32 يومًا من المتعة.. لماذا أطلق لاعبو المنتخب المصرى على معسكر الشيشان «مستشفى الإدمان»؟

أحمد عويس



32 يومًا من المتعة.. لماذا أطلق لاعبو المنتخب المصرى على معسكر الشيشان «مستشفى الإدمان»؟



يخطئ كثيرًا مَن يظن أن بطولة كأس العالم 2018 لكرة القدم، التى أقيمت فى روسيا على مدار شهر تقريبًا فى الفترة من 14 يونيو حتى 15 يوليو، كانت بطولة للّعبة الشعبية رقم واحد فى العالم فقط، فعلى مدار 32 يومًا هى مدة لعب المباريات، منها 25 يومًا أقيمت فيها المباريات، و7 أيام راحة فى 11 مدينة روسية، وعلى 12 استادًا، وبحضور جماهيرى كامل العدد فى كل المباريات باستثناء مباراة الثالث والرابع فقط.. وهناك نتائج ربما لم تشهدها أية بطولة كأس عالم سابقة، وربما كان الأمر المذهل هو إحراز أهداف فى كل مباريات البطولة إلا مباراة وحيدة انتهت بالتعادل السلبى بين فرنسا والدنمارك.

كأس العالم فى روسيا 2018 ربما يختلط الحديث فيه عن كرة القدم بالحديث عن روسيا ومصر، خصوصًا أن العالم الافتراضى يعيش فيه المصريون فقط دون غيرهم من شعوب العالم.
ففى روسيا أنت تعيش فى الحدَث، وهو أمر مختلف عن ما يعيشه المصريون عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعى، وربما فى بعض الأوقات أتخيل أن هناك مباريات أخرى غير تلك التى أشاهدها فى روسيا، نحو 14 لقاءً فى الملاعب المختلفة، والباقى عبر شاشات التلفاز، ولكن الحقيقة أن ما شاهدته يبين أننا فى أزمة حقيقية فى التفكير والتواصل مع الآخر فى كل شىء.
مع بداية كأس العالم، كل مَن يقابلك فى روسيا، سواء من أهل البلد أو الأجانب، يتحدث عن مصر وعن «مو صلاح» وما سيفعله، وانتهى بأن قالت صحيفة «لاجازيتا ديلو سبورت» إن المنتخب المصرى هو الأسوأ على المستويَين الفنى والإدارى. والسؤال للمهندس هانى أبو ريدة، رئيس الاتحاد المصرى لكرة القدم، الذى كان موجودًا بجوار كل رؤساء العالم فى المقصورة الرئيسية فى المباراة النهائية لكأس العالم.. هل أنت راضٍ عمّا قدمه المنتخب المصرى؟ وهل أنت راضٍ عن معسكر الشيشان؟ وهل كنت تعلم أن لاعبى المنتخب المصرى يطلقون على المعسكر «مستشفى معالجة الإدمان» وأنهم كانوا يقسمون الغرَف بحيث كل غرفة باسم مدمن؟
الحديث عن المنتخب المصرى فى نهاية المونديال أشبه بالحرث فى الماء؛ لأن ما حدث فى باقى البطولة، بعيدًا عن المنتخب المصرى، كان خيالًا، ولم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن يكون كأس العالم بكل ما فيه من أحداث بتلك الروعة من الافتتاح حتى النهاية.
روسيا قدمت تنظيمًا مميزًا دون عناء، وكان أفضل ما قيل عن «روسيا البلد» ما قاله الممثل الأمريكى ويل سميث فى المؤتمر الصحفى الذى سبق حفل الختام عندما صرح قائلًا: «عندما جئت إلى هنا اكتشفت أن روسيا أقدَم منا بكثير، وأن أمريكا دولة حديثة جدًّا»، وهو ما لم يكن اكتشفه ويل سميث وحده، بل إن كل مَن جاء إلى روسيا بغرض متابعة كأس العالم انتبه إلى وجود دولة تمتلك الكثير من الحضارة والتاريخ.
توزيع المباريات على 11 مدينة كان أمرًا مبهجًا للجميع، ورغم مشقة السفر فإن اكتشاف تلك الحضارة العظيمة والتاريخ الباهر كان رائعًا لكل مَن حضر كأس العالم، ولكن اللافت للنظر أن فى بداية البطولة كانت هناك حالة من عدم الاهتمام بها، والسبب كان مستوى المنتخب الروسى قبل المونديال، والذى كان مؤشرًا للخروج المبكر، ولكن مع توالى الانتصارات لقياصرة روسيا انتقلت البطولة إلى مرحلة أخرى من الاهتمام، لتنتهى بأكبر حضور جماهيرى لدولة منظمة فى تاريخ كأس العالم.
الحديث عن المونديال والتنظيم يمكن أن ينقلنا إلى مترو الأنفاق، فأحد أهم أسباب نجاح تنظيم مباريات كأس العالم فى روسيا هو خطوط المترو. فى لحظة تخيلتُ أنهم يبنون خطوط مترو الأنفاق فى أوقات الفراغ، فهناك 14 مترو تسير فى كل أنحاء موسكو على ما يقرب من 400 كيلومتر طولى، ولا يوجد أى مكان فى موسكو لا يصل إليه مترو الأنفاق.
مترو الأنفاق كان سببًا فى نجاح البطولة؛ لأنه كان الوسيلة الوحيدة التى تُوصل إلى الملعب مباشرةً دون عناء أو مشقة السير، لأن «الفيفا» يغلق محيط 2 كيلومتر مربع حول الملعب فى أثناء المباريات أمام السيارات؛ ولذلك فإن المترو كان الداعم الأكبر، ولأنه يقوم بتفريغ أكثر من 70 ألف متفرج فى أقل من ساعة من محيط استاد لوجنيكى دون أى ضجيج، عكس ما يحدث أمام استاد برج العرب قبل وبعد مباريات المنتخب المصرى.
كرة القدم والحديث عنها فى تلك البطولة يعلن نهاية أسطورة النجم الأوحد، وحتى لو كان هناك نجم فى المنتخبات التى وصلت إلى المربع الذهبى فهو مسنود على الكثير من النجوم الآخرين، فلا يمكن القول إن كلًّا من جريزمان أو مبابى أو بوجبا -مثلًا- هو مَن قاد فرنسا للتتويج، أو إن هازارد أو دى بروين أو لوكاكو هو مَن قاد ثورة التصحيح فى بلجيكا، أو إن لوكا مودريتش وحده هو مَن قاد كرواتيا للنهائى.. كلهم نجوم ولكن النجم الأوحد انتهى فى تلك البطولة التى كانت منذ البداية بطولة المفاجآت.
المفاجآت لم تكتمل للنهاية، لأن فوز كرواتيا باللقب كان سيكمل تلك السلسلة، والجميع فى روسيا كان يؤكد أن اللقب فرنسى، والكل كان يراهن منذ البداية بأن اللقب سيكون من الثمانية الذين قتل بعضهم بعضًا حتى وصل منهم المنتخب الفرنسى إلى النهائى، لأن منتخبات فرنسا والأرجنتين والبرازيل والمكسيك وأورجواى والبرتغال وبلجيكا واليابان يجب أن يكون البطل منهم، وباستثناء اليابان فالسبعة الآخرون كل منهم كان من الممكن أن يكون البطل، أما الثمانية الآخرون فكانوا أقل كثيرًا من الكبار (كرواتيا والدنمارك وروسيا وإسبانيا والسويد وسويسرا وإنجلترا وكولومبيا)، وهو ما وصل بالثنائى الكرواتى والإنجليزى إلى المربع الذهبى، ولو وقع أى من المنتخبين فى المجموعة الأخرى لَخرج بسهولة من البداية ولم يكمل مشواره حتى المربع الذهبى، فلا أعلم كيف كان البعض يراهن على المنتخب الإنجليزى للفوز باللقب ولا يوجد فى صفوفه أى نجم من نجوم الصف الأول على مستوى الأندية الأوروبية؟
وعندما تجد الفريق الإنجليزى يضم فى صفوفه من التشكيل الأساسى فى الوقت الإضافى لمباراة كرواتيا خمسة لاعبين من توتنهام، خامس الدورى الإنجليزى، تتأكد أن ما يحدث للفريق الإنجليزى وصعوده إلى تلك المرحلة كان أكذوبة، وفوز فرنسا باللقب كان منطقيًّا إلى أبعد درجة.
وجود بطل جديد لكأس العالم صعب فى تلك الفترة، والبطولة التى كشفت عنها روسيا 2018 أن لقب الكأس سيبقى كثيرًا فى القارة العجوز، لأن المنتخبات القادمة من أمريكا اللاتينية فقدت القدرة على مجاراة المنتخبات الأوروبية على مستوى التكتيك تمامًا، وحصول أى منتخب لاتينى على لقب كأس العالم فى المستقبل يحتاج إلى عمل شاق جدًّا من تلك المنتخبات التى أصبح لديها نجوم كبار على المستوى الفردى، ولكن على المستوى الجماعى فالتفوق الأوروبى واضح.
ما لفت الانتباه فى تلك البطولة أن روح التشجيع فى كرة القدم وبهجتها تأتى من أمريكا اللاتينية، الذين يعرفون معنى وقيمة كرة القدم، فالأوروبيون يفرحون للفوز فقط، أما اللاتينيون فيعيشون كرة القدم، الكل يتنفس كرة، حتى بعد خروج منتخباتهم الكثير منهم لم يغادر وبقى يشاهد البطولة، سواء فى الملاعب أو فى مناطق المشجعين التى كانت أجمل بوجودهم.
انتهى كأس العالم 2018، ولكن لم تنتهِ توابعه وحُسن تنظيمه، الذى -على ما أظن- سيكون مشكلة كبيرة لكل مَن يفكر فى تنظيم المونديال خلال المرات المقبلة، وربما ما يشغل بال العالم كله الآن هو كيف سيكون التنظيم فى قطر 2022؟
وكما قال أحد أعضاء اللجنة المنظمة فى روسيا حول بطولة قطر 2022 إن «الفان زون» فى موسكو أكبر من قطر فكيف سيكون التنظيم؟ بينما رد عليه آخر بأن صغر المساحة سيكون ماتعًا لأنه سيتيح للجميع مشاهدة كل مباريات البطولة، ولكن الحقيقة الوحيدة أن العالم عاش 32 يومًا من المتعة الكاملة فى كأس العالم، وسيبقى لمدة أربعة أعوام فى انتظار 32 يومًا أخرى من المتعة.

 



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...