الخنازير عندما تستخدم البروباجندا

رانيا جابر



 الخنازير عندما تستخدم البروباجندا



فى هذه الرواية البديعة «مزرعة الحيوانات» لجورج أورويل التى صدرت فى طبعة جديدة عن المركز الثقافى العربى بالمغرب بترجمة محمود عبد الغنى، يبدو الرمز واضحًا حيث يتخفى الكاتب وراء حيوانات مزرعته؛ لينتقد فى صورة ساخرة تلك الأنظمة الشمولية التى تقيد حركة الإنسان وتقضى تمامًا على هامش حريته.


 ينحو أورويل فى ذلك منحى ابن المقفع فى كتابه الشهير «كليلة ودمنة»، حيث تكون الحيوانات هى البطل الرئيسى فى الرواية والتى قررت فى يوم من الأيام باستنفار من الخنزير العجوز «ميجر» الحكيم صاحب المواقف والمثل، أن تثور على ملكها المستبد بعد أن ضاقت بها سبل العيش وإقامة حياة آمنة مستقلة تسودها العدالة والسلام.


بالفعل نجحت ثورة الحيوانات، فاستردت المزرعة بعد إزاحة الحاكم المستبد، فتسود العدالة، ويسود الاحترام لقانون «الوصايا السبع»، ذلك القانون الذى يقر الشرعية، ويؤكد كل معانى الديمقراطية فى الوقت الذى تم فيه تحديد العدو المتمثل فى الإنسان الغاشم الذى يلوث الجمال.


لكن بعض فترة ظهر «المتبلورون» الذين قفزوا على تلك الثورة من أجل الاستئثار بالسلطة، حيث قاموا باستبعاد باقى الحيوانات من المشهد بعد أن زيّفوا كل الوثائق، وحرفوا التاريخ، ومسحوا المثل العليا تمامًا كما حدث عندنا.. وكأن جورج أورويل قد حضر وشارك معنا فى ثورتى 25 يناير و30 يونيو.


هنا قفز على سطح الأحداث الديكتاتور المدعو «نابوليون» الذى قتل المبادئ العامة وأقام تقديسًا للذاتية بعد أن وضع الحيوانات فى حالة من الإذعان له، وأرهقهم فى العمل المضنى والسخرة الدائمة فى الوقت الذى نجح بدهاء فى الحفاظ على شمعة الأمل مضيئة بداخلهم، وذلك من خلال الكلام المعسول عن المستقبل المشرق والحياة الكريمة فحبسهم بذلك فى قفص «اليوتوبيا» الذى لا يمكن الفكاك منه.


لكن الأعوام تمر ولا جديد تحت الشمس فيبقى الفساد كما هو فى الوقت الذى لم يبق من الوصايا السبع التى نقشت على الألواح والجدران سوى وصية واحدة تقول: «جميع الحيوانات متساوية، لكن بعضها أكثر مساواة من غيرها».


إن هذه العبارة الوجيزة باستعارتها المضيئة والتى تخيلها جورج أورويل ترمز بشكل واضح إلى انحرافات السياسة والسلطة، كما أنها أيضًا ترسم بطريقة مذهلة كيف أن الرغبة العارمة فى التغيير يمكن أن تقود إلى الديكتاتورية والاستبداد، وكيف أنه من السهل جدًّا التحكم فى عقل الجماهير الغفيرة من خلال الخطب الطنّانة المفرغة فى حقيقتها من الداخل، وهو فى النهاية ما حدث بالفعل، حيث صدقت الحيوانات كل شىء، وهو ما يجعلنا نعيد النظر والتأمل فى بريق البروباجندا وسطوتها، ويؤكد الكاتب ذلك فى آخر سطرين من الرواية عندما يقول: «تتطلع الكائنات فى الخارج إليهم، وتنقل نظراتها من خنزير إلى إنسان، ومن إنسان إلى خنزير، ثم من جديد، من خنزير إلى إنسان، لكن من المستحيل التمييز بين الإنسان والخنزير».



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.