها فى التسعينيات، وإن كانت استبدلت أحجاره القديمة المتآكلة بأحجار جديدة بحجة أنها بنفس المواصفات!، وتم تربيط وتطريز الشروخ واستبدال الرخام والأخشاب التالفة، ورممت الزخارف وعولجت الأخشاب الباقية من البناء الأصلى بمواد مانعة للتسوس والفطريات، وأعيدت الكتابات والنقوش إلى حالتها الأصلية بالخط الكوفى.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.