جامع الصالح طلائع

حمدى أبو جليل



جامع الصالح طلائع



جامع الصالح طلائع، آخر جوامع الفاطميين، وبانيه هو أحد مسؤوليهم المشهورين، وعمارته تنتمى إلى أسلوب عمارة القاهرة المُعزية، وموقعه لا يبعد كثيرا عن القصور الزاهرة حيث الخلفاء الفاطميون.


أما سبب ظهوره فيرجع إلى الرغبة فى الحفاظ على شرعية ومهابة وحتى أصول الفواطم فى فترة من أحلك فترات تاريخهم، فعندما داهم الصليبيون فلسطين وأصبحوا قاب قوسين أو أدنى من تدمير قبر الحسين بن على رضى الله عنهما فى «مدينة عسقلان»، سارع الصالح طلائع ببناء هذا الجامع لينقل له رفات رأس الحسين وينقذها من النبش والهوان على أيدى الفرنجة، وبالفعل تم بناء الجامع فى مدة قصيرة وبالفخامة اللائقة برأس حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن بمجرد وصول رفات الرأس الشريف إلى القاهرة فى احتفال مهيب استكثر الخليفة الفاطمى على جامع الصالح طلائع -وهو أحد أتباعه- شرف احتضان رأس الحسين، ودفنه فى مشهد بنى خصيصا فى تربة الزعفران داخل القصور الفاطمية الزاهرة أمام عين الصالح طلائع الذى أعلن على الناس ندمه على بناء هذا الجامع.


الصالح طلائع بن زريك أرمنى الأصل، ونجاحه فى قيادة الجيوش الفاطمية لقبه بأبى الغارات وفارس المسلمين ونصير الدين. وهو ينتمى إلى جماعة الفقراء، وترجع بداية التحاقه بالعمل السياسى مع الفاطميين إلى اليوم الذى باغت فيه الوزير القائد نصر بن عباس ورجاله الخليفة الفاطمى الظافر وقتله وكل حراسه، فقد بعثت إليه أميرات البيت الفاطمى برسالة معطرة بروائحهن ومزينة بشعورهن تطالبه بأخذ ثأر الظافر، فجمع طلائع قواته وتوجه بها إلى القاهرة لقتال الوزير الغادر، غير أن الوزير أراحه من شر القتال وفر هاربا فدخل طلائع القاهرة عام 549هـ بلا قتال وجلس على كرسى الوزارة ومن يومها لُقب بالصالح.


وتكفل الصالح طلائع بالخليفة الجديد الفائز الذى كان ما زال طفلا، ودبر أحواله وساس أمور البلاد وسار فى الناس كملك متوج، وقرب منه الكتاب والشعراء ليمدحوه ويخلدوا مآثره كعادة الملوك والسلاطين.

والطلائع نفسه كان يكتب الشعر، وإن كان المؤرخ ابن أبى شامة شكك فى ذلك قائلا: «ما يصدق أحد أن ذلك شعره بجودته وإحكام معانيه، فيقال إن المهذب بن الزبير كان ينظم له والجليس بن الحباب كان يساعده».


ويروى أن الصالح طلائع فضل أن يستبد بالسلطة دون الخليفة الطفل، وكان جشعا فى جمع المال وكان يبيع الولايات للأمراء بل حدد لها أسعارا معلنة حسب خيراتها، وحدد مدة الولاية بستة أشهر.


ولكن وكالعادة جاءته المؤامرة من البيت الفاطمى، فى البداية حاولت عمة الخليفة الطفل وكفيلته اغتياله، لكن جواسيسه الذين زرعهم فى البلاط الفاطمى كشفوها، وجرعها من نفس الكأس، وقتلها رجاله سرا فى قلب القصر الفاطمى.


وبعدها نقل الصالح طلائع كفالة الخليفة إلى عمته الصغرى، وحاول بكل السبل أن يطيب خاطرها، ولكنها، وإن أظهرت رضاها، لم تغفر له أبدا دم أختها وقهر آل البيت الفاطمى، ورتبت عصبة من السودانيين الأقوياء فى باب السرداب المظلم الذى تعود الصالح على الخروج منه بعد لقاء الخليفة، وعصبة أخرى أشد بأسا عند الخزانة التى كان الصالح يباشرها يوميا، وحددت ساعة الصفر فى اليوم الخامس من شهر رمضان عام 556هـ، وبمجرد أن خرج الصالح طلائع وولده زريك من مجلس الخليفة فى قاعة القصر انقضت عليه عصبة السودانيين فقتلوه ودفن بأرض الجامع.


جامع الصالح طلائع يقع أمام باب زويلة على حافة شارع المعز لدين الله الفاطمى، وهو الآن منخفض عن أرض الشارع بأكثر من متر، مما اضطر هيئة الآثار أن تدور حوله بطرقة ودرابزين ليهبط المصلون عدة درجات حتى يستطيعون الدخول إليه.


وبعد سقوط الدولة الفاطمية ظل الجامع معطلا حتى أيام المعز أيبك التركمانى أول ملوك دولة المماليك البحرية الذى جدده وأقام فيه صلاة الجمعة فى سنة 650هـ بحضور رسول بغداد الشيخ نجم الدين عبد الله البادرانى، وتصدعت جدرانه من الزلزال العظيم الذى رج القاهرة عام 702هـ، وجدده الأمير سيف الدين بكتمر الناصرى.


وهو جامع مستطيل الشكل، يتوسطه صحن كبير يحتوى على صهريج كان يملأ وقت الفيضان من الخليج المصرى الذى كان بالقرب منه فى المكان الذى يشغله شارع بور سعيد. وصحن الجامع محاط بالأروقة من جميع الجهات.

أما إيوان قبلة الجامع فيحتوى على ثلاثة أروقة عقودها ذات زوايا منكسرة حليت حافاتها من الداخل والخارج بكتابات قرآنية بالخط الكوفى المزهر، وهى تشبه إلى حد كبير الكتابات التى تزين جامعى الأزهر والأقمر.


والجامع له عقود بها دوائر جصية مزخرفة، وتعلو كل عقدة نافذة صغيرة مملوءة بزخارف مفرغة، وكذلك زخرفت الأوتار الخشبية التى تعلو تيجان الأعمدة بزخارف نباتية بأسلوب الحفر على الخشب الذى ساد فى العصر الفاطمى.

وعلى يمين محراب الجامع منبر خشبى نفيس صُنع من حشوات مجمعة على أشكال أطباق نجمية بها زخارف نباتية محفورة غاية فى الدقة ومطعمة بالصدف والعاج والأبنوس.


أما واجهة الجامع الرئيسية فتقع فى الجهة الغربية منه، حيث يوجد الباب العمومى الذى أقيم أمامه رواق محمول على أربعة أعمدة رخامية تحمل خمسة عقود وتنتهى من طرفيه بحجرتين.

وجدار هذا الرواق محلى بزخارف على هيئة مراوح مخوصة.

وباب الجامع كان من الخشب المغلف بالصفائح النحاسية، ونقل إلى متحف الفن الإسلامى، ويعتبر أقدم باب نحاسى فى مصر الإسلامية.

وفى أسفل جميع واجهات الجامع عدا الواجهة الشرقية كانت توجد حوانيت خصص دخلها للإنفاق عليه، وهى لا تختلف كثيرا عن تلك التى تتزاحم الآن حوله وعلى امتداد شارع المعز لدين الله الفاطمى.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...