جامع الآمر المسكين المقتول بالسكين

حمدى أبو جليل



جامع الآمر المسكين المقتول بالسكين



الجامع الأقمر، أصغر الجوامع الفاطمية على الإطلاق، ويبدو بواجهته المنحوتة المزخرفة منكمشا وسط ضخامة جوامع شارع المعز لدين الله الفاطمى التى تطل عليه من كل ناحية، وهو من أوائل المنشآت الإسلامية التى زُينت واجهاتها بزخارف معمارية من الدلايات الدقيقة والنقوش الخطية والنباتية المحفورة فى الحجر.


والأقمر لحمًا ودمًا وروحًا وعمارة وتاريخًا يعود للعهد الفاطمى، وهو مربع الشكل، وفى وسطه صحن فسيح تحيط به من جميع الجهات بائكة من ثلاثة عقود.

وإيوان قبلته يتكون من ثلاثة أروقة، وواجهاته الثلاث -غير الرئيسية- تحتوى كل منها على رواق واحد، أما الرئيسية فهى ليست موازية لحائطه الشمالى الغربى مثل الجوامع القديمة، لكنها تقطعه فى زاوية حادة نتج عنها الاتفاق النموذجى أو الريادى مع تخطيط الشارع، كما نتجت عنها مساحة فراغ بنيت فيها غرفتان بين الحائط الشمالى الغربى والواجهة الرئيسية.


هذه الواجهة الفريدة بين جوامع القاهرة، وتعطى انطباعا غامضا بأنه أشبه بمعبد، وهى حافلة بأندر أنواع الزخارف المعمارية، والباب فى وسطها يعلوه عقد مسطح صنجاته معشقة وأنيقة يعلوها شريط ضيق من الكتابة يمتد بعرض الجزء البارز من الواجهة، وهو بمثابة اللوحة التذكارية، ويحتوى على الأمر الملكى بإنشاء الجامع.


والجامع يقع فى شارع المعز فى قلب القاهرة الفاطمية، وقيل إنه أنشئ مكان سوق لعلف الماشية سنة 519هـ، وقيل أيضا إنه أنشئ مكان دير ومقبرة لبعض حواريى المسيح، وأهمل وهجر فى عهد الأيوبيين باعتباره من أهم رموز الدولة الفاطمية، وجُدد وأعيد اعتباره فى عهد الظاهر بيبرس المؤسس الحقيقى للدولة المملوكية.


وجامع الأقمر أنشأه الخليفة الآمر بأحكام الله ابن المستعلى، الذى ولد فى أول سنة 490هـ، وبويع بالخلافة وهو طفل فى الخامسة من عمره واستمر ثلاثين عاما. ويصف المقريزى مشهد بيعته قائلا: «وأحضره الأفضل ابن أمير الجيوش وبايع له ونصبه مكان أبيه ونعته بالآمر بأحكام الله.

وركب الأفضل فرسا وجعل على المسرج شيا –أى علوا- وأركبه عليه لينمو -أى ليعلو- شخص أول جثة الآمر، وصار ظهره فى حجر الأفضل، فلم يزل تحت حجره حتى قتل الأفضل ليلة عيد الفطر».


وما إن بلغ الآمر وأدرك أنه يتلاعب بأمور مملكة مترامية الأطراف لم يتورع عن قتل الأفضل أمير جيشه الذى نصبه وعين بدلا منه المأمون بن فاتك البطائحى، ولم يصبر عليه هو الآخر وأعدمه ومعه خمسة من إخوته.


ومن أبرز الأحداث السياسية والعسكرية التى وقعت فى عهد الآمر استيلاء الصليبيين على عكا وطرابلس، وعندما لم يجدوا مقاومة تذكر من جيش الفاطميين قرر ملكهم «بردويل» أن يتوجه إلى مصر، وبالفعل دخل الفرما وأحرق جامعها ومساجدها، لكنه مات فجأة فى ظروف غامضة، وقام جنوده بشق بطنه وصبروه ورموا أمعاءه هناك وظل الناس يرجمونها على مدى سنوات طويلة.


والمؤرخ ابن خلكان وصف الآمر بأنه «كان سيئ الرأى جائر السير مستهترا ظالما جبارا متظاهرا بالمنكر واللهو ذا كبر وجبروت».

أما المقريزى فرأى أن أفضل وسيلة لوصف مروق الآمر ولهوه أن يحكى قصة شيقة ملخصها أن الآمر كان مغرما بالجوارى البدويات، وكان يرسل جواسيسه لتعقبهن فى السهول والبرارى، وذات مرة وقع أحدهم على واحدة فى الصعيد، جارية من أكمل وأظرف وأجمل النساء وفوق ذلك شاعرة وأديبة، وطبعا فُتن الآمر المفتون أساسا، ومن أجلها تنكر فى ملابس البدو وهام على وجهه فى أدغال النجوع والقرى فى صعيد مصر إلى أن وصل المكان الذى تسكن فيه الجارية، وهناك اختفى وسط الحقول، وبات ليالى طويلة فى العراء حتى يتمكن من معاينتها ورآها أجمل مما وصف جواسيسه وفتن بها وأرسل إلى أهلها يخطبها فوقعوا فى حيرة، ولكنهم سرعان ما وافقوا خوفا منه وزبانيته وزوجوها منه.


وبالطبع لم تكن حيرتهم ترجع إلى رفض نسبه فهو ملك البلاد وسيدها، ولكن إلى المصير المؤلم الذى لقيته الجوارى اللاتى تزوجهن الآمر قبلها!


البدوية اسمها «عالية»، ولم تطق الحياة فى قصر الآمر بالقاهرة الفاطمية، وبنى لها قصرا بالروضة سماه الهودج نسبة لأصولها، وقيل إنها كانت تغافل الآمر وتلتقى فيه بابن عمها «مياح» الذى كانت مرتبطة به قبل أن يخطفها الآمر.


وظل الآمر يتردد على قصر الهودج بالروضة حتى اغتياله يوم الثلاثاء الرابع من ذى القعدة سنة 524هـ، ويروى أنه ركب قاصدا هذا القصر وقبل أن يصل إلى مدخله المهيب وثب عليه قوم من النزارية وضربوه بالسكاكين حتى أردوه قتيلا.


ويقول المؤرخ ابن تغرى بردى إن الآمر حُمل إلى قصر اللؤلؤة مقتولا، وقيل إن بعض منجميه كانوا عرّفوه أنه سيموت مقتولا بالسكين وكان يسخر منهم قائلا: «الآمر المسكين المقتول بالسكين!».



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..