الفنون إبداع الشعوب لا الأديان

طلعت رضوان



 الفنون إبداع الشعوب لا الأديان



كتاب د. سعاد ماهر «الفنون الإسلامية» فى طبعاته العديدة يعتمد عليه كل المـهتمين بالتعرف على فنون الشعوب المختلفة، وعنوان الكتاب يشكـل مفارقة، حيث أثبتت المؤلفة «فى معظم فصول الكتاب» أنّ الشعوب وهى تـبدع فنونها كانت تعكس ثقافتها القومية، من ذلك قولها «ظهرت الرسوم الآدمية والحيوانية فى مصر، فى العصر القبطى متأثرة بالأسلوب القبطى» وهو ما أكده د. زكى محمد حسن، وأنّ الفنون فى العصر المملوكى الذى جلب من آسيا وأوروبا أوضحت تعدد التيارات والأساليب الفنية التى أثـّرت على الفن الإسلامى عامة والمصرى بصفة خاصة، أما الفخار المطلى بـ «المينا» أى بتعدد الألوان فهو امتياز مصرى؛ نظرًا لطبيعة التربة المصرية بعد فيضان النيل.


وعن الكتان المصرى استشهدت بما ورد فى كتب الرحالة مثل ابن حوقل عن الكتان فى العصر الإسلامى، وأنّ تصنيع الكتان وغزله اشتهرت به محلة بنها وسمنود وبوصوير، وتـصدّره إلى جميع أنحاء العالم، وهذا يرجع إلى أنّ المصريين القدماء برعوا فى طريقة الغزل الرطب للألياف المــتخشبة والتى تعد أحدث عمليات الغزل فى الوقت الحاضر لإنتاج الخيوط الرفيعة، وبواسطتها توصلوا إلى غزل خيوط غاية فى الدقة.


وعن أسباب عدم انتشار صناعة الأوانى من الفضة للعرب، نقلت حديث النبى «صلى الله عليه وسلم» الذى نهى فيه عن الشرب فى آنية من الذهب أو الفضة ولبس الحرير، ونقلت عن علماء المصريات أن الأزياء المصرية فى العصر الإسلامى امتداد للزخارف على ملابس المصريين القدماء وبراعتهم فى التطريز بالإبرة، وأنّ القطعة التى تحمل اسم «آمن- حوتب» تـعتبر أقدم قطعة ومحفوظة بمتحف الهيرميتاج بمدينى بطرسبرج.


وخصـصت المؤلفة فصلًا عن «القباطى» أى الأقمشة المصرية المزخرفة التى بدأت مع الحضارة المصرية، وامتدت إلى العصر القبطى والإسلامى، ونقلت عن بعض المؤرخين مثل «الفاكهى» فى كتابه «أخبار مكة» أنه كتب «رأيت كسوة من قباطى مصر مكتوبًا عليها باسم الله بركة من الله.. إلخ» وذكر البلاذرى نقلًا عن عبد الله بن عمر بن العاص، بصدد فرض الجزية، إلزام المصريين أن يؤدوا لكل «مسلم» جبة صوف وبرنسًا أو عمامة وسراويل وثوبًا قبطيًّا.


ووصف ابن عبد ربه فى «العقد الفريد» القباطى فكتب «إذا دنا وقت موسم الحج كانت الكعبة تكتسى بالقباطى، وهو ديباج أبيض.. إلخ»، وذكر ابن تغرى بردى فى «النجوم الزاهرة» أنّ الحاكم كسا الكعبة بالقباطى، والكلمة مأخوذة من كلمة «القبط» أى المصريين، وإن العرب الذين نزحوا إلى مصر كانوا فى غنى عن القيام بهذه الأعمال التى كانت تعد فى نظرهم «وضيعة ما دام معاشهم مكفولًا من ديوان العطاء»، كما ذكر المقريزى، ووجد قماش اسمه «بالأبيسون» نسبة إلى مدينة أوبيسون الفرنسية، زخارفه منسوجة بطريقة القباطى، واختتمت هذا الفصل بقولها: «ومما تقدم يتبين أنّ طريقة القباطى كانت مستعملة فى مصر القديمة، واستمرت حتى العصر الإسلامى»، وذكرت أنّ المصريين القدماء عرفوا صناعة «التكفيت» كما تدل على ذلك آثارهم وأشهرها قناع توت- عنخ- آمون، وحرفة «الصياغة» وتشكيل الذهب والفضة، توارثتها الأجيال منذ مصر القديمة حتى وقتنا الحالى، وخصصت فصلًا عن صناعة الزجاج المصرى منذ العصور القديمة وحتى العصر الإسلامى، وفصلًا عن السجاد المصرى.


والثقافة القومية الإيرانية عكست نفسها على الفن مثل التصوير الذى حرّمه الإسلام، وفى مدينة «الرقة» التى وقعت فيها معركة «صفين» قارورة على شكل رجل جالس يحتضن طفلًا «وأغلب الظن أنّ هذه التماثيل تحيى باعثـًا شرقيـًّا قديمًا هو الإله أشتار»، وأضافت «لم ينتج عن استيلاء العرب على إيران تغير للأسلوب الفنى السائد فى صناعة المنسوجات، وظلت قائمة فى العصر الإسلامى.. وإن العرب غنموا الكثير من التحف عندما قضوا على الدولة الساسانية، ومن هذه التحف مجموعة من الأباريق محفوظة بمتحف الفن الإسلامى، ولا يعنى ذلك بطبيعة الحال أنها صُنعت فى العصر الإسلامى».



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...