«ابن طولون» أول جامع لا تُهدَم من أجله الكنائس

حمدى أبو جليل



 «ابن طولون» أول جامع لا تُهدَم من أجله الكنائس



يعد مسجد ابن طولون أحد أكبر مساجد العالم القديمة، وبنى على مساحته الحالية معظم مبناه الحالى، سنة 265هـ، أى بعد نحو عشر سنوات من تأسيس القطائع عاصمة ابن طولون.


ويروى أن ما دفع ابن طولون لبنائه، وقوعه على «كنز من  الذهب»، قيل إن بغلته عثرت فيه مصادفةً عندما كان فى إحدى زياراته الليلية لمنطقة الأهرامات، واختار مكانًا شاع بين البسطاء أن سيدنا موسى -عليه السلام- ناجى ربه من فوقه، وقال لرجال دولته: «أريد أن أبنى بناءً إن احترقت مصر بقى، وإن غرقت بقى».

وهذا ما نفذه على خير وجه وبأحجار قطعت خصيصا له ومن مكانه وليست مخلوعة من أعمدة الكنائس أو المعابد القديمة التى حرم اقتلاعها ابن طولون -باستثناء الأعمدة الستة ذات التيجان البيزنطية التى تحيط المحراب- مهندس قبطى مسيحى كان ابن طولون قد أمر بجلده ورماه فى السجن بعد ما حفر «عين ماء» يبدو أنها لم تعجبه، وأخرجه خصيصًا لبناء الجامع.


أما منارة الجامع التى تعد من أشهر وأغرب منارات مساجد القاهرة، فقد صممها ابن طولون بنفسه، ويروى أنه أخذ فرخًا من الورق، وراح يعبث به ويديره مثل القرطاس فخرج بعضه وبقى بعضه فى يده، فظنّ البنّاؤون أنه يلعب وعندما لاحظ اندهاشهم قال: «اصنعوا المنارة على هذا المثال».


وأحمد بن طولون، المولود ببغداد، فى شهر رمضان سنة 220هـ، سبتمبر 835م، وصاحب أول محاولة للاستقلال بمصر عن الخلافة الإسلامية، كان يعتقد كثيرا فى الأحلام، ويقال إن قرارات دولته فى النهار ما هى إلا تنفيذ لأحلامه فى الليل.

وعندما اكتمل بناء الجامع رأى فى منامه كأن الله تعالى قد تجلى للقصور التى كانت حول جامعه ولم يتجلَّ له، أى للجامع، وفى الصباح سأل المفسرين فقالوا: «يخرّب ما حول الجامع ويبقى قائما وحده»، فخربها، ثم رأى ابن طولون فى منامه كأن نارًا نزلت من السماء وأخذت جامعه دون ما حوله من العمران، فلما أصبح قصّ رؤياه على المفسرين، فقالوا له: «أبشر بقبول جامعك المبارك لأن النار كانت قربانا فى الزمن الماضى، فإذا قبل الله قربانا نزلت نار من السماء أخذته!».


وبعد ابن طولون، أُهمل الجامع وهُجر حتى جدده الخليفة الفاطمى العزيز بالله، وبنى به قبة جديدة بدلا من قبته التى احترقت عام 376هـ، ويبدو أن أحفاد ابن طولون قد طالبوا بملكيته باعتباره من إرث جدهم فقد اشتراه منهم الخليفة الحاكم بأمر الله بثلاثين ألف دينار مغربى ليحافظ عليه ويجدده ويتيحه للناس. والطريف أنهم بعد فترة قصيرة، شرعوا فى هدم مئذنته بحجة أنها لم تُبَع، فأرسل لهم الحاكم خمسة آلاف دينار ثمنًا لها، وأضاف لمكتبة الجامع 1154 مصحفًا من المصاحف المخطوطة النادرة.  


وفى عهد الخليفة المستنصر الفاطمى، أهمل الجامع تماما وتشعث بل أصبحت المناطق المجاورة له خرائب، وتحول فى النهاية إلى مكان مهجور كان ينزل فيه المغاربة بجمالهم ومواشيهم عند مرورهم بأرض مصر أيام الحج.


ولكن هذه الفترة البائسة من حياة جامع ابن طولون والتى نعاها العديد من المؤرخين، ومنهم «المقريزى» لم تستمر طويلا، وجدده السلطان «لاجين» أو «لاشين» المملوكى وأعاد عمارته. ويُروى أن ما دفعه إلى ذلك اعتقاده أن جدران الجامع أنقذت حياته، فعندما فرّ من أمام مماليك الأشرف خليل الذين كانوا يبغون قتله، اختبأ بجامع ابن طولون، وكان فى ذلك الوقت مجرد خرابة مهجورة، وفى أثناء ارتجافه من مداهمة مماليك الأشرف خليل أخذ على نفسه عهدا بأنه إذا سلَّمه الله من هذه المحنة ومكَّنه من الأرض مرة أخرى فإنه سيجدد عمارة هذا الجامع الذى أواه.


جامع أحمد بن طولون مستطيل الشكل ومساحته 162.5× 161.5 متر، ويتوسطه صحن مكشوف مستطيل أيضا، وتبلغ مساحته 92.5× 91.80 متر، وتحيط به من جميع الجهات، عدا جهة القبلة، أروقة غير مسقوفة تعرف بالزيادة ويشبهها المعماريون بالمبانى المحيطة بجامع «سامراء»، موطن ابن طولون بالعراق، وجامع «سوسة» بتونس، كما يحتوى على 42 بابا، منها 21 بابا بالمبنى الأصلى يقابلها مثلها فى الزيادات.


ويعتبر جامع ابن طولون من أشهر الجوامع المعلقة فى مصر والعالم الإسلامى. ويُصعد إلى أبوابه الداخلية بدرجات دائرية، ويحيط بصحنه أربعة أروقة، وتتكون هذه الأروقة من دعائم مبنية من الآجُرّ، وفى أركان كل دعامة بنيت أعمدة متصلة نقشت تيجانها بأشكال نباتية محورة بأسلوب «الأرابيسك»، وتعلو الدعائم عقود غطيت بطبقة جصّية غنية بزخارف متنوعة.


ويتكون رواق القبلة من خمسة صفوف من البوائك، ويعلو العقود إفريز خشبى زخرفى من الجصّ يعلوه إزار خشبى يحيط بأروقة الجامع، جميعها مكتوب فيه بالخط الكوفى البارز آيات من سورتى «البقرة، وآل عمران». كما يحيط بجدران الجامع الأربعة من أعلى 129 نافذة من الجصّ المفرغ بأشكال هندسية ونباتية محورة.


ويعتبر جامع ابن طولون أقدم مسجد يحتوى على لوحة تذكارية للبناء، وهى من البازلت الأسود، وحفر عليها بالخط الكوفى تاريخ إنشائه واسم منشئه. وتقع المئذنة فى الناحية الغربية، وتعتبر الوحيدة فى جوامع مصر القديمة التى تحتوى على سلالم، ويقال إن ابن طولون كان يصعد إليها بحصانه حتى يشاهد من فوقها ما يدور فى أرجاء مدينته، وهى مكونة من أربع طبقات: الأولى مربعة والثانية مستديرة والثالثة على شكل مثمن، أما الرابعة فتعلوها طاقية تكون معها شكل محبرة.



أقرأ أيضا