سياسة وعمامة.. وتاريخ مسكوت عنه!




 سياسة وعمامة.. وتاريخ مسكوت عنه!



عجيبٌ -بحق- أمر الأزهر والقائمين على شؤونه، فهُم يلومون المجدّدين والمتنوّرين والمصلحين على انتقاداتهم العنيفة لآراء مَنْ سبق، ثم هم ينتقدون أولئك المجددين والمتنورين والمصلحين بشكل يشى بأنهم ما درسوا علوم الدين، وما حفظوا أدبَ الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع المُخالفين، وما قرؤوا آى القرآن وتدبروها تدبيرًا.

فلو اطلعت، عزيزى القارئ، على افتتاحية العدد الأخير من مجلة الأزهر، التى جاءت بعنوان «الغارة المشبوهة على التعليم الدينى بالأزهر الشريف»، لاستولى عليك الدهش، ولتملكك القرَف من الألفاظ التى طفحت بها تلك الافتتاحية التى وجهها مجلس تحرير المجلة إلى «الفرانكفونيين والمتغربين وغلاة العلمانيين»، على حد زعمهم. وها هى ذى تلك الألفاظ «أهل الجهالة المركبة– الجهالات العلمانية– المرجفون– أهل الحملات الممنهجة والمنظمة والممولة– الفُسّاق– النفايات»!


 ثم إنهم يتهمون كلَّ مُصلح أو مُجدّد بأنه ينتقى من كتب التراث التى يدرسها طلاب الأزهر، ويعزل الكلمات عن سياقها العام وعن الكليات الفكرية الحاكمة لها، ليفترى على الأزهر وعلمائه، بينما الذى يفعل ذلك، بحِرص وافتئات وغُشْم، هم الأزهريون أنفسهم لا غيرهم، فهم ينقلون من تاريخ الجبرتى ما يروق لهم وما يتّسق مع أفكارهم، ويتركون ما لا يتسق مع تلك الأفكار، وهم ينقلون من الأستاذ الإمام محمد عبده، ما يروق لهم لكنهم لم ولن يتجاسروا على نقل انتقاداته للأزهر ومناهجه ومشايخه الذين ناصبوه العداء، ولمزوا وغمزوا فى شخصه ودينه، بل وصفه شيخ الأزهر وقتها، عبد الرحمن الشربينى، بمثل ما يصف به الأزهريون منتقديهم اليوم، فوصف دعوته إلى الإصلاح بأنها ترمى إلى أن يُحوّل هذا المسجد العظيم إلى مدرسة فلسفة وآداب تحارب الدين وتطفئ نوره!


 فهُم يدّعون أنّ مشايخ الأزهر هم من قاوموا حملة نابليون بونابرت «1769– 1821م»، حتى إنهم أجبروه على الفرار ليلا! وهم يستشهدون بقول الأستاذ الإمام: «ليس فى الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة، والدعوة إلى الخير والتنفير من الشرّ»، بينما يتناقضون مع ما استشهدوا به، فطفقوا يتتبعون ويصادرون ويمنعون الكتب التى تخالفهم، والبرامج التى تنتقدهم!


وليس الأمر بمعزل عن السياسة التى يتلونون بها كل حين، والسلطة الكهنوتية التى يتحصلونها باسم الدين وفهمه، والتى جاهدوا طوال قرون للحفاظ عليها وعلى مكتسباتها وصلاحياتها العظيمة، فالفتاوى السياسية للأزهر ما وقفت فى جانب الشعب قط، بل كانت دائما فى جانب الحاكم باعتباره ولىّ الأمر والنّعم؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان الأزهر هو صاحب اقتراح بأن يتم تتويج الملك فاروق فى الأزهر، لإسباغ شرعية الخلافة عليه، ما حدا بالنحاس باشا إلى أن يرفض ذلك رفضا قاطعا، فأعلن أن فاروق ملِك الأمة، ويجب أن يُتوّج فى مجلس الأمة لا فى الأزهر، وقبلها عندما أصدر الشيخ على عبد الرازق كتابه «الإسلام وأصول الحُكم» فى عام 1923، قام مشايخ الأزهر بالثورة عليه وجرّدوه من شهاداته العلمية، وطردوه من القضاء الشرعى، بعد أن أمر القصر الملكى بذلك؛ لأن عبد الرازق بكتابه هذا قد قطع الطريق على الملك فؤاد الذى كان الأزهر يستعد لتنصيبه خليفة للمسلمين بعد أن انهارت الخلافة العثمانية فى نفس العام الذى صدر فيه الكتاب، ولم يكن الأمر إلا سياسة يغرق فيها الأزهر، فلا يتّسق مع الشعب لأنه ينفخ فى الحاكم!


وطوال التاريخ كان الأزهر ضد التجديد والتنوير والعلم، فقد أنْحَى الجبرتى عليهم باللوم لأن عددًا كبيرًا منهم «يجعلون عباءاتهم أكبر حجما، وأكمامهم أكثر عرضًا»، حتى يكونوا سادة على الناس بهيئتهم لا بعلمهم الذى لا يعرفون منه سوى العلوم الدينية التقليدية، حتى إن قليلا منهم يعرفون الحساب والجغرافيا والمنطق والفلك وغير ذلك من علوم حديثة تخدم العلم الدينى بلا شك.

«راجع تاريخ الجبرتى مج 1 ص 80-81».


ونصوص الجبرتى تعطينا أدلة دامغة على العقلية الأزهرية المتجذّرة فى التقليد، كما تعطينا رؤية اجتماعية لأشياخ الأزهر الذين التحق أكثرهم بالأزهر لأنهم كانوا ممنوعين من الاستقرار فى القاهرة، فقبل القرن التاسع عشر كان القرويون ممنوعين من الاستقرار والإقامة فى القاهرة، ما عدا مَن التحق بالأزهر للدراسة، فكان أكثر علماء الأزهر وأشياخه من أصول ريفية فقيرة، فلم يكن شيخ واحد من مشايخ الأزهر فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين من أصل غير ريفى، وكان أكثرهم يخفون أصولهم الريفية، خجلا من ذلك أمام القاهريين!


حدثت نقلة نوعية عظيمة -إذن- لأشياخ الأزهر الذين تقرّبوا من الأمراء فكانت لهم منازل وقصور على بركة الأزبكية ونيل بولاق، وحازوا ثروات واسعة بفضل تقربهم من الحكام وسيطرتهم على أموال الوقف، حتى إن قصر شيخ الأزهر، محمد شنن المالكى «1656- 1720م» قد فاض بالعبيد والجوارى والمماليك «الجبرتى، مج 1 ص 73»، واشتغل أكثر العلماء بالتجارة، وتصارعوا على المناصب التعليمية فى الأزهر، فلقد حدث كثيرا أن قطع العلماء الطريق إلى إسطنبول؛ لإقناع ذوى النفوذ هناك بأن يقوموا بتعيينهم فى مناصب تعليمية، وكان هذا يتطلب عزل من يقوم على المنصب، وقد يكون هذا المعزول أكثر كفاءة! «راجع المجتمع المصرى تحت الحكم العثمانى– ص 189، نقلا عن مخطوط الفتاوى الصغرى لابن نُجيم».


لا أدّعى أننى أستطيع الإحاطة بتاريخ الأزهر وأشياخه مع السياسة ودروبها فى تلك المقالة، لكننى عمدت إلى الخلفية السياسية/ الاجتماعية التى تشكّل العمائم التى تنطق بالدين وتنال امتيازات شتى وصلاحيات كبيرة باسم الدين الذى لا يُنكر عاقل أن السياسيين والحكام على مرّ العصور قد استغلّوه أسوأ استغلال وهم يلتحفون فتاوى العلماء التى سيقت لتزكية قراراتهم السياسية، بما يعنى أن كثيرا من الحكّام الذين يتململون من نصوص الدين هم أول من استغل تلك النصوص عبْر فتاوى الأشياخ المنبطحين تحت أقدام حكمهم، حتى لا يفقدوا مكانتهم ودوْرهم الكهنوتى الضالع والمتمحور حول تسييس الدين وتديين السياسة!


وإنى لأعجب من تزيّد افتتاحية مجلة الأزهر حين ادّعت أن الإمام أبا حامد الغزالى له مبحث فى فقه مقاومة الاستبداد، فى موسوعته «إحياء علوم الدين»، لمجرد أنه أورد طائفة من الأحاديث التى تحاصر أمراء الاستبداد، كحديث: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده…»، وحديث: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»، وحديث: «أبغض القراء/ العلماء إلى الله تعالى الذين يزورون الأمراء…»، وغير ذلك من أحاديث ضمّنها الغزالى فى مبحثه ذلك، على الرغم من أن الغزالى -رحمه الله- لم يعمل بتلك الأحاديث حيث تعدّدت علاقاته بالسلاطين السلاجقة الذين أنشؤوا المدارس والخوانق، ودخل فى خضمّ السياسة وسوّغ وأوجب طاعة المتغلّب ولو كان جائرا؛ لأن المقصود أن يجتمع شتات الآراء لشخص مطاع، وقد صار الإمام بمبايعة هذا المطاع مطاعا! «راجع الاقتصاد فى الاعتقاد للغزالى، ص 216-217، ط 1969 بيروت».


قصارى القول، لم تكن السياسة بمعزل عن العمامة قط، ولم تكن العمامة بعيدة عن الواقع السياسى ومعطياته التى تكرّس فى الغالب للجمود والتخلف اللذين يتكسّب من ورائهما الأشياخ والمعمّمون كثيرًا، فينبرى أكثرهم إلى وأْد كل رأى جديد، وكلّ فكر مُتنوّر يبتغى الانعتاق من إسار القداسة وهيمنة الكهنوت الطاغى باسم السلطة الدينية.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...