التطور الطبيعى للفرد الإسلامى

شاهيناز وزير



التطور الطبيعى للفرد الإسلامى



يجب علينا ملاحظة أن قبل أكثر من عشر سنين لم يعرف عامة المصريين كلمة «سَلَفِى»، لا شك كان الإسلاميون موجودين وقتها بملابسهم وأفكارهم وسلوكياتهم، لكن كان الواحد منهم يلقب «بالسُّنِّى» خصوصًا فى الأقاليم، وبالرغم من أن المرء قد يجد دهشة من هذا اللقب ولسان حاله يقول: وهل نحن شيعة مثلا، نحن أيضا سنة، لكن الاختلاف كان فى ادعاء هذا «السنى» أنه أكثر دراية وتمسكا بسنة رسول الله من باقى العوام من الناس وعُرِف عن هؤلاء «السنيين» التشدد والغلظة، وكانوا يدعون إلى إحياء سنة رسول الله المهملة من خلال أحاديثه وسيرته، فهم لم يكتفوا بالقرآن بل عملوا على ترسيخ فكرة أن السنة النبوية مكملة للقرآن، وبصرف النظر عن الإهانة التى تحتويها كلمة «مكملة» تلك وكأن القرآن ناقصٌ يحتاج لمن يكمله، وكأن الله تبارك وتعالى لم يقل فى سورة القيامة «ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ» تلك الآية العظيمة التى تدل أن الله لم يفوض أيًّا من البشر لتوضيح كلامه، وربما يكون توجههم لما يقولون عنه سنة رسول الله سبب ضلالهم، وحاشا رسولنا الكريم أن تكون سنته معيبة أو مضلة، لكن القصد أن من الخطأ مساواة القرآن الذى لا ريب فيه كنص مقدس منزل محفوظ من رب العالمين بكتب بشرية موضوعة ومنقولة من البديهى أن تحتوى على أخطاء عمدًا أو سهوًا، فالنهج الخاطئ فى التشريع والقائم على التسليم بصحة ما فى كتب بشرية موضوعة يؤدى للضلال لا محالة خصوصًا وأن البخارى صاحب أهم كتاب للأحاديث النبوية ولد بعد نحو مائة وثمانين عاما من وفاة الرسول.


وبعد مرور السنين تحول لقب «سنى» إلى لقب «سَلَفى» وهنا بدأت الدعوة تأخذ بُعدًا جديدًا، فهم الآن يدعون إلى التوجه إلى «السَّلف الصالح» ويعملون على ترسيخ فكرة أن اتباعهم هام من أجل فَهم السُّنة وإصدار الأحكام الفقهية، فَهُم أئمة أجلاء أفنَوا حياتَهم فى الورع ودراسة الدين وسيرة النبى، وهم أجدر بالاتباع على ما هم عليه من علم عظيم، ولا يرى أولئك «السلفيون» أنهم بذلك يبتعدون عن كتاب الله أكثر، بل أصبح لديهم متسع من انتقاء من يشابه فكره فكرهم من ذلك السلف فيصبح صالحًا؛ لأنه يخدم طموحاتهم السياسية وأفكارهم القمعية وسلوكهم الإجرامى، لذلك يروا أن أئمتهم هم أيضا لا ريب فيهم.


وأنا لا أستبعد أن يتحول لقب «سَلَفِى» بعد وقت كاف إلى لقب «وَهابى» خصوصًا فى ظل الدعم الوفير الذى تقدمه بلاد النفط إلى شيوخ الفكر الإسلامى الحالى وترددهم الدائم على بلادهم، وتشبههم بملابسهم ودعوة الناس إلى الاقتداء بشعوبهم، وكما تلك الشعوب تفتخر بانتسابها إلى «محمد بن عبد الوهاب» ولا يدرس لها سوى القرآن بتفسيره، سنكون مثلهم ونسمع خطباء المنابر يستدلون بآرائه لإصدار الفتاوى بعد أن يظهر اسمه علانية كواحد من أئمتهم الأجلاء، وسيكثر إنتاجنا للإرهابيين حتى إذا ما ضاقت بلادنا بهم صدرناهم لجميع أنحاء العالم، وسيبقى الفارق الوحيد بين تلك الشعوب وباقى الشعوب الإسلامية هو أن بلادهم لا تطالها الإرهاب على عكس سائر البلدان.


لذلك فالتحويل للإرهاب يتم بالتدريج وعبر البعد -شيئا فشيئا- عن القرآن وابتداع مختلف المسميات لإظهار الولاء للأئمة دون القرآن والتباهى بالانتماء للجماعة، فَمِن سُنِّى إلى سَلَفِى إلى وَهَابِى إلى دَاعِشى، وكما لا يكفينا القرآن، لا يكفينا كلمة «مسلم».


وكما قال محمد الغزالى: «هجر المسلمون القرآن إلى الأحاديث.. ثم هجروا الحديث إلى أقوال الأئمة.. ثم هجروا أقوال الأئمة إلى أساليب المقلدين.. ثم هجروا أساليب المقلدين وتزمتهم إلى الجهال وتخبطهم».



أقرأ أيضا