كفّوا عن تشغيل القرآن الكريم فى المواصلات العامة

كريم البكرى



كفّوا عن تشغيل القرآن الكريم فى المواصلات العامة



أصبح من الطبيعى أن نجد اللافتات الدينية على الجدران فى الشوارع العامة، كما أنه من الطبيعى أيضًا أن نستمع إلى القرآن الكريم ودروس الدين فى المواصلات العامة، مثلما أصبح طبيعيًّا أن نستمع إلى مكبرات الصوت فى الزوايا والجوامع تؤذِّن للصلاة وإقامتها، ونستمع كثيرًا أيضًا إلى مراسم الصلاة الجهرية.

كلمة «العامة» إذا أضيفت إلى أى شىء فستعنى «عموميته» أى أنه ليس حقًّا لفئة معينة أو جهة محددة، ولكنه مِلك العوام من الجمهور، ولكن فى مصر تفرض الأغلبية المسلمة رأيها وتتجاهل كلمة «العامة»، فللأسف من الطبيعى أن تسمع القرآن الكريم والدروس الدينية داخل المواصلات العامة، بغض شامل للنظر عن هوية الركاب أو دينهم أو طاقة تحملهم للاستماع.
قبل أن نتحدث عن المواطن المصرى المسيحى الذى يمارس حقه باستخدام المواصلات العامة، دعونا نتحدث عن طاقة الشخص -أى شخص- للسمع أو الاستماع، فكثير من الركاب ينزعجون من الأغنيات الصاخبة التى تهز شبابيك المواصلات العامة، ويعتبرونها ظاهرة تؤكد «تخلف» المواطنين وعدم احترامهم أذواق وآذان غيرهم.
ولكننا نتنازل عن هذا المبدأ إذا استبدلنا بالأغانى والمهرجانات «القرآن الكريم والدروس الدينية»، بالطبع المحتوى الضمنى يختلف ولكن آثار الصوت الصاخب لا تتغير فى شىء.
كثيرون يتحملون صخب الأدعية الدينية وتلاوة القرآن الكريم فى المواصلات العامة، ولا يستطيعون المطالبة بخفض الصوت أو إغلاقه، وإلا سيعتبرهم البعض كفارًا يريدون خفض صوت الإسلام ومحاربة دين الله عز وجل!
ولكن ما علاقة التدين بطاقة تحمُّلى صوتًا مرتفعًا؟! وما علاقة إيمانى بالله عز وجل بتقبلى تلاوة أحد الشيوخ؟! فللأسف بعض الشيوخ يعشقون البكاء والنحيب فى أثناء التلاوة، ما قد يصدّر شعورًا بالخشوع لدى البعض، فى الوقت الذى يتسبب فى ضيق البعض الآخر، فلماذا أتحمل نحيب أحد الشيوخ وبكاءه؟! ولماذا أتحمل صراخه فى أثناء الدعاء؟! هل الخشوع لله يتناسب طرديًّا مع زيادة البكاء والصراخ والتباكى؟!
وللأسف البعض يعتبر أن «التباكى» سُنة عن النبى عليه أفضل الصلاة والسلام، والتباكى هو تصنُّع البكاء، والسند فى ذلك يعود إلى الحديث الآتى: «حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ثَـنَا الْهَيْثَمُ بْنُ أَيُّوبَ الطَّالَقَانِيُّ ثَـنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِى رَافِعٍ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ بَعْدَمَا كُفَّ بَصَرُهُ، فأتيته مُسَلِّمَاً وَانْتَسَبَنِى، فَانْتَسَبْتُ لَهُ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِابْنِ أَخِى بَلَغَنِى أَنَّكَ حَسَنُ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله يَقُولُ: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ؛ فَإِذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا وَتَغَنَّوْا بِهِ، فَمَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا)».
وبالطبع هذا الحديث شديد الضعف، بل أيضًا أستطيع أن أجزم بعدم صحته، ولا أعلم لماذا يلهث عدد كبير من الدعاة والمسلمين نحو الفهم الخاطئ والأحاديث الضعيفة والآراء المتطرفة، فعلى سبيل المثال هل من الطبيعى والمنطقى أن نعتبر كل مَن رفض «التباكى» فى أثناء التلاوة «ليس منّا»؟! هل التكفير وإقصاء الناس من الدين أمر هيّن لهذه الدرجة لدى البعض؟! ولماذا يلجأ البعض دومًا إلى الأحاديث التى تقضى بالقتل والتكفير وما شابه من أمور متطرفة؟!
إذن.. لماذا أصبح واجبًا على المواطن أن يستمع إلى القرآن ودروس الدين فى المواصلات العامة؟ ويقرأ اللافتات الدينية على جدران الشوارع؟ ويتحمل كل المظاهر الدينية الإسلامية التى لا حصر لها؟
منذ فترة انتشرت لافتة «هل صليت على النبى اليوم؟» وبدأت تظهر على الجدران والمحلات والسيارات والمواصلات العامة، وحتى هذه اللحظة لا أهتم بمعرفة مَن يقف وراء هذا الملصق، ولكنى على ثقة بأن ثقافة المجتمع المصرى تؤيده وتطبعه وتساعد فى نشره.. ولكن هل يدرك المواطن الذى يصلى على النبى اليوم أن هذا الملصق يخالف تعاليم النبى فى معاملة غير المسلمين؟
فالبر والقسـط مطلوبان من المسلم تجاه كلِّ الناس، ولأهل الكتاب من بين غير المسلمين منزلة خاصة فى المعاملة، فالقرآن ينهى عن مجادلتهم إلا بالحسنى، ويبيح مؤاكلتهم والأكل من ذبائحهم ومصاهرتهم، وهذا هو أصل التسامح، ولكن أين العدل فى إجبارهم على قراءة الملصقات الدينية فى الشوارع؟ وسماع القرآن الكريم فى المواصلات العامة؟ وسماع الأذان والصلاة الجهرية عبر مكبرات الصوت؟
البعض يحمل ضغينة داخلية لغير المسلمين ويريد أن يواجههم بطريقة مبتكرة، فيستطيع أن يتلو القرآن فى المواصلات العامة أو مكان العمل بصوت مرتفع، أو يسهم فى توزيع المنشورات الدعائية الدينية الإسلامية، أو يجعل نغمة هاتفه آية قرآنية أو دعاء، وكأنه يظن أن المواطن المسيحى سيحترق إذا سمع القرآن!
الازدواجية تكمن فى ممارسة المواطن المصرى المسلم شعائره الدينية بكامل الحرية، فى الوقت الذى لن يقبل هو الآخر أن ينتهج المواطن المصرى المسيحى النهج نفسه معه فى التعامل.
أتدركون فداحة تصوّر أن يقرأ مواطن مسيحى آيات الإنجيل جهرًا فى المترو؟ أو يجبرك سائق التاكسى المسيحى على سماع ترانيم مسيحية؟ أو تمتلئ الجدران بنقوش لأيقونات قبطية أو صلبان؟
هذا التصور هو نموذج للفتنة الطائفية الخامدة فى مصر، والتى قد تشتعل يومًا بسبب السلوكيات المتطرفة غير العادلة والتى تحولت إلى عادات مجتمعية تتمسح بالدين، وتسىء فهمه، وتظهر يوميًّا فى كل مرافق الدولة، ولولا صبر المسيحيين وحُسن ضبط أعصابهم وعدم استسلامهم للآراء المتطرفة، فضلًا عن جهود بعض العقلاء، لكنا فى واقع وحشى لن نستطيع تحمل عواقبه.
العادات اليومية المستندة إلى «تدين إسلامى ظاهرى» صاحبها أيضًا ظهور لـ«تدين مسيحى ظاهرى»، فنغمات المحمول شهدت أيضًا ظهور نغمات دينية مسيحية، وكأننا أصبحنا فريقَين كل منهما يحارب الآخر بنغمات المحمول، ويحاول أن يرفع صوت نغمته، ما ينذر بخطورة يجب تجنبها الآن.
مما سبق نتأكد أن لدينا خللًا واضحًا فى أسلوب الدعوة إلى الدين الإسلامى، فالله سبحانه وتعالى أرسل الأنبياء والرسل وكلفهم بمهمة عظيمة، ورسالة سامية، هى الدعوة إلى الدين والتوحيد والفضيلة، وقد جعلها سبحانه من أحسن القول حينما قال عز من قائل: «وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (فصلت: 33)، كما رتب عليها الأجر الكبير، والثواب العظيم فى الآخرة.
والدعوة إلى طريق الله يجب أن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، وتلك من أهم الأساليب تأثيرًا، فالداعية يجب أن يتحلَّى بالحكمة التى تجعله حكيمًا فى دعوته، فيختار الوقت المناسب والمكان المناسب لدعوة الناس، ويتمسك بالموعظة الحسنة التى تتضمن حسن اختيار الكلام المؤثر فى نفس المدعو إلى الدين.
ولكن الآن لا نشاهد حكمة أو موعظة حسنة على الإطلاق، فأغلب الشيوخ يعتمدون على أسلوب (الترهيب والترغيب)، كثير منهم يتحدثون عن القبر وجهنم وبئس المصير والسواد الذى ينتظر العصاة فى الآخرة، بينما قليلون هم مَن يتحدثون عن الرحمة والتوبة وأبواب السماء المفتوحة للدعاء.
كثير من الدعاة اعتبروا أن المواطن يجب أن يعيش حياته وكأنها «فيلم رعب»، فيهرب من المصيف والأفراح والموسيقى ومباريات كرة القدم، ويهتم فقط بالمكوث فى المسجد لساعات طويلة ونشر الملصقات الدينية وتشغيل القرآن فى مكبرات الصوت والتعالى على غير المسلمين والنظر إليهم كـ«كفار» يجب التضييق عليهم فى الدنيا.
للأسف، المجتمع المصرى أصبح أسيرًا لـ«التديُّن الظاهرى»، يعشق كل المظاهر الدينية ويتمحك بها، يعشق إطلاق لحيته دون التفكير فى جدوى إطلاق اللحية، ويقدّس كل الأحاديث المنسوبة إلى النبى، صلى الله عليه وسلم، دون أن يجتهد ويبحث فى سندها ومدى صحتها وظروفها التاريخية، ويحرص على دخول الحمام بقدمه اليسرى.
لا تُفرِّغوا الدين من رسالته الحقيقية، واتركوا التديُّن الظاهرى واهتموا بمضمون الدين وحقيقته، كفّوا عن رفع أصوات مكبرات الصوت فى المساجد، كفّوا عن عدم الدعاء لغير المسلمين، كفّوا عن تشغيل القرآن الكريم والأدعية الدينية فى المواصلات العامة، كفّوا عن توزيع ونشر الملصقات الدينية، كفّوا عن تصنُّع التدين والتباكى وتلك الشعارات التى لم ولن تقوِّى أو تدعم الإسلام الحقيقى ورسالته.

 



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.